مما لا شك فيه ان المخدرات آفة خطيرة تلتهم مستقبل الشباب كما انها تؤثر تأثيرا مباشرا وخطيرا على الجهاز العصبي المركزي بالاضافة ان لها تأثيرات فسيولوجية، ونفسية مدمرة للانسان حيث تسبب له انهيارا اخلاقيا وعقليا ونفسيا فيفقد كرامته واحساسه كما انها تسبب لمن يتعاطاها تسمما مع مرور الزمن مما يؤدي الى اصابة اجهزة الجسم وخاصة الجهاز العصبي بخلل في وظائفه الاساسية. وفي هذا الاطار لا يخفي على احد ما تسببه المخدرات بجميع انواعها من اثار اجتماعية واقتصادية على المجتمعات التي ابتليت بها فهي تقضي على العقول والقدرات وتفترس الشباب وتحطمه وتفسد الحياة الزوجية والاسرية كما تساعد العوامل الاجتماعية كرفقة السوء وسوء التربية وتفكك الاسرة والعوامل الاقتصادية كالفقر والحاجة والتشرد حينا والرفاهية الزائدة حينا اخر الى جانب العوامل النفسية كلها تساعد على ذلك الانحراف عن الفطرة السليمة والانحدار في مهلك المخدرات. وقد ورد في تقرير منظمة الصحة العالمية مؤخرا ان عدد المدمنين في العالم قد تجاوز 190 مليون شخص مما يشير الى ان تعاطي المواد المخدرة والمؤثرات العقلية والنفسية وادمانها قد اصبح بمنزلة «سرطان العصر» يصيب الشباب والمراهقين خاصة وينذر بكارثة ذات ابعاد متعددة تهدد مستقبل البشرية عامة. فكثيرا ما يستيقظ متعاطو المواد المخدرة ليجدوا انفسهم وقد سقطوا تماما في هوة الادمان وهم يعانون من اضطرابات نفسية وعصبية وجسدية. ويقول الدكتور محمد نبيل بيازيد اختصاصي الامراض النفسية والعصبية ورئيس مركز معالجة الادمان في مستشفى ابن النفيس بدمشق عن اهم الاعراض التي تظهر على المدمن: يبدو المدمن في بداية تعاطيه للمخدر تائها ومشتت التفكير والانتباه ولا يستطيع التركيز على اي عمل او موضوع حيث يلاحظ الاضطراب في السلوك الاجتماعي ومع ان سعر الجرام الواحد من الهيروين حوالي 40 دولارا فان المريض يحتاج الى 1000 ـ 1500 دولار شهريا على الاقل مما يولد لديه هذا الاضطراب في السلوك فيقوم ببيع حاجات بيته ويستدين وقد يتجه الى السرقة. فاعراض المدمن تبدأ بالاضطراب وتنتهي بالسرقة حيث يصبح همه الوحيد البحث عن المادة المخدرة باية وسيلة حيث يتملكه شعور عند تعاطيه المادة المخدرة بأنه سعيد ويعيش في عالم اخر فهناك نسبة من الشباب يتعاطون المخدر ظنا منهم انه مقو جنسي لكنه في الواقع قاتل للجنس. كما ان اغلب المتعاطين يقعون في فخ او مستنقع المخدرات بسبب الفضول وحب التجربة لكنهم سرعان ما يتحولون الى ضحايا بعد هذه التجربة القاتلة فالمتعاطي يبدأ بتناول كيمة قليلة في البداية كنصف ربع جرام ثم ربع ثم نصف جرام وهكذا الى ان يصل الى تناول 4 ـ 5 جرامات يوميا ثمنها 100 الف ليرة سورية. عالم المخدرات اما الدكتور احمد فارس ليمونة اختصاصي علم امراض الدم فيقول: من اهم عوامل الدخول في عالم المخدرات هما البطالة والرفاهية فالرغبة في الهروب من الواقع المرير او البحث عن الجديد والدخول في مغامرات جنسية وعاطفية وعوامل الضغوط النفسية والتفكيك الاسري كل هذا يقود الى الانزلاق في هاوية المخدرات. والمؤلم في الموضوع ان غالبية المتعاطين هم