في نظر الكثير من الأمريكيين، لا سيما أبناء الشرائح الاجتماعية المثقفة، تعد مدينة شيكاغو آخر المدن الأمريكية العظيمة، ويلقبها هؤلاء باسم «القلب النابض لأمريكا». وعلى الرغم من ان لوس انجلوس يبدو انها قد سحبت البساط من تحت أقدام شيكاغو باعتبارها أكبر مركز تجاري في البلاد بعد نيويورك، إلا ان شيكاغو لا تزال تملك كل ما يصبو اليه الزائر لأمريكا، علاوة على عدم معاناتها من المشكلات المزمنة، التي تشكو منها مثيلاتها من المدن المنافسة من ازدحام ايقاع حياتي غير منتظم لا يساعد الزائر على الاستجمام والاستمتاع والخلود للراحة كما هي الحال في المدن الساحلية الأخرى. وقد تأسست شيكاغو في بداية القرن التاسع عشر ونمت تدريجيا مع نمو أمريكا كلها وكانت تمثل عند نشأتها نقطة الربط الرئيسية بين مدن الساحل الشرقي وحدود الجانب الغربي بما فيه من برار وحياة كانت بعيدة كل البعد عن المظاهر الحضارية. وقد ساهم هذا الموقع المتميز للمدينة في جعلها بوتقة هائلة تنصهر بها مظاهر الحضارة الحديثة، جنبا الى جنب مع الجانب المضاد لتلك الحضارة. لذا يجد الزائر ان هذه المدينة تجمع بين جميع مظاهر الحياة الامريكية المتباينة، فهناك ناطحات السحاب ومراكز التسوق العملاقة، وهناك أيضا المناطق الفقيرة والضواحي. ولعل هذا التضارب يتمثل بأوضح صوره بما تقع عليه العين على سواحل بحيرة ميتشجان الشهيرة. وعلى الرغم من تعرضها لحريق هائل قضى على الاخضر واليابس في عام 1871، فإن شيكاغو لم تفقد القدرة على النمو واستقطاب السكان شأن المدن الكبرى التي تنهض كما ينهض طائر العنقاء من تحت الرماد ليعود أقوى مما كان. فقد تزايد عدد سكان المدينة بعد هذا الحريق الهائل، بدلا من ان يتناقص، كما كان متوقعا. غير انه مع التحولات التاريخية التي شهدها القرن العشرون، وفي ضوء قرب المدينة من المناطق البرية في الغرب الامريكي، تحولت المدينة في أوائل القرن المنصرم الى مرتع خصب للعصابات ورجال المافيا وغيرهم من الخارجين على القانون. غير ان الامر اختلف كثيرا في السنوات الماضية حيث عمدت الجهات المسئولة عن نمو وتنشيط السياحة في المدينة على توطيد وتكريس صناعة السياحة بالمدينة واستقطاب السياح لا سيما في ضوء المقدرات السياحية المتميزة الموجودة بها. والآن تحتوي شيكاغو على عدد من أكثر الروائع المعمارية تميزا في الولايات المتحدة قاطبة. وليس أدل على ذلك من برج سيرز الشاهق والذي يمثل القلب المالي والثقافي لوسط أمريكا بلا منازع. ولدى شيكاغو الكثير مما يمكن ان تقدمه للزائر سواء الامريكي أو الآتي من الخارج. ومن أشهر المعالم السياحية في المدينة معهد شيكاغو للفن الذي يحوي عددا كبيرا من المتاحف الفنية المتميزة، والمطاعم ويقدم العديد من الانشطة الثقافية والرياضية على مدار أيام الاسبوع، من خلال اندية ومراكز موسيقية. ويأتي متنزه لينكولن ليشكل واحدا من أهم المعالم السياحية في المدينة، حيث يتمتع بأكبر مساحة خضراء في شيكاغو، ويأتي بمثابة متنفس مهم سواء للزوار أو أبناء المدينة، ويقصده الجميع بحثا عن الراحة والسكينة والبعد عن ضغوط الحياة المادية. ويختلف المتنزه ويتميز عن الكثير من المتنزهات الامريكية الاخرى من حيث كونه يمثل مركزا ترفيهيا متكاملا، يحصل المرء من خلاله على الهواء النقي ويتمتع بالمناطق الخضراء البديعة، ويشبع تهمة الثقافي بزيارة ما يحتويه المتنزه من آثار ومنحوتات وتماثيل عملاقة ونادرة، ويستجم من خلاله في مياه شواطئ آمنة مخصصة للعائلات، تقع على الأطراف الشرقية للمتنزه. فضلا عن ذلك، توجد بالمتنزه حديقة حيوان تقع في قلب المساحة الخضراء، وتفتح أبوابها يوميا للزوار من التاسعة صباحا وحتى الخامسة من بعد الظهر. وتحتوي هذه الحديقة بدورها على مجموعة من الأنهار الصغيرة التي يجوبها الزوار على متن القوارب المائية الصغيرة. وهناك ايضا متحف جمعية شيكاغو التاريخية الواقع على الأطراف الجنوبية من المتنزه والذي من خلاله يحصل الزائر على معلومات شاملة عن تطور الولايات المتحدة وتاريخ الامريكتين بشكل عام. وتعد المنطقة المحيطة بالمتنزه هي الاخرى من المناطق السياحية الشهيرة بالمدينة، لا سيما شارع كلارك وكذلك شارع لينكولن وايضا شارع هالستيد بما تحتويه من مراكز ترفيهية وفنادق ومطاعم ومتاجر ومكتبات ومسارح ودور عرض سينمائية، أشهرها دور عرض بيوجراف. وبجانب المتنزه، هناك العديد من معالم الجذب السياحي الاخرى مثل نافورة باكنجهام التي يقام حولها العديد من الاحتفالات الموسيقية، وعروض الصوت والضوء وغيرها من الأنشطة الترفيهية. وهناك أيضا متنزه نيفي بير الذي يحتوي على 50 فدانا من الحدائق والمناطق الخضراء والعديد من مقومات الجذب وعناصره. تبقى الاشارة الى ان القائمين على صناعة السياحة في المدينة نجحوا في السنوات الماضية في محو الصورة السلبية التي تكونت عبر السنوات الماضية بشأن الأوضاع في المدينة لا سيما ما يتعلق منها افتقارها للأمن، غير انه على الرغم من الجهود التنموية والسياحية التي تمت، لا يزال يلاحظ القليل من آثار الماضي بين ثنايا هذه المدينة الامريكية المثيرة