تعيش تونس هذه الأيام على ايقاع فعاليات الدورة الأولى من «متلقى قرطاج للرقص» التي تتواصل لغاية يوم 8 مايو الحالي بمشاركة أكثر من 23 عرضا من تونس والجزائر والمغرب وفرنسا وألمانيا وهولندا وأسبانيا وايطاليا والنمسا واليابان وكولومبيا. وذكرت مديرة الملتقى الفنانة سهام بلخوخة في ندوة صحفية ان سبب تأخر الإعلان عن هذا الملتقى يعود الى ان وزارة الثقافة التونسية لم تسمح له بالانعقاد إلا في آخر لحظة. وبينت انه يهدف لتحقيق غايتين الأولى جعل الرقص فناً قائما بذاته كبقية الفنون الاخرى والثانية جعله أداة تواصل بين الحضارات المتوسطية وغيرها من الحضارات الأخرى. ويأتي الملتقى كاضافة الى تظاهرات تونسية مشهورة منها: أيام قرطاج المسرحية والسينمائية والموسيقية التي تحقق اشعاعا ثقافيا لتونس على المستوى العربي والافريقي والمتوسطي رغم ما شهدته هذه التظاهرات في السنوات الأخيرة من تراجع غريب. إلا ان «ملتقى قرطاج للرقص» لا يخضع لقانون المسابقات. وقد أطلق على الدورة الأولى من ملتقى قرطاج للرقص تسمية «ربيع الرقص»، ونظراً للأحداث الجارية في فلسطين، رأت اللجنة المنظمة ان يلتئم تحت شعار «السلم والتسامح» ويهدف هذا الملتقى الذي تحقق بمبادرة ثلة من الكوريغرافيين شغوفة بالرقص وتريد ان تجعل منه فناً قائماً بذاته كبقية الفنون الاخرى، الى تطوير فن الرقص وذلك بتثمين الثقافي فيه، واتاحة الفرصة للهواة والمحترفين من خلال مشاهدة عروض كيورغرافية عالمية معاصرة، وتوسيع قاعدة الجمهور المغرم بالرقص وذلك من خلال مثل هذه التظاهرة العالمية وحث المؤسسات الاقتصادية وغيرها على تشجيع فن الرقص واتاحة الفرصة للمحترفين والمتخصصين للاحتكاك بغاية ايجاد أعمال مشتركة. ويذكر ان النجاحات التي حققها بعض التونسيين في مجال الرقص والكوريغرافيا من قبل بعض الراقصين المحترفين والاساتذة المختصين والكوريغرافيين ومنهم سهام بلخوجة واسمهان الشعري وعماد جمعة وايمان السماوي ونوال اسكندراني. جاءت نتيجة مجهودات فردية جبارة من طرفهم، نظرا لأن الرقص لم يحظ حتى الآن في تونس لا بهيكلة معترف بها ولا بدعم مادي أو معنوي يسمح له بالتطور. وستدور الفعاليات في عدة فضاءات، منها المسارح ودور الثقافة والشوارع والمقاهي كما انها لن تقتصر على العاصمة تونس، بل ستشمل الوسط (مدينة سبيطلة تبعد عن العاصمة حوالي 250 كلم) والجنوب (توزر تبعد أكثر من 500 كلم من العاصمة تونس)، كما خصصت بعض العروض للرقص الشرقي. وسيتم تكريم ثلة من رواد فن الرقص في تونس، وسينظم معرض للفنانة باتريسيا تريكي ومعرض فوتوغرافي تحت عنوان «ثلاثون سنة من الرقص في ألمانيا» وآخر بعنوان «بانوراما الرقص في تونس» لدورة بوزيد، وستنعقد ندوة تحت محور «ماذا تعني الكوريغرافيا؟» باشراف فليب فريال، وسيقدم ثلاثون فيلم فيديو حول عدة مواضيع منها تصوير الرقص والرقص في حركته وأوجه الرقص اضافة الى عرض مسرحية «جنون» للمسرحي التونسي الفاضل الجعايبي وعرض «أصرخ من هذياني» للمغربي توفيق عز الديو. وحظي الملتقى بدعم عدة أطراف منها وزارة السياحة والصناعات التقليدية والترفيه ووزارة الشباب والطفولة والرياضة ووزارة الثقافة وعدة سفارات أوروبية والمعهد الفرنسي للتعاون ومجموعة «سبال للباليه المسرحي» وعدة محافظات وشركات اقتصادية تونسية. وستهتم