بين سن 17ـ 25 عاما اي من الشباب اما عن الاثار المدمرة للمخدرات حيث يفتك الحشيش بالدماغ والرئتين والجهاز التناسلي وتحول المدمن الى شبه آلة. كما ان الادوية تسبب فقدان الشعور بالزمان والمكان وارتفاع ضغط الدم واحتقان الوجه واتساع حدقة العين وتسارع ضربات القلب وارتخاء العضلات وارتجاف الجسم والتعرق اضافة التقيؤ والقرف والبرودة والقشعريرة والذعر اما الهيرويين فهو يسبب العديد من المضاعفات الضارة والمودية حتما الى فقدان الامن النفسي ومن هذه المضار تباطوء نبضات القلب وتقلص حدقة العين واضطراب الضغط الدموي وجفاف الدم والامساك مع قلة التبول اضافة الى ارتفاع نسبة السكر في الدم وكبت الشهوة الجنسية وظهور العجز الجنسي. اما الكوكايين فيسبب تسارع نبضات القلب وتلف الاعصاب والدماغ واتساع حدقة العين وارتجاف الاطراف مع فقدان القوة الحيوية وارتفاع ضغط الدم واضطراب التنفس والدورة الدموية وازرقاق الجلد مع نقص الوزن وسيلان الانف وما يترتب على ذلك من تعقيدات وامراض اضافة الى العبء الاجتماعي فمتعاطو الكوكايين غالبا ما يفشلون في ادائهم الاجتماعي وفي انتاجيتهم واندماجهم العائلي. اما عن العلاج فيؤكد الدكتور ليمونة ان المشكلة لا تكمن في سحب المادة المخدرة من الدم بل المشكلة في المعالجة النفسية. نماذج من المجتمع وقبل التعرف على حالات ونماذج من المدمنيين لابد من الاشارة الى ان احدى الدراسات الحديثة ذكرت ان الفضول والعدوى الاجتماعية يمثلان 80% من الدوافع المؤدية الى تعاطي المخدرات واما الوصفات الطبية تمثل 12% اما الهروب من الواقع فيمثل 8%. ويقول شاب في اوائل الاربعينيات كان لديه ميكروباص يعمل عليه وهو متزوج وله اطفال حيث يقول: ادمنت الهيروين من خلال امرأة تعرفت عليها صدفة اثناء ركوبها معي منذ عام وارتبطت معها بعلاقة جنسية حيث دعتني الى منزلها وقدمت لي الهيروين مجانا وكانت تلك هي المرة الاولى وبعدها ازداد شعوري بالحاجة الى الهيرويين واجري خلفها وابحث عنها بجنون في كل وقت لاحصل على جرعة منها فقد تحولت الى مدمن وكنت ادفع ثمن الجرام الواحد 25 دولارا وصرت عندما لا اتعاطى هذه المادة اشعر بعظامي تنتخر واكسر كل ما حولي لشعوري بألم فظيع في جسدي وتأتيني «كريزة» وكأنني مصاب بجنون وعندما اتناول الجرعة ارتاح كثيرا. اما حسن فهو شاب في الثانية والعشرين من عمره وكان يعمل سائقا وقد بدت يداه مجروحتان نتيجة تشطيبهما بالسكاكين من كفيه حتى كتفيه وقد قال: بدأت بتعاطي الهيروين منذ اربع سنوات وكانت المرة الاولى من خلال رفاق السوء الذين شجعوني في سهرة عامة على تذوقه وكان الجميع في تلك السهرة يتعاطون الهيروين بعد ذلك اصبحت مدمنا وبدأت اشتري بنفسي كنت احتاج في البداية الى نصف جرام وبعد فترة ازدادت الكمية ووصلت الى جرامين في الفترة الاخيرة وكنت ادفع ثمن الجرام الواحد يوميا 40 دولارا وكان راتبي لايتجاوز 250 دولارا ادفعها كلها من اجل المخدرات كما وصلت الى طلب المال من اهل والاستدانة ممن حولي وعندما لاتتوفر لي الاموال اللازمة لشراء الهيروين كنت اتعاطى الحبوب المخدرة. وتبدو حكاية شاب في الخامسة والثلاثين