عيونهم متعبة واجسامهم هزيلة، وادواتهم غريبة، لكن فنهم استطاع ان يحذب جمهورا حاشدا كذلك الذي نراه في معارض نيويورك ولندن التي تحتفي بآخر الصرعات الفنية في العالم. انهم ثلة من الفنانين المتجولين يعرفون بألقابهم المميزة: «ماك 1» و«مانتس» و«إيب»، وهم لايعملون بالالوان الزيتية او اقلام التلوين العجينية بل بعلب ضخ الطلاء منتجين ما يعرف بالفن الجرافيتي الذي جعلهم الشغل الشاغل للناس في مدينة كيبتاون بجنوب افريقيا، ولطالما قاموا بعملهم تحت جنح الظلام بعيدا عن الانظار والعيون الفضولية التي يحرص اصحابها على رصد اسرار عملهم. والآن لا تستطيع المؤسسة الفنية في كيبتاون تحويل انظارها عنهم. وتعبيرا عن الاعجاب باللوحات الجدارية الهائلة التي تسطع في رقع كبيرة من المدينة والتي يناصر العديد منها قضايا مثل توفير العقاقير لمرضى الايدز، او التشجيع على الاقلاع عن التدخين، بدأ اصحاب المعارض الفنية بدعوة فناني رسوم الجرافيتي هؤلاء لعرض اعمالهم على لوحات قماشية. وقد اصبحت هذه المعارض رائجة للغاية بحيث ان بعض الفنانين يستطيعون الآن كسب رزقهم بالاعتماد على لوحاتهم وحدها، فوكالات الدعاية والاعلان والشركات الكبرى والمرشحون السياسيون وجامعو الاعمال الفنية شرعوا يكلفونهم بالقيام باعمال معينة مقابل اجور تصل احيانا الى 900 دولار للعمل الفني الواحد وقد تم التعاقد مع اثنين من ألمع فناني رسوم الجرافيتي في كيبتاون وهما ماك وفالكو لزخرفة ابنية لدورة الالعاب الاولمبية الصيفية لعام 2004 في اثينا. وفي جنوب افريقيا يحاضر هذان الفنانان في الجامعات وقاما مؤخرا بتنظيم «جولة جرافيتي» لمنطقة متشل بلين التي رسما فيها اولى لوحاتهما الجدارية الفنان تايلر مورفي (21 عاما) يتولى الآن رئاسة تحرير مجلة متخصصة بشئون ثقافة الجرافيتي تدعى «ريل لايف»، ومانتس الذي يبلغ من العمر 29 عاما يعتبر من ابرز الفنانين في كيبتاون وهو يدير شركة لانتاج القمصان والسراويل المزخرفة برسوم الجرافيتي والفنان الذي يدعى إيب (23 عاما) اخرج مؤخرا برنامجا وثائقيا عن فن رسوم الجرافيتي بعنوان «ضخ الرذاذ الملون» للتلفزيون الوطني في جنوب افريقيا. لذلك كانت مفاجأة كبيرة قبل شهرين عندما اعلن مسئولو كيبتاون اتخاذ اجراءات صارمة ضد فن الجرافيتي ويقول مانتس في هذا الصدد لقد صدمنا جميعا، لقد كنا ملوك كيبتاون وبين عشية وضحاها اصبح الجميع يريد منا ان نختفي. وفعلا هذا ما حدث فالمسئولون الذين يسعون لجذب السياح والمستثمرين قرروا فجأة ان جداريات رسوم الجرافيتي التي مضت الى حد بعيد من دون تنظيم او رقابة هي مناظر قبيحة تشوه المدينة واعلن عضو مجلس المدينة جان بيير سميث عن جملة قوانين جديدة تفرض قيودا على بيع طلاء الرش وتقضي بمصادرة ممتلكات الفنانين من هذه المواد ووضع خط هاتفي ساخن في الخدمة على مدار الساعة للمواطنين الذين يريدون الابلاغ عن عمليات رسم غير قانونية ويواجه من يخالف القانون غرامة مالية تبلغ 180 دولارا ويمكن ان يزج في السجن وقبل بضعة اسابيع قامت الشرطة بأول اعتقال لفناني رسوما لجرافيتي منذ سنوات حيث القت القبض على شابين اكاديميين يحتجان على مشروعات القوانين المقترحة بكتابة عبارة «الفن حر» بواسطة علبة ضخ طلاء على جسر