أينما يذهب يطارده السؤال نفسه: كيف لمبدع مثله لديه مشوار حافل في الفن والسياسة لا يبلغ رصيده سوى ثلاثة أفلام روائية فقط؟! وفي كل مرة يبتسم المخرج رضوان الكاشف ويقول في كلمات مقتضبة: إنه الحرص في البحث عن موضوع جيد ومنتج يقتنع بالسينما قبل الشباك. ولعله من هنا قرر الكاشف صاحب العديد من الأفلام التسجيلية والأفلام الروائية الثلاثة التي اقتنصت جوائز سينمائية عالمية ومحلية: «ليه يا بنفسج» و«عرق البلح» و«الساحر» أن يدخل حلبة الانتاج بفيلمه الأخير «الساحر» وهو حين يستعد لدخول البلاتوهات بفيلمه القادم «عقبال عندكم» وفقه الحظ بمنتج جرئ هو كريم جمال الدين. وعن هذا الفيلم يقول رضوان الكاشف: أعد حاليا لتصوير فيلمي الروائي الرابع عقبال عندكم من تأليف سيد فؤاد ويقوم ببطولته عمرو واكد وفيفي عبده وينتجه كريم جمال الدين، وهذا الفيلم ينتمي لنوعية الأفلام الجديدة التي لم يعتدها الجمهور المصري، لذا فأنا أعتبره مغامرة فنية كبيرة خاصة وأنه أقرب في طبيعته الى طبيعة المسرح، فسيكون عبارة عن ليلة عرض في حي عشوائي ولذلك سيتم تصوير ما يقرب من 95% من مشاهده في ستوديو داخلي ولا يوجد بها إلا مشهد واحد خارجي وهو مشهد الانتحار. ـ ما الذي يتناوله هذا الفيلم الذي وصفته بالمغامرة الفنية؟! ـ هو بالفعل مغامرة أتمنى له النجاح، ويتناول الطبقة الكادحة في حي عشوائي حيث تدور الأحداث حول ليلة فرح في حي شعبي من خلال شاب وفتاة يحلمان بهذه الليلة التي لا تكتمل وتتعطل الأحلام البسيطة على صخرة الواقع. ـ مرة أخرى تعود الى عالم المهمشين في فيلم عقبال عندكم وهو العالم الذي سبق أن أبرزته في أفلامك الثلاثة السابقة ليه يا بنفسج، وعرق البلح والساحر، فلماذا تفضل دائما اللجوء الى هذا العالم الذي يصفه نقاد السينما بأنه العالم المفضل لرضوان الكاشف؟! ـ هذه حقيقة لا أنكرها، واذا استطعت أن أفعل هذا في كل أفلامي المقبلة سأفعلها، وإن كنت لا أعتبر أفلامي عن المهمشين ولكنها دارت حول الفقراء الذين يشكلون أكثر من 95% من المجتمع المصري والذين يتحايلون على الفقر ليقفزوا على حواجزه ويتجاوزوا قسوته لكي تستمر الحياة، فهذه المحاولات للتعايش تصنع مفارقات مدهشة تستثيرني وتجذبني بقوة، فأجدني أصنع عنها فيلما، فباستثناء عرق البلح الذي تناول عالم الجنوب بخصوصيته وسحره الأسطوري، فإن ليه يابنفسج والساحر تناولا عالم الفقراء بكل ظروفه القاسية التي لا يستسلم لها الناس البسطاء ويعيشون الحياة متجاوزين القهر والآلام وباحثين عن الأمل والحلم في الخلاص. ـ هذا يجعلنا نسألك عن أهم الموضوعات التي تشغل بالك وترغب في تحويلها لأفلام؟! ـ إنها موضوعات كثيرة أسعى من خلالها للبحث عن روح افتقدناها.. عن طموحات وأحلام اختفت عن حياة أحاول إعادة اكتشافها، عن بشر حقيقيين لديهم قلب، ولعل مشروع الفيلم الذي أعكف على كتابته حاليا تحت عنوان (نحن) يدور في هذا الاطار