من عمره مأساة حقيقية حيث يبدو نحيل الجسم اصفر الوجه ازرق الجلد جاحظ العينين وقد قال بخجل رافضا الافصاح عن اسمه: بسبب هذه الآفة طلقت زوجتي وهجرت طفلتي وبعت منزلي وفقدت كل شيء حيث بدأت التعاطي بالكوكايين وكان ذلك عام 1984 عندما كنت اعمل في دولة عربية مجاورة وذلك من خلال امرأة عاهرة تعمل في بيزنس النساء والمخدرات، ومنذ عام 1992 دخلت المستشفى ست مرات للعلاج وكنت امكث فيها كل مرة حوالي 15 الى 20 يوما اخرج بعدها مصمما على التعاطي. كذلك الامر بالنسبة الى مهند وهو شاب في الثانية والثلاثين من عمره وهو صاحب مطعم متزوج منذ سنتين حيث يقول: اتعاطى المخدرات منذ حوالي ثمانية سنوات تعلمتها من خلال السهرات مع رفاق السوء حيث بدأت بالحشيش ثم اخذت اتعاطى الكوكايين والهيروين وقد انفقت على المخدرات الشيء الكثير وقد كنت ادفع يوميا 300 دولار لشراء الكوكايين والهيروين الذي اتناولنه اما عن طريق الحرق او الشم او الحقن في اليد او الرقبة. ويضيف مهند في ختام حديثه قائلا: هناك اكثر من 50 شخصا من معارفي يتعاطون المخدرات وقد سبق ان حاولت العلاج منذ اربع سنوات وبقيت لمدة اسبوع في مركز المعالجة وبعد خروجي بأيام عدت مرة اخرى للتعاطي. ويقول مجد وهو عامل حدادة متزوج وله طفل: تعاطيت الادوية المخدرة منذ حوالي السنتين من خلال رفاق السوء «شراب سيمو الاخضر، حبوب بروكسيمول» وكنت ادفع حوالي 4 دولارات يوميا ثمنا لهذه الادوية التي كنت اشتريها من احدى الصيدليات وقد كان الصيدلي يبيعني اياها زيادة عن سعرها الاصلي، وكنت عند تناولها اشعر براحة نفسية وانسى همومي واسهر كثيرا لان مفعولها يدوم 24 ساعة. اما سمية فهي امرأة في الثلاثين من عمرها تزوجت منذ حوالي سنتين من شخص يعيش في فرنسا وهو مدمن مخدرات هيروين حيث تقول: لم اكن اعرف عند زواجي انه مدمن وقد فوجئت بذلك بعد زواجي لكنه استطاع ان يقنعني بعدم ضرر ما يتعاطاه مدعيا انه منشط للجسم وموقظ للذهن ولا اعلم كيف انجررت اليه وبدأت الهيروين عن طريق الحقن كما كان يفعل وبعد مرو اشهر من زواجي قام والدي بزيارتي في فرنسا فاكتشفوا حقيقة ادماني فادخلوني المركز لعدة اشهر حيث تعالجت تماما عدت بعدها الى بلدي وحصلت على الطلاق وقد تغيرت حياتي جذريا بعد هذه التجرية المرة التي عشتها حيث مازلت متأثرة الى الان بما حدث معي. اسباب ونتائج واذا ما بحثنا عن العوامل المساعدة على التعاطي والادمان تباينت وتناقضت فاذا كان بعض اصحاب الصيدليات من ذوي النفوس الضعيفة ارباب مهن حرة وتجاوز في آن واحد فهذا لا يبرر لهم ابدا ان يتاجروا بصحة شباب في عمر الورود وهنا الطامة الكبرى. فالمخدرات ليست الهيروين والكوكايين فقط بل لها اشكال متعددة فهناك ادوية هي اساسا للعلاج ولكن الاستعمال الخاطيء لهذه الادوية وبكميات كبيرة ولفترات طويلة ـ دون وصفة طبية ـ يؤدي الى الادمان فقد شاع في الفترة الاخيرة تناول بعض الشباب المراهق لبعض العقاقير التي تحتوي على مواد مخدرة «شراب سيمو الاخضر واقراص بروكسيمول» فشراب سيمو وهو شراب لمعالجة السعال اذا اخذت منه زجاجة كاملة او اكثر من جرعة واحدة يتحول الى