اقر مجلس الشعب في جلساته الاخيرة عدة مشاريع قوانين تتعلق باحداث عدة مستشفيات في انحاء سوريا تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والاداري، الذاتي وترتبط بوزارة الصحة وإحداث هيئات عامة صحية علمية وتدريبية في عدة مستشفيات قائمة تابعة لوزارة الصحة في القنيطرة ودمشق وريف دمشق وحلب وكان من الواضح ان الغاية من احداث هذه الهيئات هو تحويل المستشفيات التابعة لوزارة الصحة او بعض منها بشكل مباشر او غير مباشر الى مؤسسات رابحة دون الدور الاجتماعي المفترض للدولة والذي يجب ان يؤخد دائما بالحسبان وبالتالي تقديم بعض الخدمات الصحية في المستشفيات الحكومية عبر رسوم مالية متصاعدة تصل الى 50% في المرحلة الاولى في الوقت الذي كانت تقدم خدماتها الى جميع المواطنين بالمجان ودون اية رسوم رغم العديد من الملاحظات التي كانت تقدم على مستوى هذه الخدمات وهذا ما استدعى من النواب الشيوعيين في المجلس وبعض الاعضاء الاعتراض على هذه المشاريع والتصويت «ضد». قضية اجتماعية ودون الغوص في التفاصيل الدقيقة وتبيان مدى خطورة التوجه من الناحية الاجتماعية نحو الغاء مجانية القطاع الصحي الحكومي نقول ان المسألة الصحية في سوريا على وجه الخصوص ليست موضوعا طبيا فحسب بل هي مسألة من الدرجة الاولى مرتبطة بمختلف نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية للجماهير الشعبية الكادحة ولذوي الدخل المحدود كما رغيف الخبز والتعليم المجاني هذه القضايا الجوهرية الثلاث التي تخص حياة الناس وواقعهم المعاشي ولا يجوز المساس بها بأي شكل من الاشكال. تدهور صحي ولايضاح حجم المشكلة الصحية في البلاد نتناول جانبا منها لا اكثر من خلال بعض التقديرات والايحاءات الرسمية الواردة في المجموعة الاحصائية لعام 2001 اذ يبلغ معدل وفيات الولادات نحو ولادة عن كل 47 في مختلف المستشفيات العامة والخاصة وهذا الرقم ربما يكون اقل من الواقع ذلك لان العديد من واقعات المواليد لا تحدث في المستشفيات بل عند قابلات البيوت كما تدل الاحصائيات الرسمية على ان العمر المتوقع للانسان هو بحدود 66 سنة للذكور و 68 سنة للاناث وان معدل الولادات 43 بالالف ومعدل الوفيات «عدا الاطفال حديثي الولادة» 6 بالالف اذا ما افترضنا ان الانسان قد عاش حياته الطبيعية. ولو عدنا للاحصاءات ذاتها لوجدنا ان هناك حوالي 983 مركزا لمكافحة الامراض السارية وهذه المراكز رغم اهميتها وتطور عددها الا انها لا تفي بالحاجة المطلوبة ليس فقط من خلال معالجة الامراض بل ايضا من خلال دورها في التوعية الصحية للمواطنين الذين يجهلون الكثير من الامور حول هذه الامراض وآليات انتقالها وانتشارها. ميزانيات صحية متناقصة ومع تراجع سوية الخدمات الصحية في المستشفيات والمصحات الحكومية وضعفها مقارنة مع الطلب المتزايد عليها نلاحظ وفي الوقت نفسه تراجع ميزانية الخدمات الصحية العامة بالمطلق وهذا ما اكد عليه وزير الصحة في حديثه الى مجلس الشعب مؤخرا مبينا عدم قدرة وزارته على تغطية نفقات هذه الخدمات موافقا على الآليات الجديدة باحداث مستشفيات عامة تتمتع بالاستقلالية المالية والادارية واعتماد مبدأ الربح والخسارة ولكن ذلك ونقصد تراجع رصد الميزانيات المناسبة سمح للقطاع الخاص وخاصة المستشفيات الفندقية الصحية ذات الخمس نجوم ان تسرح وتمرح كما تشاء