بيان الكتب:الغجر قوم يلف الغموض حياتهم، وجوالون يتفردون عن غيرهم في كل مكان وجدوا به، من خلال نمط حياة مغاير ونسق مهني خاص بهم، كما يتحادثون فيما بينهم بلغة خاصة عرفوا بها. وقد صار لهم حضورهم في ذاكرة الشعوب، وفي المأثورات والأمثال وبعض الحكايات والاساطير، بل صار لهم حضورهم في عدد من مرافق الحياة العامة في اي وسط عاشوا به. وعلى الرغم من تعرضهم المستمر الى كم هائل من التأثيرات والضغوط، فقد نجحوا في ان يحافظوا على هوية متميزة وأن يظهروا قدرة فائقة على التكيف والبقاء. في هذا الكتاب الشامل عن الغجر، يتعرض الكاتب سير انجوس فريزر لموضوعه من مداخل تاريخية ولغوية وانثروبولوجية، ويتقصى موارده في مظان شتى وبلغات شتى، مع ولع فائق بالوثائق الجديدة حول تاريخ الغجر واصولهم ولغتهم. ويتتبع الباحث لفظة غجري Gypsy في الموسوعات والمعاجم وما طرأ عليها من دلالة فضفاضة فيما بعد، انتقلت من مجرد الدلالة على فرد مترحل في جماعة، الى دلالة تحمل طابعا منحطا، واذا كان للفظة مضمون عرقي في الاساس، الا ان المشكلات التي استتبعت ذلك، كمنع الغجر من دخول المطاعم والحانات في انجلترا، حدت بالقضاء الانجليزي الى تفريغ المفردة من مضمونها العرقي لينص القانون على ان الغجر «اشخاص اعتادوا حياة الترحال، ايا كان عرقهم او اصلهم». وهكذا فالشخص يعد غجريا او لا يعد وفقا لنمط حياته، وليس وفقا لأصول ثقافية او عرقية. ويعود الكاتب لتتبع اصول الغجر، مبديا صعوبة في التعرف الى هذه الاصول من كتب التاريخ لان غير الغجر هم الذين كتبوها غالبا ومن ثم يفترض ان التاريخ الحقيقي للغجر انما يكمن في لغتهم، فيمضي هنا مع الدليل اللغوي، ويدرس لغتهم الرومنية وسبل انتشارها في أوروبا، وتعدد لهجاتها، وأشكال حروفها ويصل الى وجوب ان تكون اللغة الرومنية متحدرة من اصل هندي، ومرد ذلك يعود الى التشابه بين مفرداتها ومفردات بعض اللغات الهندية في الاصوات والبناء والمعجم. اما من الناحية الانثروبولوجية الطبيعية فيتوقف الكاتب عند دراسات مقارنة حول اصول الغجر، من خلال الشكل الجسماني وفصيلة الدم وملابسات الاختلاط بغيرهم من السلالات البشرية في الوسط الهندي. ثم يتحدث عن هجراتهم المبكرة من فارس وأرمينية وتواجدهم في الامبراطورية البيزنطية وبلاد البلقان واصطدامهم بالعثمانيين فيما بعد، لتبدأ هجراتهم المتلاحقة الى أوروبا الغربية فيما يشبه الزحف المتصاعد، وقد عرفوا بالمصريين، وذلك في أوائل القرن الخامس عشر، اذ توافدت مجموعات، يحملهم قليل من العربات، ويعسكرون في العراء، او في مهاجع مؤقتة، عندما يخفقون في اقناع الآهلين بالاقامة في مدنهم. وكان تنقلهم يتم من خلال جماعات تخضع لزعيم واحد او عدد قليل من الزعماء، حيث امتهنوا اعمال السرقة والاختلاس والتلصص والاحتيال وقراءة الطالع والالعاب البهلوانية، وقوبلوا في كل المجتمعات التي حلوا بها بالنفور وجوبهوا بالطرد والترحيل والمحاكمة التي وصلت الى حد اعدام اعداد منهم في فترات متعددة. وكانت المبررات المعلنة عن اسباب هجرتهم الى اوروبا انهم في الاصل متنصرون ارتدوا الى الديانة الوثنية فطردوا ولوحقوا في بلادهم... ويتتبع الكاتب سيرتهم في