مخدر. يقول احد الصيادلة كل 5 مليجرام منه يحتوي على10 مليجرام كودايين فوسفات وهي مادة مخدرة في حين ان حبوب بروكسيمول وهي مسكنة للألم ومضادة للتشجنات اذا اخذ منها كمية كبيرة 10 حبات او اكثر دفعة واحدة حيث تتحول الى مادة مخدرة. اذا ما بحثنا عن الطريقة التي تمكن الشباب من الحصول على هذه الادوية تناقضت الاقوال وتألفت قصص كثيرة لكن المسئولية الاهم هي تقع على عاتق الطبيب الذي يقوم بكتابة وصفات طبية دون معالجة طالب هذه الادوية وهنا يمكن الخطر الاكبر لان المادة طغت على الضمير والوجدان واصبح بعض الاطباء مجرد وسيط بين المدمن والصيدلي. اما عن طريقة علاج المدمن في مركز معالجة الادمان فيقول الدكتور محمد نبيل بيازيد: عند دخول المريض يقوم المركز باجراء فحوصات كاملة على جسده للتأكد اولا من عدم اصابته بالايدز لكونه معرضا للاصابة به عن طريق الحقن الملوثة ثم تبدأ رحلة العلاج «بالفطام» ويقصد به سحب المادة المخدرة من الجسم وهذا يحتاج ما بين اسبوع الى اسبوعين وفقا لنوع المخدر الذي كان يتعاطاه وبالنسبة للاعراض الانسحابية الخاصة بادمان الهيروين والكوكايين فأهمها الالام شديدة في المفاصل والظهر وسيلان في الانف الشديد والتثاؤب واضطراب المعدة والتوتر العصبي حيث يلزم لعلاج الاعراض الانسحابية بقاء المريض تحت عناية ورقابة طبية طوال اليوم وبانتهاء هذه المرحلة تختفي تلك الاعراض تماما ويكون المريض قد اجتاز معركته الاولى مع الادمان لتبدأ المرحلة الثانية وهي الاهم حيث يجري خلالها التعامل مع الادمان النفسي على المخدر وهذه المرحلة تحتاج من سنتين الى ثلاث سنوات. وعن دور مركز معالجة الادمان اثناء علاج المدمن يؤكد د. بيازيد ان الادوية التي يحتاجها تقدم مجانا مع ان تكاليف العلاج مرتفعة حيث تصل الى 200 دولار ت يوميا لكن بعد خروج المريض غالبا ما يعود الى التعاطي حيث ان 85% من الذين عولجوا في المركز عادوا للتعاطي لانهم عادوا الى نفس البيئة التي كانت سبب ادمانهم. اما عن الادوية المخدرة فيقول: هناك بعض الادوية التي تدخل في تركيبها مواد افيونية مثل شراب السعلة بعض المسكنات مثل الكودايين وبيع هذه الادوية يقع على عاتق الصيدلي الذي ينبغي الا يبيع هذه الادوية دون وصفات طبية لانها تؤدي الى الادمان تماما الكهيروين فهناك من يتناول 60 حبة مسكن و 10 زجاجات شراب في اليوام الواحد. اخيرا يشير د. احمد فارس ليمونة الى ضرورة اخضاع المريض لبرامج علاجية وتأهيلية يومية تشمل العلاج بالعمل وممارسة انشطة متنوعة مثل الرياضة والقراءة وحضور محاضرات للتوعية بهدف اعادة بناء ثقته بنفسه ليعود للتفاعل مع المجتمع من جديد. فالمدمن قبل اخضاعه للعلاج ينظر اليه باعتباره انسانا ضعيفا ومريضا وعاجزا عن اتخاذ قراره ولكنه بانتهاء العلاج يصبح مسئولا تماما عن نفسه كما ان الوقاية من المخدرات خير من البحث عن علاج حيث يقع على عاتق المؤسسات الدينية والاجتماعية القيام بعملية التوعية والوعظ والارشاد في هذا المجال. وذلك بتكاثف جهود الجهات العامة والمختصة للحد من هذه الظاهرة ومعالجة المدمنين والتوعية بمخاطر الادمان ومعالجة اسبابه.