بيان الكتب: يذهب الدارسون الى ان التراث الشعبي لأي بلد من البلدان هو ماض حي مازال يتنفس هواءنا على الرغم من قدمه، فما السبب الذي جعل هذا الماضي حياً؟ وما المقصود بكلمة «تراث شعبي»؟ وما علاقة هذا التراث بنا، بواقعنا المعاصر، بالحداثة، بالفكر الانساني بشكل عام؟ ثم هل يقف هذا التراث مع التطور أم ضده أم انه في النهاية حالة خاصة قد لا تكون مع أو ضد؟ عبدالرحمن سعود مسامح الباحث في مركز التراث الشعبي في البحرين سيجيب عن كثير من هذه الاسئلة في كتابه المهم هذا، وهو الى ذلك سينطلق في بحثه من خلال تحديده المصطلح، مستعرضا المصطلحات المطروقة ما بين مأثورات شعبية، أو موروثات شعبية، ليميز بين «المأثورات» التي تتألف في الغالب من اشياء ملموسة محسوسة، و«الموروثات» التي هي عبارة عن منقولات شفاهية لراو أو متحدث أو ممارس، بينما مصطلح «تراث شعبي» سيتشكل من دائرة أوسع تتداخل مع دائرتين أكبر هما التراث العربي والانساني. وبعد ذلك سيوضح المقصود بكلمة «فلكلور» فلا يجد فرقاً بين هذا المصطلح وبين المصطلح العربي، فالفلكلور هو حكمة الشعب، هو التجارب الجمة التي خاضتها الشعوب عبر أجيال متعاقبة أنتج من خلالها الأساطير والحكايات والأمثال والألغاز والمعتقدات المختلفة، وهو عين مصطلح «التراث الشعبي» الذي اهتمت به الدول العربية والدول الخليجية بشكل خاص. ومن هنا سيأتي توزيع البحث الى مقدمة وثمانية فصول، بحث أولها في الادبيات الشعبية، بينما جاء ثانيها في الحرف القديمة كحرفة الغوص وصناعة السفن والمهن المرافقة لها، أما في الفصل الثالث من الكتاب فقد تحدث عن الانشطة المعمارية لمدينة المحرق، بينما خصص الفصل الرابع للعادات والتقاليد، العادات التي ارتبطت بمهنة صناعة السفن، تبادل التحية، النزهة بين النخيل، حبة الخال في المعتقدات الشعبية، القايلة والقيلولة. أما الفصل الخامس فقد اهتم بالحج، ورمضان أيام زمان، والقرقاعون، والحية بيه، بينما ضم الفصل السادس موضوعات متفرقة لبعض العادات الاجتماعية كالعطس والرؤى والأحلام وقصة الأيام السبعة والسدرة في البيت البحريني القديم، والحمار في التاريخ والتراث. أما الفصل السابع فقد اختص بالبحر وعاداته وتقاليده، فتعرض للسفن التقليدية، والبحر غذاء ودواء، وطيور البحر في سماء البحرين، والروبيان عشق أهل البحرين. وفي الفصل الثامن الذي عنون بـ «من تراثنا الشعبي» فقد تناول فيه الكمأة (الفقع) كغذاء ودواء، وألوان اضافية من التراث الشعبي، بالاضافة الى مبحث خاص عن المرأة أو المنظرة، ثم الألعاب الشعبية وما فيها من تربية وتعليم، وأخيرا الفنون الشعبية ودورها في السياحة الثقافية. يتناول الباحث في هذا المبحث حكاية التسمية عند أهل الخليج، فيربطها أولا بالبيئة الجغرافية والحياة المعيشية، حيث لكل زمن اسماؤه، فقد اعتاد السكان في زمن الغوص مثلا على تسمية ابنائهم بأسماء اللؤلؤ والمعادن كـ «لولوة، قماشة، دانة» أو «سبيكة وفضة» من المعادن، والى جانب ذلك فإنهم سموا «لطيفة وشريفة وملكة وثاجبة وشيخة وطريفة» من الصفات والنعوت الحميدة، و«حصة» من القسمة، و«شمة» من الشم و«موزة» من الفاكهة، و«كلثم» من الكلثوم، أو أم كلثوم، وهو اللحم الكثير في الوجه والخدين. أما بالنسبة للرجال فقد تسمى بعضهم بأسماء الطيور والحيوانات لما عرفت به من قوة وذكاء وسرعة من مثل «صقر وشاهين وجرناس وفهد وليث وعباس وجعفر» أو من اسماء البادية مثل «درباس ومحماس وحثلين وشباط وفرير ونوف ووطفة ووضحة وميثة ونفود وغيرها من الأسماء البدوية الجميلة». والى جانب ذلك فقد اشتهرت لديهم الأسماء المركبة من احد أسماء الله الحسنى، وكذلك اسماء الانبياء وآل البيت أو اسماء أيام الاسبوع والأشهر والأعياد وبعض مظاهر الطبيعة كـ (شمس، بدر، هلال، نجم، رعد، مطر، غيث، عجاج، بحر، مزنة، زهرة)، ومع الزمن والتطور ستتغير الأسماء، وستلقى أسماء وافدة عبر الخبر السياسي أسماء جديدة كعبدالناصر وغازي وفيصل وجمال وزايد، أو