جميع الاقاليم الاوروبية التي حلوا بها تفصيلا، فيوضح علاقتهم بالسلطة والجوار من السكان والقوانين التي سنت ضدهم وملاحقة السلطات لهم، وما آلت اليه اوضاعهم في هذه البقعة او تلك من انحاء اوروبا، بحيث وصل الامر بإسبانيا ان اصدرت قوانين ضدهم تشير الى وجوب انقراضهم باعتبارهم جنسا لا جدوى من اصلاحه، ووفق ذلك تمت الهجمة المدعومة عسكريا باصطيادهم في نهاية سنة 1749، فاستخدموا في الترسانات البحرية في اشغال شاقة كأعمال الملاحة البحرية والمناجم وبناء السفن، وهلكت اعداد كبيرة منهم جراء ذلك السلوك العدواني تجاههم. اما البرتغال فقد استخدمت ضدهم سياسة الترحيل الى مستعمراتها وراء البحار في افريقيا او البرازيل كأسلوب مبتكر لطردهم، وظل اسلوب الترحيل هو الاكثر اعتمادا في سائر الاقطار خارج الامبراطورية العثمانية، مثل البرتغال وايطاليا وسويسرا والدانمارك والسويد وروسيا. وفي السلطنة العثمانية لم يكن الغجر يتعرضون الى مضايقات كتلك التي تعرضوا لها في أوروبا، وأعان على ذلك ما اتسمت به الادارة العثمانية من ضعف مزمن، ومن ناحيتهم لم يكونوا يهددون السيادة التركية في شيء، اضافة الى انهم كانوا ملتزمين بدفع الضرائب المتوجبة عليهم، وقد صدرت بعض الفرمانات المهمة بشأنهم في مجال الادارة والنظام العام والضرائب كقانون تنظيم الدعارة الغجرية في القسطنطينية وأضنة وصوفيا، وقانون تنظيم عمال المناجم منهم في مجموعات، وقانون جباية الضرائب والمغارم. وكانت مجمل القوانين القمعية التي اتخذت في كل حين ضدهم بالغة الاثر في حياتهم، جعلتهم في صراع مستمر من اجل البقاء، من خلال بحث دائب عن مخارج لهم في تلك الانظمة التي تسعى الى جعل حياتهم مستحيلة فوصل بهم الامر الى ان يجدوا ملاذا في الاراضي النائية الخربة، وكذلك على الاراضي التي تشكل حدودا بين الدول، منقسمين الى جماعات صغيرة لضرورة صرف الانظار عنهم لكنهم درجوا احيانا على تشكيل جماعات كبيرة تكفل لهم الامن في حال احساسهم بخطر داهم، وربما دفعهم حالهم المزري الى تشكيل عصابات خطرة، واللجوء الى العنف واعمال السلب والنهب لاقامة اودهم، وكان قد اشتهر منهم عدد من قطاع الطرق، وخاصة في ألمانيا في القرن الثامن عشر، فلوحقوا واعدم الكثير من رجالهم ونسائهم. وغير مرة زج بهم في الخدمة العسكرية لضبطهم واتقاء شرهم، ولكونهم الاكثر صلاحا لهذه المهمة كما اعتقد الاوروبيون. وقد اتسم موقف الكنائس المختلفة حيال الغجر بالتشدد، بحيث مالت الى ان تعتبرهم قوما لا دين لهم، ومالت بعض الكنائس الى تعميد الابناء الاطفال وتنصيرهم بدعوى سهولة تنشئتهم المسيحية السليمة، على ان تكون عند آبائهم الرغبة في ذلك. واذا كان المؤلف قد وصف اشكال السلالات الاولى منهم بالجمال الآخاذ، فقد عاد وتحدث عنهم حين ظهروا في أوروبا بأنهم قد اصبحت تميزهم عن سكان اوروبا بشرة قاتمة تصل احيانا الى غاية في القبح، وشعور طويلة وحلقان في الآذان ولباس غريب، ولا سيما ما ترتديه نساؤهم، حتى اصبح الزي الغجري نموذجا لكل ما هو غريب وعجيب، وقد رصد الكاتب نموذج الغجر في موسوعات متعددة حيث تؤخذ المعلومات عادة كشاهد على التراكم المعرفي في موضوع من الموضوعات، او ما