وتفرض اسعارها دون اي رادع او ضمير. وهي باعمالها هذه تعرقل تحسن الوضع الصحي العام لا وبل نفرض عليه منطقها البعيد كل البعد عن الضوابط الانسانية مستفيدة من عدم امكانية مستشفيات الدولة على الاستيعاب وسوء الخدمات الطبية المقدمة دافعة القائمين على هذه المستشفيات للبحث عن حلول قد يكون اسوأها ما يطرح الان من محاولات الغاء مجانية القطاع الصحي الحكومي او بعضا منها. ولو عدنا للاحصاءات الرسمية لعام 2001 لوجدنا ان هناك 393 مستشفى ومصحة عاما وخاصا تحوي على 19669 سريرا بما يعادل سرير واحد لكل 883 نسمة من السكان للقطاعين العام والخاص مجتمعين، منها 65 مستشفى حكوميا فقط يحوي 12518 سريرا وثلاث مصحات عامة تحوي على 1299 سريرا فماذا يفعل المواطن تجاه ضعف البنية التحتية القائمة امام الواقع الصحي المتردي غير الذهاب الى المستشفيات الخاصة والقبول طواعية بمبدأ الابتزاز. معاينة وداء ودواء هذا من جهة ومن جهة اخرى فان اجرة المعاينة ولمرة واحدة لدى طبيب مختص هي بحدود 300 ليرة سورية واذا ما اضفنا اليها ثمن الدواء والمواصلات فنصل الى مبلغ يتراوح مابين 500 و 700 ليرة سورية، هو ما يعادل تقريبا خمس الحد الادنى للاجر الشهري للمواطنين ذوي الدخل المحدود والبالغ 2700 ليرة سورية من راتب الحد الادنى فان زيارة واحدة للطبيب تعني جزءا هاما من الدخل وبالتالي الهبوط الياكثر ما دون خط الفقر الذي يعيش حوله معظم المواطنين فكيف تحال اذا تطلب الامر زيارة المستشفى واجراء عملية جراحية وما اذا سيكون الحال لو طبقت الدولة مبدأ الغاء القطاع الصحي الحكومي او بشكل جزئي. ان متوسط الاجر في سوريا الان هو بحدود الـ 4000 ليرة سورية شهريا محسوبا وفق تقدير العديد من الدراسات وان متوسط العملية الجراحية من النوع العادي «استئصال لوزات مثلا» هو بحدود هذا المبلغ او اكثر قليلا ولكن نجد مثلا في المانيا كما اوردت بعض الصحف ان متوسط اجور العملية «200 دولار» عشرة الاف ليرة سورية لكن متوسط دخل الفرد يبلغ 5000 دولار وبعملية حسابية بسيطة دون الدخول بتفاصيل الهوة السحيقة القائمة مابين الاغنياء والفقراء وان هناك اناسا ينامون بالطرقات دون الدخول بهكذا تفاصيل نجد ان اجور العملية في البلاد تزيد حوالي خمس مرات عما هي عليه في المانيا وبالتالي فان الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة ومنها الخدمات الصحية هي قضية اساسية لا يمكن الاستغناء عنها ومرتبطة بالواقع الاقتصادي والمعاشي القائم بعيدا عن مبدأ استقلالية هذه المؤسسات هذا عدا عن السؤال الذي يطرح نفسه كم من الاموال التي ستدخل الى ميزانية هذه المؤسسات ومن اين وجيوب من؟. أخيرا من كل ذلك نرى ضرورة تطوير قطاع الدولة في المجال الصحي وتوسيع منشآته ومؤسساته وكوادره وامكاناته وتحسين ادارته والتخطيط لعمله وزيادة موازنته ورصد الاعتمادات الضرورية له وعدم التراجع عن الخدمات المجانية التي تقدمها الدولة للمواطنين في مختلف المجالات الصحية والتعليمية والتي كانت مفخرة كبرى لسوريا وبالتالي الاستمرار في سياسة تطوير واقع الخدمات الصحية المجانية وتحسينها لتشمل شريحة واسعة من ابناء الشعب وخاصة اصحاب الدخل المحدود باتجاه ترسيخ شعار «الصحة المجانية للجميع». ان تحسين الوضع الصحي في البلاد ضرورة وطنية من الدرجة الاولى تتطلب الاهتمام الكافي.