يعرف القاريء ان اخص خصائص العربية الاشتقاق، واخص خصائص الانكليزية الالصاق، ولهذا تميزت لغتنا بالقدرة على توليد المصطلحات الحديثة، من الجذور القديمة بالاشتقاق المنجب لا بالالصاق المجدب، فعلى وزن «فعّالة» الدالّ على المبالغة اشتقت العربية من الجذور الثلاثية اسماء الالات الحديثة لتعبر بها عن تفوق الالات الصناعية على الجوارح الطبيعية في العمل والانتاج والسرعة، فاشتقت السيارة والطيارة من سار وطار، والحوّامة والعوامة من حام وعام، وهي قادرة على ان تخترع اليوم وغداً الاف المصطلحات لالاف المخترعات بلا تسول على ارصفة اللغات، ولا تطفل على موائد المخترعين. ويعرف القاريء كذلك ان المصطلح النقدي الانجليزي «IntertexTuality» صنع من ثلاث كلمات متلاصقة: Inter ومعناها: بين او داخل، وtext ومعناها نصّ وuality وهي رقعة لغوية تلحق بالكلمة لتجعلها اسماً او مصدراً صناعياً، وحينما اراد نقادنا المفتونون بالادب الغربي ترجمة هذا المصطلح ترجمه بعضهم على الطريقة الاشتقاقية، فقالوا «تناص» بتشديد الصاد. على وزن تفاعُل، الدالّ على التشارك كالتجاذب والتخاطب، ونقله بعضهم نقلاً «لصاقياً على طريقة النحت فقالوا «بينصية». ومعنى التناصّ تقارض النصوص وتبادلها التأثر والتأثير، ومعنى بينصية وقوع النصّ بين النصوص بغية الدلالة على ما بينها من اشتراك في الافكار والصور والتراكيب والمشاعر. ولما كان التناصّ اوضح وافصح من بينصية، واقدر على البيان وارشق على اللسان، واقرب إلى طبيعة العربية فقد آثرناه لإيثارنا الاشتقاق على الالصاق. والنقد البنيوي وما لحقه من تفكيك اكثر المذاهب احتفالاً بالتناص وبمصطلح اخر يقترن به وهو «النصّية». فما الدلالة الادبية والنقدية لكل مصطلح منهما؟ النصية عند البنيويين دراسة النص معزولاً عن حياة الشاعر وبيئته، فهم ينتزعون القصيدة من ناظمها، ثم يقصّون الخيوط الممتدة منها إلى ما قبلها وما بعدها من قصائد، والى ما حولها من مفاهيم وعادات، وإلى ما عمل على ظهورها من احداث، وإلى ما يربطها بالشاعر من دوافع وغايات، حتى تغدو كأنها جزيرة في بحر، أو واحة في صحراء، أو قلعة مغلقة الابواب والنوافذ، او سجن ضربت عليه الاسوار والاسداد لئلا يخرج منه احد او يزور اسراه احد. وفي هذا السجن المحكم الاغلاق يدرس الناقد البنيوي القصيدة دراسة لغوية تتناول مفرداتها وجملها وتراكيبها كما يدرس المحلل المخبري المجهري شريحة من نسيج عُزلت عن جسدها. والتناصّ كالنصية، مبدؤه درس النصّ، لكنه درس مفتوح لا مغلق، ومتصل بما حوله لامنقطع، يؤمن بالتقارض وتبادل التأثر والتأثير، ويرفض التقوقع والعزلة، ويعتقد ان كل نصّ ادبي يحمل اثار نصوص سابقة، ويعطي القاريء الحقّ في ان يضيف اليه ما يراه مناسباً لتفسيره، وهذا الانفتاح يعني ان كل نص اياً كان زمانه وكائناً من كان مبدعه دولة متداولة، تتعاورها أذهان النقاد وألسنتهم واقلامهم بالتحليل والتعليل، وانه كلّ يوم معرض لاضافة من ثقافة، أو تكميل من تأويل. فاذا هو هيكل عظمي يكتسي بعد كل قراءة ناقدة كسوة جديدة من لحم، لا تستطيع ان تميز واقعها من الوهم، واصيلها من الدخيل. استعرض الدكتور عبدالعزيز حمودة في كتابه «المرايا المحدبة» تصور المذهب التفكيكي للنصوص الادبية على ضوء التناص، ودرس تمرسهم بنقد النصوص وتحليلها، وافضى به الاستعراض والدرس إلى ان كهنة هذا المذهب يتفقون على مبدأ واحد، هو تقطيع النصوص واجتياحها، وهدمها ثم بناؤها، ويفترقون في أساليب التقطيع والاجتياح، وانماط الهدم والبناء. فالناقد الروسي «باختين» ينكر على النص الادبي اكتماله حينما يفرغ الاديب من انشائه، ويدفعه إلى النشر، ويزعم ان النص يعاد تشكيله على نحو مستمر، ويخيل اليه انه يمر في طريقه من عقل المنشيء إلى عقل القاريء بمهرجان نقدي يشارك فيه النقاد، وفي هذا المهرجان الصاخب الساخر تختلط الازياء والألوان، وتشتبك التأويلات والتقاطعات، وتحتدم التعليقات والمحاورات، ويثار حول النص ما يثار من تنويه وتسفيه واطراء وازراء، حتى يفقد النص هويته وانتماءه إلى صاحبه. ولما كان باختين يتصور ان كل نص صدى لنص آخر او مجموعة اصداء لنصوص اخرى لا يمكن حصرها، ولا منع تأثرها به وتأثيرها فيه، فانه في الوقت نفسه يتصوّر ان كل نقد جديد للنص صدى