الصدق.. الشفافية.. الاحساس الكامل.. صفات يصعب تواجدها فى فنان آخر غير النجم يحيى الفخراني.. حياته مثل فنه.. مزيج من الحكمة والمشاعر.. فهو نجم لم يحقق شهرته بسهولة ولم يصعد اسمه بالحظ، بل خلق لنفسه الفرصة وعمل بدأب على تنميتها حتى نضجت ليرتوي منها المشاهد مهما إختلفت أذواقه، هو عاشق للسينما وراهب فى المسرح وضيف مرغوب فيه على شاشة التلفزيون.. الفنان يحيى الفخراني يشعر الآن بأنه يعيش شباب التمثيل وان لياقته الفنية ارتفعت حرارتها بدرجة تساوي أو تفوق درجة حرارة الواقع.. وفى هذا الحوار لم يقف الفخراني عند محطات صعوده وأعماله المتنوعة، بل كشف أيضاً عن مواقف خاصة شكلت ملامح الفنان والانسان بداخله، وان كان الحزن قد خيم على هذه الملامح وتاهت ابتسامته المعتادة تأثراً بما يدور فى الأراضي الفلسطينية المحتلة وبادر قائلاً : أن ما يدور اليوم فى هذه الأراضي سيذكره التاريخ كواحدة من أكبر المذابح البشرية وتطهير عرقى للشعب الفلسطينى، وقلبي يتألم بسبب البشاعة التى يواجهها الشعب الفلسطيني الأعزل، ان هذه الحرب تصرع الشعوب والنساء والاطفال. وعندما تصاعدت أنفاس الفخراني حاولنا أن نخرجه الى «الملك لير» باعتباره الحالة الخاصة جداً التى يعيشها حاليا على خشبة المسرح فسألناه: ـ هل عشقك لأدب شكسبير هو الذي دفعك لتجسيد الملك «لير»؟ ـ لا أستطيع أن أنكر حبي الشديد وإعجابي الكبير بأعمال المبدع وليم شكسبير، وأعتبر أن واحداً من أهم أدوار الفن هو تقديم الأعمال العظمى وتبسيطها للجمهور حتى يتسنى للجميع الوقوف على هذا الفن الرفيع، وبعد إبحار عميق فى أعمال شكسبير قررت أن أقدم «الملك لير» على الرغم من أنني فكرت أن أقدم «تاجر البندقية». وكنت أتمنى ان أقدم «لير» باللغة العامية المستنيرة ليصل الى أكبر كم من الجماهير، لكن ذلك تعثر للحفاظ على روح الشعر الرائعة التى يتمتع بها شكسبير، لذلك قدمناه بالفصحى البسيطة حتى يحبها الجميع ويتذوقوا هذا الأدب الراقي. بين الكوميديا والتراجيديا ـ كيف استطعت المزج بين الكوميديا والتراجيديا في مسرحية «الملك لير»؟ ـ فى الحقيقة النص «مأساوى»، ولكن هذا لم يمنع من إرتفاع ضحكات الجمور ساخرة من تصرفات الملك لير نفسه.. تلك الشخصية المركبة والمليئة بالتناقضات. وعموما أنا لست ممثلاً كوميديا، لكن إذا كان الجمهور يرى أن «دمي خفيف» فهذا شيي يسعدنى ويؤكد أننى لعبت الشخصية بصورة صحيحة، رأيتها وتخيلتها، وكنت أريد أن أجعل منها شخصية كوميدية الى حد ما، حتى يرى الناس الوجه الآخر لها.. فهو يضحك معها وعليها.. وشيء جميل ان يخرج الجمهور وهو سعيد، فالمسرح الجاد لا يعنى الاكتئاب او الضغط على المشاكل التى ينبغى ان تذوب فى ظل كشفها. ـ الواضح أنك تركز في كل أعمالك على الجوانب الانسانية.. فكيف استطعت اكتشاف هذا الجانب في الملك لير ؟ ـ الجمهور فى أمس الحاجة لتقديم الجوانب الانسانية، خاصة أننا نعيش فى زمن تاهت فيه القيم، وعلى الرغم من أن كل من قدم الملك لير من قبل ركزوا على الجوانب السياسية، فقد ركزنا على الجوانب الانسانية والحزينة الخاصة بعقوق الأبناء للآباء وهذه المشكلة تهدد أمن المجتمع وهذا الجانب الانساني لا أنكرحرصي الشديد عليه فى كل أعمالي، وربما لمس الجمهور ذلك فى شخصيتي التلفزيونية الأخيرة «جابر مأمون نصار» فى مسلسل «للعدالة وجوه كثيرة». ـ كيف كان استعدادك الخاص لشخصية معقدة - كما ذكرت - مثل الملك لير ؟ ـ لقد دخلت فى نظام غذائي ورياضي خاص منذ بداية البروفات.. حيث كنت أقوم ببعض تمارين «اليوجا» لأننى فى نهاية العرض أقوم بحمل «ريهام عبد الغفور»، التى تجسد دور ابنتي، على ظهري وأسير بها بين الجمهور.. فالدور يحتاج الى مجهود ذهني وعضلي غير عادي، لذلك يجب ان يكون للملك لير استعداد خاص. ـ أعرف أن هناك خيطاً رفيعاً في كل شخصية تلمسه أولاً وتتذوقه فكيف وجدته هذه المرة ؟ ـ تدور قصة الملك لير حول ملك انجليزي قرر التنازل عن ملكه لبناته الثلاث فيجتمع بهن ويطلب من كل واحدة أن تخبره بحجم حبها له حتى تأخذ نصيبها من المملكة فتخدعه ابنتاه الكبرى والوسطى، وتوهمانه بأنهما غارقتان فى حبه، أما الصغرى فتعجز عن التعبير عن حبها فيغضب منها ويقرر تقسيم المملكة على البنتين، لكنه يكتشف سعيهن للسيطرة على المملكة حتى لو كان ذلك على حساب علاقتهما به، لذلك تجده فى حيرة.. هل هو تصرف بشكل صحيح أم لا ؟ هذه الحيرة هى الركن الرئيسي فى لعب الدور الممزوج بين العلاقة الأبوية والسلوك البشري والخلق الديني. ابنتي التي لم أنجبها ـ لاحظ الجمهور علاقة أبوة شديدة النعومة فى جابر مأمون نصار، وتكررت أيضا مع ابنتك الصغرى في لير.. هل هذا بسبب رغبتك فى ان يكون لك ابنة فى الواقع ؟ - لاأنكر أنني وزوجتي كنا نتمنى أن يكون لنا إبنة، وهو ما يجعلنى دائماً شديد التعاطف مع بناتي فى الأعمال الدرامية التى أقدمها، حيث أشعر دائما أنني لا أمثل، وليس هذا فقط أماما الكاميرا أو على خشبة المسرح، بل وفى الكواليس أيضاً، فقد شجعت «دنيا» فى مسلسل «للعدالة وجوة كثيرة» وشعرت أنها ابنتي بحق، وكذلك مع ريهام عبد الغفور فى المسرح.. فتشجيعي لهن لم يتوقف أبداً. ـ هل لك متطلبات أو ملامح خاصة للشخصيات التى تجسدها مثل «سيد أوبرا» و«سليم البدري» و«جابر مأمون»، وجحا وغيرها؟ ـ لا توجد ملامح أو شروط خاصة، الوضع متعلق دائما بكوني أشعر بالناس، واهتم بقضاياهم، وقدري أن أكون ممثلاً! ولهذا فعندما يعرض عليي عمل وأجده يلمس وتراً حساساً عند الناس أتفاعل معه وأجد نفسي أتعامل معه بصدق وبالشكل الذى يسعد الناس وتلتف حوله. وربما لأن هذه الشخصيات نلمسها جميعاً حولنا، حيث نعيش بينها، لكني أعترف أنني قررت أيضاً البحث عن شخصيات من التراث لتقديمها لتأكيد أن الخط البياني للشخصية المصرية والعربية واحد منذ القدم، مهما اختلفت العصور والازمان ولهذا اخترت شخصية «جحا» لأقدمها فى مسلسل تلفزيوني جديد.. وهى شخصية ثرية للغاية وقد أحببتها، ولدي قناعة بأن نجاح أى عمل ينبع من حب الشخصية والتحمس لها، فقد تركت العديد من الأعمال على الرغم من قوتها وجودتها لسبب بسيط هو أنى لم أجد نفسي فيها. ـ هل تسعى لتقديم الشخصيات التي بها بعض من صفاتك ؟ - تستفزني جداً الشخصيات البعيدة عني تماما وأتحدى نفسي كي أقدمها ولا أنكر أننى تمنيت أن أعيش حياة «سيد أوبرا» فى بساطتها وليس فى سلبيتها.. فى عودته لنفسه وليس فى الهروب منها، فالناس أحبت شخصية «أوبرا» عندما عاد الى وعيه ودافع عن الفتاة البريئة، وهذه هى النفس البشرية الطيبة، التى تميل للخير وأنا كذلك. ـ منذ عدة سنوات وأنت تستعد لتقديم عمل تاريخي عن «الملك فاروق» الذى تكتبه زوجتك.. فما هي حكايته ؟ ـ تعاقدت مع إحدى القنوات الفضائية لإنتاج مسلسل تلفزيوني جديد عن الملك فاروق، وهو عمل تاريخي من تأليف الدكتورة لميس جابر، وأنا لا أجامل أبداً فى عملي كما يعتقد البعض، فلو وجدت نص زوجتي غير جيد ولا يضيف اليي لما قبلت ووافقت على تقديمه وعلى الرغم من تخوفي من تقديم مثل هذه الشخصية، إلا أنني متفائل جداً بهذا العمل بالتحديد، وقد قرأت كثيرا خلال الفترة الماضية عن الملك فاروق وشخصيته لكنى سأقدمه برؤيتي الخاصة، فهو فاروق الأول والأخير وسيكون مفاجأة للجمهور، وسوف أبدأ العمل فيه خلال شهر يوينو القادم. ـ فى ظل التألق التلفزيوني والمسرحي هل يمكن أن نقول أنك مضرب عن السينما ؟ ـ هناك الكثير من الأعمال السينمائية التى تعرض عليي ولكن بعد فيلم «مبروك وبلبل» الذى عرض منذ حوالى ثلاثة أعوام لم أشعر أن هناك عملاً يناسبني. فالسينما الحالية تسعى لتقديم شكل لا أستطيع تقديمه، فالسوق اختلف والحسابات تباينت.. وأنا لا يشغلني أن أكون متواجداً فى السينما بقدر ما يهمني الوصول لجمهوري فقط وتقديم ما عهده مني وأسعى دائما لإرضائه وأنا غير متفائل بما تشهده الساحة السينمائية الآن بإستثناء بعض التجارب القليلة والنادرة التى تحاول أن تعيد الأمل لقيمة العمل السينمائى، لكن يبدو أن هذا ليس عصري أنا! ـ لماذا لم تعاود تجربة الانتاج ؟ ـ لأنها ليست لعبتي.. وعلى الرغم من خسارتي المادية إلا أننى كسبت أعمالاً أعتز بها جداً فى تاريخي. فقد كان دافعي للانتاج فيما مضى «غريباً» وهو كراهيتي للغربة، لذلك أقبلت على إنتاج موضوع يناقشها وهو «عودة مواطن» الذى قدم قصة رجل اغترب لمدة تسع سنوات عاد بعدها ليجد المجتمع كله قد تغير وضاعت أسرته بسبب غيابه عنها وكانت رسالتي فى العمل واضحة وتكمن فى الدعم النفسي، باعتباره عنصراً مهماً فى الحياة عموماً. ـ هل كراهيتك الشديدة للغربة وراءها أسباب شخصية ؟ ـ ياه.. أنت تذكرني بتاريخ طويل.. وتعود بي سنوات الى الوراء، فقد عانيت الغربة بشكل آخر عندما كنت طفلاً صغيراً يبلغ من العمر عامين فقط، حيث فقدت أبي، وسرقني رجل آخر، ظل يطوف بي المدينة لعدة ساعات حتى يبحث عن وسيلة للهروب ولكن شاء القدر وعثر عليي أبي فى مدخل المدينة حين اشتبه فى الرجل، ولك أن تتخيل أن هذه الساعات القليلة لن أنساها حيث شعرت بإحساس غريب، إذ ابتعدت عن حضن أمي ومداعبات أبي ومنذ ذلك الوقت وأنا أفضل البقاء مع أسرتى ولا أسافر للخارج حتى بيتي الذى أسكن فيه منذ مجيئي للقاهرة لم أغيره، فقد ارتبطت به كثيرا. ـ ألم تحلم ان تقدم عملاً سينمائياً من إخراجك، مثلما قدمت فيلما من إنتاجك ؟ - كان أحد أمنياتى أن أقدم فيلما من إخراجى، الى ان التحق أبنى شادى بالمعهد العالى للسينما وأصبح مخرجاً. ـ هل تقبل العمل فى فيلم من إخراج ابنك ؟ ـ عندما يجد شادي الفكرة المناسبة أساعده بكل قوتي، ولماذا لا أساعده فقد وقفت الى جانب الكثير من الشباب وآخرهم المخرجة «ساندرا نشأت» فى أول أفلامها (مبروك وبلبل). ـ ما هو سر خجلك الدائم ؟ لا أعرف فعندما كنت أدرس بكلية الطب، كانوا يقولون لنا أن الممثل حالة خاصة، فهو جريء ويحب الظهور.. ولكني أؤكد خطأ هذه النظرية فهذه التركيبة تبتعد عني تماما و مازلت أعيش بروحي ومشاعري الطيبة التى تربيت عليها، وهكذا يجب أن يكون الإنسان. ـ بعد هذا النضج الفني ما الذي تفكر فيه الآن؟ ـ ما أفكر فيه دائماً (جمهوري) الذى يحاصرني بالحب والود والصداقة، وكل ما يشغلني أن يكون لدي القدرة لتأكيد هذه الألفة التى بيننا وأن تكون لدي القدرة على إسعاده وهذه مسألة غاية فى الصعوبة.