حيث يدور عن المثقف وغربته وهزيمته في العالم الثالث. ـ «بشر لديهم قلب»،، هل ذلك كان الحافز الذي دفعك لتقديم فيلمك الأخير (الساحر)؟! ـ ربما.. «الساحر» هو حصان بائس يراد له أن يصير فرسا عربيا أصيلا، وأوزة بيضاء يعشقها طفل على أعتاب العمى، و«حفافة» وهي السيدة التي تزين العرائس - تسعى وراء قتل زوجها السابق الذي أهان أنوثتها، وسائس خيل عجوز لم يتمكن من تحقيق حلمه باقتناء حصان يؤنس وحدته، وفي وسط كل ذلك يعيش منصور بهجت الذي يمتلك روحا تحتفي بالحياة ومتفائلة دائما الساحر باختصار هو احتفالية بالحياة. ـ و.. لكن أكان الأمر يستلزم الانتظار ثلاث سنوات لتقديم الساحر بعد فيلمك السابق له عرق البلح؟! ـ نعم كان الأمر يستلزم ذلك، كما استلزم من قبل أن أنتظر عشرة أعوام لأجد منتجا لفيلم عرق البلح فالجميع يخافون من انتاج النوعية التي تنتمي اليها أفلامي ويفضلون الأفلام «اللذيذة.. المسلية»!! ـ لذا قررت أن تخوض تجربة الانتاج بنفسك؟! ـ هذا صحيح، وقد وقفت الشركة العربية الى جانبي وقفة جيدة، وتجربة الانتاج هذه بقدر ما أربكتني بعض الشئ في البداية، إلا أنها أضافت الي الكثير وجعلتني أكثر حرية في خلق مناخ العمل المناسب، وأعتقد أن تجربتي الثانية ستكون أكثر ثراء وقدرة على العمل دون ارتباك. ثنائي متفاهم ـ هنا يأتي الكلام عن رفيقك الكاتب سامي السيوي.. فكيف استطعتما أن تكونا ثنائيا فنيا بهذه الروعة؟! ـ في الحقيقة إن سامي السيوي هو رفيق وصديق، نشأنا سويا في حي واحد وتعلمنا في مدارس واحدة وأفكارنا وأحلامنا متقاربة، لذا كان من الطبيعي أن نعمل سويا، ولكن أجمل شيء في علاقتنا أننا لم نحتكر بعضا فهو له الحرية في أن يكتب لغيري، وأنا أيضا لي تجربتي في الكتابة.. علاقتنا صحية تحتمل الصداقة والابداع، خاصة أن سامي السيوي كاتب موهوب ولديه حساسية عالية في الكتابة، والأهم أنه يصنع معي نقطة بارزة على خارطة التفاهم التي تجمعنا. ـ أفلامك، على قلتها، إلا أنها اقتنصت جوائز في المحافل السينمائية الدولية والمحلية، فهل تعمل وعينك على الجوائز؟! ـ أبدأ عملي وأنا حريص على إتقانه وتقديم الأجود والأفضل، واذا جاءت الجوائز بعد ذلك فهي تكليل لمجهودي الذي بذلته، ولم تكن الجوائز أبدا هدفا لي.. ولم أسع اليها، ولكن وجودها بلاشك يسعد المبدعين. ـ ما هو السؤال الملح والمطارد دائما لرضوان الكاشف؟! ـ بصراحة هو سؤال تقريبا اعتدت عليه وهو: كيف لمبدع مثلك له مشوار حافل مع الفن لا يبلغ رصيده في السينما الروائية سوى ثلاثة أفلام فقط؟! والاجابة تتلخص في أنني درست في البداية الفلسفة وعشت فترة طويلة أخوض في العمل العام والسياسة ولي تجربتي المعروفة في هذا الاطار، وعملت كمساعد مخرج ولكن تجربتي الخاصة في الاخراج تأخرت لأنني كنت طوال الوقت حريصا على تقديم أفلام حقيقية والعثور على هذه الأفلام كان صعبا، والأصعب كان العثور على منتج يقتنع بها وينتجها.