يفترض ان يكون رأيا موضوعيا اذ تبدأ المادة الخاصة بهم في موسوعة افرايم تشامبرز على هذا النحو: «هم في تشريعاتنا صنف مزيف من المتشردين، انجليز وويلزيين يخفون حقيقتهم باتخاذهم عادات غير مألوفة، ويلطخون وجوههم وأبدانهم، ويتخذون لانفسهم لغة خاصة بهم ويترحلون هنا وهناك يدعون معرفة الطالع وعلاج الادواء وما الى ذلك ويصيبون العامة بأذاهم، ويحتالون عليهم بسلبهم اموالهم، ويسرقون ما خف حمله وغلا ثمنه». كما يورد الكاتب هذا النموذج للغجري في الصور والمطرزات والمسرح حيث تظهر صورهم في هذه الفعاليات الفنية مرتبطة بوجه عام بالهزل والسخرية والقبح ويتم الربط بينهم وبين السرقة وفتح الاقفال ووضع الرقى والسحر والاحتيال وما الى ذلك من افعال مشينة تمزق معالم الاستقرار والامن في المجتمع. على ان التطورات المتسارعة في العقود الاخيرة من القرن الثامن عشر قد افضت الى تغيرات في نظرة الآخرين الى الغجر، ففي مجال الادب استرعى الغجر انتباها من نوع جديد، فلدى تحول الذوق العام الى الرومانتيكية والميلودرامية تحول الاهتمام عن مفاهيم مثل النظام والهدوء والعقلانية الى مفاهيم الفرد والخيال والتلقائية، وقد ادى الاحياء الرومانسي الى اهتمام متزايد بالثقافة الشعبية البدائية، والنزوع الى الغريب والغامض وقد لازم الرومانسية في مراحلها الاخيرة اهتمام بجمع الفولكلور وتقليده، وبالاغنيات الشعبية والرقص والموسيقى، ولم يعد الغجر بعيدين عن هذا التيار من الادب والدراسات الانسانية، فأصبحوا منجما للحكايات الشعبية والموسيقى والاعراف والخرافات. وقد عرف عن الغجر ارتباطهم بالموسيقى عزفا وغناء ورقصا وكانت مواهبهم الموسيقية سببا مهما في ظفرهم بقدر من التسامح، ولكن حتى الآن ليس للغجر لغة موسيقية مشتركة، وما من سبيل لخلق موسيقى خاصة بهم فقد كانوا حفظة للموسيقى المحلية يرددونها بآلات الاقليم ايضا، كما يحيون الفولكلور الخاص بكل اقليم ويضفون عليه نكهة غجرية خاصة، واستطاعوا في ذلك ان ينالوا قدرا كبيرا من الاعتراف بل اصبح بعضهم محترفا وجزءا من الهوية القومية لهذه الاقطار التي حلوا بها، بل لقد اصبحت لهم هيمنتهم الواضحة في الموسيقى في منتصف القرن الثامن عشر، ولم يعد بالامكان الاستغناء عن خدماتهم ليس بالنسبة للأرياف فحسب، ولكن حتى بالنسبة للطبقات النبيلة، حتى غدت الموسيقى ارقى المهن التي يمارسها الغجر، وكانت اشهر فرقهم الموسيقية وأشهر عازفيهم من شمال غرب اوروبا (سلوفاكيا الغربية الآن) وكانت اقرب اقاليم المجر الى فيينا قلب الحياة الموسيقية في أوروبا. وفي مواجهة التمدن والتصنيع وما اليه من ضغوط العالم المعاصر اظهر الغجر قدرتهم في الحفاظ على ذاتيتهم فأفادوا من الفرص التي اتاحها لهم النظام السائد، وقاوموا المغريات التي دفعت غيرهم الى العمل المأجور، وعاندت غالبيتهم بفكرة الجماعة واصبحوا يبدون طواعية في مزاولة مهن جديدة وترك اخرى قديمة، لكن دون ان يخاطروا بفقد حريتهم و هويتهم السلالية، او ما درجوا عليه في ممارستهم لاعمالهم او سكناهم من مرونة تتلاءم مع بنائهم الاجتماعي ورغبتهم في الاستقلال بترتيب امور حياتهم، وبالتالي الانسجام مع ذواتهم. ويمضي المؤلف في الحديث