مع انتشار الثقافة عبر كتب التاريخ والأدب لتبرز أسماء مثل: خالد وسعيد وعمرو وصلاح وقحطان وأسامة وفراس ومعاذ وعزة وبثينة وليلى ولبنى ورباب وسلمى وغيرها. أو من أسماء أهل الفن والطرب من الممثلين والممثلات كـ (فريد، وحيد، أنور، فارس، رياض، سراج، منير، نعيمة، فاتن، ماجدة، عايدة، سميرة، رابعة، عبلة، رابحة ... إلخ). والحيه بيه كما يوضح الباحث، تقليد متوارث يقوم فيه الاطفال أو من يكبرهم سنا بوضع التراب والسماد الطبيعي في سلال صغيرة، ثم يزرعونها ببعض انواع الحبوب كالقمح والشعير والماش وغيرها. ويكون ذلك في منتصف شهر ذي الحجة، وهو الشهر القمري الثاني عشر والاخير في تسلسل الشهور القمرية بالسنة الاسلامية، ويتعهدونها بالرعاية والسقاية كل يوم حتى تنمو النباتات الصغيرة، فيتفاخر الاطفال فيما بينهم بنمو «حياتهم» أو نبتاتهم. وفي يوم الوقفة سوف يتجهون مع آبائهم أو من يكبرهم نحو البحر، وهناك تبدأ طقوس رمي النبتات في البحر وهم يغنون: حيه بيه/ راحت حيه/ ويات حيه/ على درب لحنينيه/ عشيناك/ وغديناك/ وليلة العيد/ قطيناك/ لا تدعين عليّ/ حلليني يا حيتي/ وابري ذمتي/ مع السلامة يا حيتي. ثم يعود الاطفال الى منازلهم بعد مكوثهم بعض الوقت مع اقرانهم. ويذهب الباحث في تحليل هذه الطقسية الى انه اذا كانت بعض الشعوب القديمة قد قدمت القرابين البشرية او الحيوانية الى الآلهة، أو شيئا من انتاج الارض الى الانهار تسترضيها حتى لا تفيض وتهلك الزرع والقرى والمدن كما لدى المصريين القدماء، إلا ان حضارة «دلمون» التي ازدهرت فيها الاراضي الخصبة والزراعة مثلها مثل الشعوب الزراعية الاخرى التي ما اعتادت تقديم القرابين البشرية، وانما كانت تقدم هذه «الحييات» كبديل ويعلل ذلك بأن ارتباط «الحيه بيه» بعيد الأضحى والحج تحديدا، نظرا لأن اهل البحرين يقلبون الجيم ياء، فيعتقد ان «الحية» تعني «الحجة»، ويذهب الى تأكيد الدليل عبر اللغة، ونحن لا نعتقد ذلك، وخصوصا في ما ذهب اليه من ارتباط هذه العادة بالحج، وانما الى ما ساقه اولا من توارثها عبر الاجيال المتعاقبة منذ تلك اللحظة التي بدأ فيها الانسان تقديم اضحياته للألهة. وقد كنا نظن الى وقت قريب ان مثل هذه الطقسيات قد انتهت من حياة المجتمعات مع سيطرة النظام الذكوري المطلقة على العالم، وسنفاجأ في هذا الكتاب ان بعض الطقسيات الامومية القديمة ما زالت حاضرة في بعض المجتمعات، وان ما يقوم به اهل البحرين او غيرهم، ان وجد، انما هو بمثابة اعادة تمثيلية رمزية لاسطورة الخصب السورية او الرافدينية القديمة، سيما وأن السومريين الذين تواجدوا في دلمون كانوا يمثلون مجتمعا زراعيا، ونعتقد هنا ان البحث في هذا الامر طويل ومعقد قليلا، إلا ان ممارسة اهل البحرين لهذه الطقسية القديمة، سيؤكد لنا قطعيا ان المجتمعات الزراعية المستقرة كانت اقرب الى المجتمع الأمومي الذي اخترع الزراعة بعكس المجتمع الابوي الرعوي، فالمجتمع الامومي كان دأبه احيائية الارض بالحفاظ على النوع، وهكذا سنرى في «الحية بيه» نوعا من هذا السعي، بينما سارت المجتمعات الذكورية الرعوية على نهج تقديم الاضاحي: بشرية كانت او حيوانية للآلهة بدعوى اعادة ترتيب البيت او تأسيسه، فسارت انهر من الدماء وما زالت تسيل حتى يومنا هذا، لأن هذه الدعوى ما انفكت حاضرة في اللاوعي الذكوري البشري، والحديث في هذا يطول ايضا. الا اننا في هذه المناسبة ندعو الباحثين في التراث الشعبي الخليجي ان يهتموا اهتماما خاصا بهذه العادة المتوارثة، وخصوصا مسألة احيائية الارض عبر انبات النبات، لما لذلك من اهمية كبيرة اليوم على صعيد حماية البيئة، وأعتقد اننا في ذلك نستطيع تقديم حلول انسانية خطيرة للأزمة الناشبة اليوم حول اغتصاب الذكورة للأرض (الأم الكبرى) التي من بطنها جميعا ولدنا. كتاب «ألوان من تراثنا الشعبي» يطرح جملة من القضايا التي تهم الباحث والمهتم بهذا النوع من الدراسات، وهو الى ذلك كتاب قيم يقتنى كمرجع في كل بيت. عزت عمر