في عالم الهندسة الوراثية الجديد والجريء، يتصور دين ديلابينا السيناريو التالي الذي يتعلق بزراعة طماطم وبروكولي تطفح بمواد كيماوية تحارب السرطان ومحاصيل من الارز والبطاطا الحلوة والمنيهوت معززة بالفيتامينات من اجل المساعدة في تغذية الفقراء. وهو يتصور تطوير قمح وفول صويا وفستق خال من المواد المسببة للحساسية وموز يحتوي على اللقاحات ضد الامراض وزيوت نباتية محملة بمكونات علاجية، كتلك التي يصفها الاطباء للمرضى الذين يعانون من خطر الاصابة بمرض السرطان وامراض القلب. ويعتقد ديلابينا، وهو عالم في بيوكيمياء النبات في جامعة ميتشيجان ستيت بالولايات المتحدة ـ يعتقد ان الاغذية المعدلة وراثياً هي اساس الموجة التالية من التطورات في مجالي الزراعة والصحة. وفي حين يرى ديلابينا وكثيرون غيره إمكانيات هائلة في منتجات هذه التقنية الحيوية الجديدة، فان البعض يرى شيئاً من الشك بل الخطر في هذه التقنية. ويتخوف منتقدوها من الحقيقة القائلة ان المنتجات المعدلة وراثياً يتم الاسراع في طرحها في الاسواق قبل ان يتم ادراك آثارها بشكل كامل. وقد ازداد هذا القلق بفعل تقارير تحدثت عن اغذية ملوثة بذرة معدلة وراثياً غير مصادق عليها للاستهلاك البشري، والانتشار المحتمل «لاعشاب سوبر» ضارة محملة بجينات التقطت من محاصيل معدلة وراثياً، وكذلك الآثار الضارة المحتملة لطلع الذرة المطور بالتقنية الحيوية على الفراشات الملكية. وفي امريكا الشمالية وأوروبا، اصبح قيمة وتأثير المحاصيل الغذائية المعدلة وراثياً موضوعين للجدل الحاد الذي يثير ردود فعل تتراوح بين التفاؤل غير المحدود والمعارضة السياسية الشديدة. اسئلة حائرة وهذا كله يطرح اسئلة كثيرة من قبيل: ما هي الاغذية المعدلة وراثياً، ومن الذي يتناولها؟ ماذا نعرف عن فوائدها ومخاطرها؟ ما هو التأثير الذي قد تحمله النباتات المعدلة وراثياً على البيئة وعلى الممارسات الزراعية حول العالم؟ وهل يمكنها ان تطعم وتحافظ على صحة سكان الارض الذين تتنامى اعدادهم؟ ان معظم السكان في الولايات المتحدة لا يدركون حقيقة انهم يتناولون الاغذية المعدلة وراثياً منذ منتصف التسعينيات. فأكثر من 60% من جميع الاغذية المعالجة في محلات السوبر ماركت الامريكية بما في ذلك البيتزا والرقائق والكعك المحلى والبوظة وشراب الذرة والبيكنج باودر تحتوي على مواد مأخوذة من حبوب فول الصويا والذرة. وفي العقد الاخير، قفزت النباتات المعاملة بالتقنية الحيوية والتي تدخل في هذه الاغذية المعالجة من شيء غريب يزرع في الدفيئات الى محاصيل تزرع على نطاق واسع، حيث تغطي 130 مليون فدان في 13 دولة من بينها الارجنتين وكندا والصين وجنوب افريقيا واستراليا والمانيا واسبانيا. وفي الولايات المتحدة، قفزت مساحة الارض المزروعة بمحاصيل معدلة وراثياً حوالي 25 ضعفاً من 306 ملايين فدان في عام 1996 الى 88.2 مليون فدان في عام 2001. وهناك اكثر من 50 محصولاً مختلفاً مرت بعملية فحص فيدرالية وحوالي مئة اخرى تخضع لتجارب ميدانية. خطوات قديمة ان التعديل الوراثي ليس امراً جديداً. فالبشر يقومون بتعديل التركيبة الوراثية للنباتات منذ الف عام، حيث يحتفظون بالبذور من افضل المحاصيل ويزرعونها في السنوات اللاحقة ويقومون بتكثير وتهجين الانواع المختلفة لجعلها تكتسب مذاقاً احلى او تنمو الى حجم اكبر او تدوم فترة اطول. وفي العقود القليلة الماضية، استخدم المزارعون اساليب تقليدية لانتاج انواع من القمح والارز تتمتع بانتاجية عالية. كما انهم اوجدوا المئات من انواع المحاصيل الجديدة باستخدام مواد كيماوية او الاشعة. لكن اسلوب الهندسة الوراثية يعتبر جديداً ومختلفاً تماماً عن الزراعة التقليدية. فالمزارعون التقليديون يقومون بتهجين كائنات حية مترابطة تتماثل في تركيبتها الوراثية. وبعملهم هذا، كانوا ينقلون عشرات الالوف من المورثات. وفي مقابل ذلك، فان المهندسين الوراثيين المعاصرين يمكنهم نقل بعض مورثات فقط في وقت واحد بين اجناس مرتبطة من بعيد او لا علاقة تربطها على الاطلاق. ويستطيع المهندسون الوراثيون ان يسحبوا مورثة مرغوبة من اي كائن حي ويدخلوها الى اي كائن حي آخر. وبمقدورهم ان يضعوا مورثة من فأر في الخس لتكوين نبتة تنتج فيتامين سي على سبيل المثال لا الحصر. فالهدف واحد وهو ادخال مورثة او مورثات من كائن حي متبرع يحمل صفة مرغوبة في كائن حي آخر لا يملك تلك الصفة. المشكلات الزراعية ويتم استخدام تقنية التعديل الوراثي على المحاصيل من اجل مساعدة المزارعين على التعامل مع المشكلات الزراعية القديمة قدم الزمن وهي الاعشاب والحشرات والامراض. يقوم المزارعون برش المبيدات العشبية لقتل الاعشاب الضارة بالمحاصيل. ويمكن للمحاصيل المعدلة وراثياً ان تحمل مورثات تحمل خاصة تساعدها على تحمل رش الكيماويات التي تقتل كل نوع آخر من النباتات تقريباً. بل ان بعض انواع النباتات المعدلة وراثياً تقوم بافراز مبيداتها الحشرية الخاصة بفضل مورثة استخلصت من بكتيريا توجد بكثرة في التربة. وتعتبر السموم التي تحتويها هذه البكتريا غير مؤذية للبشر ولكنها قاتلة لانواع معينة من الحشرات. وتعتبر هذه البكتيريا فاعلة جداً لدرجة ان المزارعين الذين يزرعون نباتات عضوية استخدموها كمبيد طبيعي للحشرات منذ عقود وان كان ذلك على نطاق ضيق. وبالطبع، فان تقنية الهندسة الوراثية لا تنحصر بالنباتات فحسب، وانما هي تشمل ايضاً الحيوانات التي باتت حقلاً خصباً لتلك التقنية. وعلى الرغم من التطمينات التي يحاول بعض العلماء بثها بشأن هذه التقنية، إلا ان البعض الآخر يحذر من مخاطرها الكبيرة التي قد يكون من الصعب لجمها اذا ما فلتت من عقالها. ضرار عمير