يحظى أدب عميد الكتاب التونسيين محمود المسعدي بمكانة كبيرة في تونس على الرغم من أن مجموع نتاجه الأدبي لا يتجاوز الخمسة كتب وأشهرها «حدث أبو هريرة قال». و «السد» و«مولد النسيان» و«تأصيلا لكيان». ويرجع أغلب النقاد شهرة المسعدي الذي تجاوز العقد التاسع من عمره، إلى فرادة أسلوبه شكلا ولغة ومضمونا إذ انه إغتذى من الإبداع العربي قديمه وحديثه، وحصل الكثير من ثقافة الغرب خلال دراسته بباريس. فجاءت إبداعاته عابقة بحكمة الشرق ورائحته وجنون الغرب وريحه. وهناك من اعتبره مؤسس الوجودية العربية، بما ان هاجسه الأساسي كان مساءلة الوجود. ويبدو أن الكتاب الجديد المعنون بـ «أيام عمران وتأملات أخرى» والذي قام بتحقيقه وتقديمه الدكتور محمود طرشونة وقرأه قراءة نقدية الناقد توفيق بكار، والذي صدر منذ أيام قليلة سيعيد الجدل الدائر حول كتاباته، خاصة وأن آخر كتاب له صدر منذ أكثر من ربع قرن. وينقسم الكتاب الجديد كما يحمل عنوانه الى جزأين، اولهما خصص لعمل «من أيام عمران» وثانيهما أفرد «للتأملات» وكما تضمن مجموعة من رسوم كبار فناني العالم، ويتكون «من أيام عمران» من خمس مراحل كبرى تضم كل مرحلة منها عدة أيام، ليصل المجموع إلى تسع وعشرين يوما وهي مرتبة كالتالي: «مرحلة الفقدان» وتمتد على خمسة عشر يوما، تليها «مرحلة الوحدة» وتستمر يومين، ثم مرحلة «مولد الكبرياء» وتستغرق ثلاثة أيام وبعدها «مرحلة الحاجة» إلى الحب التي لم تتطلب سوى يوم واحد لتختتم الحكاية «بمرحلة الموت» التي تتواصل على امتداد ثمانية أيام. وقد كتبت هذه النصوص بين 1957 و1984 كما جاء في تقديم الدكتور طرشونة الذي تولى جمعها وتصنيفها وترتيبها ولم يكن ذلك بالامر الهين خاصة وان المخطوط كان موزعا بين عدة اماكن والكاتب «كان يكتب تحت ضغط على وريقات يتداخل فيها الكلام الإداري المطبوع بالأدبي المخطوط... لأن الكاتب يكتب كما اتفق ولا يخص بالتأنق غير اللغة التي يكتب بها ولا يسخر طاقته إلا لتجويد الأسلوب والتعبير عن دقائق الأفكار.. وتحولت بعد جهد شاق بين المؤلف والمحقق إلى نص وولادة قيصرية شبه مستحيلة أدبي يصعب تحديد جنسه. ويحكي قصة «عمران ودانية» أو بالأحرى الوجه الآخر من حكاية آدم وحواء بعد نزولهما إلى الأرض، فنحن نجول معهما في جغرافيا من الحقيقة والمجاز، مشاهد من الطبيعة، وعلامات من الرموز، خير بيئة لمغامرة تجري على السواء في حيز الواقع وأبعاد الفكر لا ينفصل فيها المحسوس عن المعقول».. وكانت «دانية» امرأة تحيا بالحس مؤمنة راضية، في حين أن عمران كان يمتلك عقلا عتيدا وبصرا جديدا، يرتاب في دنيا تغري بطيبها، وهو مفكر يديم النظر في نفسه وفي الأفاق بحثا عن معناه في الوجود. إنه رمز لمأساة مغامرة الإنسان في الوجود. وكان وحيدا لا رفيق له إلا دانية تنزل إليه من الجبل يوما بعد أيام وأيام «فتتيه به ويتيه بها» ثم يفترقان. لقد كانا الضد والضد، الإيمان والشك، اليقين والحيرة، الطمأنينة والقلق، الحس والعقل، الحدس والمنطق، لكن العشق جمع بينهما، وكان الحب فوق كل سؤال... لكن «عمران» كان يأبى أن تفتنه الدنيا عن عقله فيلهو بها عن طلب الأسباب والغايات إذ حيثما لقيته حدثها بما يقبل كل شيء إلى معنى من معاني الزوال... ولم يزل عمران يبحث ولا يجد، ويسأل ولا يجاب حتى شاخ قبل الأوان ومات فيه كل شعور بما كان من قبل يهلعه، الجبل واهوى إلى البحر منتحرا، ولما علمت «دانية» بما أتاه ارتمت إثره تتدحرج على السفح مزقا وأشلاء هاوية إلى البحر. كارم الشريف