هذه العروض التي مركزها الرئيسي هو الرقص بعدة محاور، أبرزها: الرشاقة والحرفية والتوترات والارتجالات وأساطير أمريكا الجنوبية والمثابرة والقوة الجسدية وقراءات جديدة للرقص الكلاسيكي والعلاقة بين المكان والجسد من خلال تنقلات هذا الأخير عبره، والعلاقة بين العاطفة والجسد. وتتميز هذه الدورة بالحضور القوي والمكثف للابداع الكوريغرافي التونسي إذ يبلغ عدد العروض 6، منها عمل مشترك مع فرنسا وهو من انجاز سهام بلخوجة ونوال اسكندراني وعماد جمعة وايمان السماوي. ومن العروض المهمة نذكر عرض «ألف ليلة وليلة» وهو انتاج تونسي فرنسي، مشترك بين مجموعة «يان لوهرو» الفرنسية ومجموعة «سيبال للباليه المسرحي» التونسية ومدته 50 دقيقة وهو مزيج من الحلم والواقع عابق بعطر الخيال الذي يفوح بالذكرى والالهام اللذين يمنحان الجسد لغته الخاصة ليحيك ويحكي حكاياته المنسوجة من وحي اللحظات، وهي ليلة من تلك الليالي المتلألئة بالسحر يرسم ألوانها خمسة رجال وامرأة في رحلة بحث عن التواصل عن طريق استكشاف بعضهم البعض حد محو الشروخ القائمة من قبل واستبدالها بالتماهي الانساني، فالوجودي كما هو الحال بين الوردة وشذاها والتراب، إن الورود تنبت في كل أنواع الأتربة/الأجساد... والعرض الاسباني «رومانسية شفافة» الذي يدوم ساعة وموضوعه الحرب، فالحروب قد تنتهي لكنها في الحقيقة لا تزول من أذهاننا وهذا العرض يجسد الصراع اليومي الذي يعيشه الانسان في مواجهة العنف من خلال مواجهة كل أشكال الخوف الجاثم في أعماقنا. ولا يقل العرض الجزائري الذي تقدمه مجموعة نصيرة بلازة والمعنون بـ «الجزائر، الجزائر» أهمية فهو بمثابة رحلة استكشاف أخرى للجزائر ويجسد كل ما رأت نصيرة في الجزائر من اختناق وخوف تتخلله زيارة لأماكن الرقص في الجزائر. ولئن أصبح الرقص مستحيلا، فقد ظل الجسد أكبر تحد لذات فاقدة للقناعة يكتنفها الشك والغموض والخوف من الحاضر وايضا قد يكون الآتي، والشيء نفسه ينطبق أيضا على عرض «رحل» للتونسي عماد جمعة، إذ قد يبدو للوهلة الأولى ان اختيار الصحراء كفضاء لتوليد ابداعي وتجسد خيالي موضع تناقض، إلا ان مجموعة عماد جمعة أرادت من عبورها هذا الفضاء والتعامل معه ترجمة لتجربة جماعية صوت الفرد فيها لا يتلاشى مع صداه بل يتجاوب مع بقية الاصوات فيكون الترحال داخل صحراء الذات بحثا متواصلاً عن مراكز للفرد له خصوصياته ومناشدة للتوازن داخل المجموعة. واجمالاً فإن كل العروض تحتوي على مستوى فني رفيع يقوم على التفاعل بين عدة مكونات منها الجمالي الاثري والتعبيري الراقي والفكري العميق والروحي الصوفي الشفاف. وأكدت مديرة الملتقى جوابا عن سؤال «البيان» حول أسباب غياب المشاركة العربية ان هناك ظروفا حالت دون ذلك، لكن الملتقى سيتفادى هذا النقص مستقبلاً. إن «ملتقى قرطاج للرقص» الذي حلمت به امرأة هي سهام بلخوجة ذات زمن بتحقيقه وهي تتلقى أول دروس الرقص وها قد تحقق يذكرنا كثيرا بأسطورة قرطاج التي أسستها امرأة تدعى «عليسة»، انه سيكون موعدا مهماً سيسمح باحتكاك التجارب وتنوع الخبرات بأشكال تعبيرية مختلفة وهو يشكل فرصة نادرة للمحترفين والهواة على حد السواء للتمتع بهذا الفن، إنه اثراء جدي للفنون العربية، ومساحة شاسعة لتوطيد التواصل بين الفنون والجغرافيا وخاصة الانسان. تونس ـ كارم الشريف