عن طقوس الغجر المتنوعة في مآتمهم وافراحهم ومفهوم النجاسة والطهارة عندهم، وعن عاداتهم الاجتماعية، القديمة منها والجديدة، والمتأثرة بالطابع المحلي للمنطقة، وبأشكال من الفلكلور الاوروبي. كما يفصل الحديث عن هجراتهم اللاحقة المتجددة في الشطر الاخير من القرن التاسع عشر، انطلاقا من بلاد البلقان والمجر في كل الاتجاهات حتى الولايات المتحدة الامريكية، وقد تحدثوا في هذه الفترة باللغة الافلاقية، وتميزت منهم جماعات ارتبطت بمهن مثل الكالديراشا (النحاسون) واللوفارا (تجار الخيول) والتشورارا (صناع المناخل) وغاسلوا الذهب والمعدنون وما الى ذلك. على ان اخطر ما هدد وجود الغجر في اوروبا نظريات القرن التاسع عشر العنصرية القائلة بالحتمية البيولوجية والداعية الى ضرورة النقاء العرقي، وقد اصبح ذلك تبريرا فكريا لتشدد السلطات في موقفها منهم، بل لاستمرار سياسة القمع ضدهم، وقد اشير اليهم في المؤلفات الخاصة بعلم الجريمة كنموذج حي على الاستعداد الوراثي الكامن في عرقهم للجريمة، كما يرى لومبروزو في كتابه (الانسان الجانح) وهذا ما عززته النظرية الداروينية في أواخر القرن التاسع عشر، من ان العامل البيولوجي هو العامل المطلق في كل مناحي الحياة، وأن من واجب الدول ان تتخلى عن حمايتها للضعفاء، وتتحول باهتمامها الى تشجيع العناصر القوية بيولوجيا، وان فائدة الفرد الاجتماعية وقدرته بيولوجيا هي المعيار لقيمته الاجتماعية. وقد استتبع ذلك في القرن العشرين استهدافهم نازيا، بقتل اعداد كبيرة منهم في مجال سعيهم نحو الصحة العرقية، وبحسب مرسوم هيملر، حيث اخذت غرف الغاز والمحارق تفتك بهم بطاقة يومية تقدر بعدة آلاف لعدة شهور، وقد زج بقسم منهم في معسكرات الموت في معظم الدول التي خضعت لالمانيا اثناء الحرب العالمية الثانية، ويقدر عدد من هلكوا اثناء هذه الحرب بما يتراوح بين ربع مليون الى النصف مليون غجري، ومعظم من عاشوا بعدها حملوا عاهات عضوية وعقلية. ويشير المترجم هنا من ضمن تعليقاته الغزيرة في الكتاب الى ان وضع الغجر بعد الحرب كان اكثر مأساوية من وضع اليهود، فهؤلاء وجدوا لهم وطنا وان اغتصبوا من اصحابه الشرعيين ثم هم تقاضوا تعويضات، تقدر بمليارات الدولارات، في حين لم يتوافر للغجر وطن، ولم يتوافر لهم من التعويضات سوى اقل القليل الاطراف من ذلك ان صارت المحرقة Holocaust ترتبط في اذهان الاوروبيين والامريكيين وربما نحن ايضا باليهود فقط وليس باليهود والغجر وغيرهم من ضحايا النازية. وقد اسفرت الحرب العالمية الثانية عن تشتيت واضح للغجر وقد كانت ايطاليا اكثر الاماكن التي عادت وشهدت تجمعاتهم، وأصبح عددهم اليوم في النواحي المختلفة من اماكن تواجدهم في أوروبا يقدر بحوالي اربعة ملايين غجري. وتفاوت نمط اقامتهم واعدادهم من كان الى آخر، وقد حلت الكرفانات التي تجرها مركبات والاكواخ المتواضعة محل التخييم حول محيط المدينة، كما عملت بعض الدول على تأمين اندماج غجرها الرحل بتوفير السكن والعمل والتعليم لهم، وأخذ الغجر من طرفهم يمتزجون شيئا فشيئا في حركة الحياة المدنية الحديثة، بحيث اصبح المستقرون من الغجر اليوم هم الغالبية في الشرق والغرب معا. محمد عبدالواسع