لنقد اخر سبقه، وان النقد الجديد ينقض النقد القديم، ويعيد تشكيل النص وبناءه على صورة اخرى وفق تصور اخر، فيضيف اليه، ويبني عليه، غير عابيء بما اراد له مبدعه ان يكون. وعلى هذا النحو من التقطيع والترقيع، والتحويل والتشكيل ينتقل النص في تصور الناقد المفكّك من كائن حيّ واضح السمات إلى خيط، يسلكه الناقد في شبكة تنسجها انامله منه ومن الثقافة العامة. وهذه الشبكة التي ينسجها النقد اليوم قد ينقضها النقد غداً بأنامل اخرى، فتتحول إلى انكاث واضغاث، ثم يعاد نسجها من جديد، وحينئذ يتخذ النص مفهوماً جديداً. أي ان النص لا يمكن ان يتخذ من اليوم إلى يوم القيامة صورة ثابتة نهائية التكوين مهما يطل به العهد، ومهما تتعاوره ايدي التفكيك. وذهب «جاك دريدا» ـ وهو كبير الكهنة في معبد التفكيك ـ إلى مدى ابعد مما ذهب إليه باختين اذ سخر من الفهم القديم للنص، وساءه ان يقتصر النقاد السابقون على تفسيره تفسيراً تاريخياً ولغوياً في اطار العصر الذي انشيء فيه، والبيئة التي رعته، ورفض هذا التحديد، وعدّه نوعاً من التجميد، يمنع التجديد، ودعا إلى القضاء على المفاهيم النقدية الموروثة التي تدرس النصّ في اطاريْ المكان والزمان، وزعم ان النص الادبي شبكة من افكار وعواطف وصور متداخلة، يخالط غابرها حاضرها، ويضيء واقعها متوقعها، وهو فوق الحدود، وخارج نطاق التقسيم. انه لا يعرف الاستقرار، ولا يجوز ان يُسمح له به، بل يجب ان يبقى في حركة دائمة، وعرضة للتجريب والتدريب، والتفكيك والتركيب، ومصباً للروافد الثقافية التي تنهمر عليه من اذهان النقاد، وبهذه الروافد يتخذ كل يوم صورة، ويتبدّى في كل آونة بزيّ. ومن ابي إلا ان يشفع الرأي بالمثال، فليأخذ مثالاً من ادب العرب. ان ما فسّر به ابن جني شعر المتنبي ليس أكثر من تفسير واحد في سلسلة من الشروح المتعاقبة، شارك فيها ابو العلاء، والبرقوقي واليازجي، ومن حق النقاد البنيويين ان يتناولوا شعره بالتفسير وفق مذاهبهم، وان يضيفوا اليه ما شاءت لهم تصوراتهم ان يضيفوا. وبهذه الطريقة يحيا الديوان، كما يزعمون، حيوات كثيرة لاحياة واحدة، فيجوز عصره الذي مرت عليه عشرة قرون، ويُبعث حيّاً في عصرنا كرة اخرى، ثم يتهيأ لحيوات قادمة في المستقبل القريب والبعيد، وهو مع كل حياة جديدة يتجّدد ويتولّد، ويتفاعل مع الافكار المتجددة المتولّدة، حتى ان المتنبي لو بُعث وقرأ ما قيل فيه لأنكره، لان النقاد تقوّلوا عليه مالم يقل، ونسبوا اليه ما ليس له. ولو نظر في هذا المثال ناقد عربي تفكيكي لاقتحمته عينه، ولازدرى المثال ومن ضربه، لما فيه من تيسير التفسير، ومن ابقاء الديوان منسوباً إلى صاحبه بعد تعدد المناهل التي نهل منها ابو الطيب، وبعد سلسلة التفسيرات التي تعاقب النقاد على صنعها له. ان النقد التفكيكي يستبعد الاقفال والاستقلال، وينكر الاستئثار والاحتكار، ويؤمن بأن الشعر الذي سميناه ديوان ابي الطيب ليس له وحده، لانه يضم بين دفتيه موروث النصوص كحماسة أبي تمام وشعره، وفلسفة ارسطو وحكمته، وامثال العرب وخطبهم، ولهذا فان حظ الشاعر منه ليس اكثر من حظ شريك واحد من شركاء، اسهموا في صنعه، وان لم يسهموا في نظمه، والانصاف يقضي بأن يشاركوه في تملكه. ولهذه الاشتراكية الادبية والشيوعية النقدية قوانين سنها التفكيكيون، منها ان «هارتمان» قرّر ان النصّ الادبي مستقر لنصوص اخرى ابتلعها النص وتمثلها على نحو خفيّ، ووفق عملية بارعة الذكاء من الاستيعاب والاستلاب، والامتصاص والتناص. وقررّ «بلوم»، وهو تفكيكي اخر انه لا وجود لنص مستقل، وانما الموجود «بينصوص» اي: نص بين نصوص. اي ان النصّ في ملّة الحداثيين واعتقادهم ينفتح ويتسع حتى تصب فيه الثقافات كلها، غابرها وحاضرها، واصيلها ودخيلها، والانفتاح والاتساع يلغيان حق التملك، ويُشيعان الشيوع. ومن اراد ان يمضي في هذا الاتجاه إلى اخر مداه امكنه ان يمحو شخصيات الشعراء كما محي تفردهم بدواوينهم، فيقول: لا وجود لشاعر والموجود هو «بيشعراء» أي شاعر بين شعراء. وحينئذ تزول الفجوات الفاصلة بين الشعراء، كما تزول الفجوات الفاصلة بين النصوص. على هذا النحو من الغلو في التحديث انتقل التجديد النقدي بالبنيوية من البناء إلى التفكيك، ومن النقاء إلى التشكيك، فتحول النقد إلى نقض، والتفسير إلى تدمير.