مشاة. بدأ الفن الجرافيتي المعاصر في الثمانينيات في التجمعات السكانية متعددة الاعراق او «الملونة» في كيبتاون بوحي من الصور التلفزيونية التي تظهر الابنية وقطارات الانفاق في نيويورك مغطاة برسوم الجرافيتي قامت مجموعة صغيرة من الفنانين الشبان بابتكار القاب مختصرة خاصة بهم وراحوا يطلون توقيعاتهم المميزة على الجدران ويقول فالكو: «في ظل نظام الفصل العنصري لم تكن مدارسنا تقدم برامج فنية مناسبة لذلك لم يكن بحوزتنا اي مواد او مهارات فنية لكننا اردنا ان نجعل بيئتنا المحيطة بنا اكثر جمالا. واليوم انتشرت ترسوم الجرافيتي الى ضواحي المدينة الجنوبية الاكثر ثراء وبدأت تحظى بشعبية في المدن الكبرى الاخرى ايضا. ويشار هنا الى ان اثنين من ألمع فناني رسوم الجرافيتي في جنوب افريقيا هما من البيض وهما مانتس وتايلر مورفي، ويقول مورفي: «كنت اول صديق ابيض في حياة فالكو» واستغرق الامر وقتا حتى حظي مورفي بقبول مجتمع الفنانين السود ففي البداية كان رفاق فالكو يطلقون عليه اسم «هيرالد» نسبة الى اسم صحيفة اشتهرت في فترة الفصل العنصري لكنه استطاع في نهاية المطاف ان يثبت نفسه والآن يقول مورفي: ان مشهد الفن الجرافيتي هو المكان الوحيد في كيبتاون حيث يتم الحكم على الجميع على اساس مهاراتهم فقط. ونحن لا نكترث بشكل الشاب لأن العديد منا نحن انفسنا بلا جذور، ولذلك نحاول ايجاد ثقافة مغايرة للثقافة التي نشأنا فيها». وحتى اشد معارضي فن رسوم الجرافيتي ضراوة لاينتقدون لوحاتهم الجدارية التي لا تعد ساحرة فحسب وانما تنطوي ايضا على قيم مراوغة كالانسجام العرقي وتوفير الفرص للمضطهدين ويحرص المسئولون على التميز بين اللوحات الجدارية وخربشات الامضاءات النمطية المتكررة التي تشوه منظر المدينة وفي حين انهم يريدون القضاء على الامضاءات فانهم لاينوون حظر اللوحات الجدارية كلية ويقول ايان نيلسون عضر المجلس التنفيذي لشئون: السلامة والصحة ما نريده هو تنظيم الجداريات وفقا لقيود وشروط محددة تماما كما هي حال لوحات الاعلانات اما سميث الذي استعان بخدمات فنان جرافيتي يحمل لقب «سكاي 189» يرسم لوحة جدارية لحملته الانتخابية فيبدي قلقا على تأثير هذه الاجراءات على اسباب رزق الفنانين. ويقول: «نحن فقط نحاول تنظيف المدينة ولا نسعى لتجريم مهنة هؤلاء الفنانين»، حتى انه دعا 15 فنانا الى اجتماع ليدلوا بدلوهم في المناقشات حول القوانين الداخلية الجديدة. لكنهم جميعا انسحبوا من الاجتماع وعن ذلك يقول فالكو: «كان واضحا انهم لم يأخذونا على محمل الجدية على اي حال، عليهم ان يبحثوا عن مظاهر القبح الحقيقية في المدينة: الفقر، التشرد والجريمة». وبالفعل يعتقد البعض ان المسئولين ركزوا على قضية الجرافيتي لأن المشكلات الاكبر في كيبتاون عسيرة جدا وقبل ستة اشهر قام المحرر الفني روجر لوسي بتكليف ثلاثة فناني جرافيتي بطلاء لوحة على الجدار الامامي لمنزله في احد ضواحي المدينة، مثيرا بذلك سخط جيرانه الذين تقدموا بشكوى لمجلس المدينة ويعلق لوسي على ذلك بقوله: «جيراني يقولون انني اجلب الجريمة للمنطقة، لكنها مجرد قطعة فنية. انهم خائفون جدا من مواجهة المشكلات الحقيقية التي يواجهها الشبان لذلك تجدهم يركزون على اشياء صغيرة مثل هذه. علي محمد