بيان الكتب: في مشروعه لنشر سيرة الظاهر بيبرس يقدم المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق الجزء الثاني من هذه السيرة بعنوانها المكتوب في المخطوطة هكذا: «سيرة الملك الظاهر بيبرص» أي بحرف «الصاد» بدلاً من حرف «السين» الذي اشتهرت به. وهذا الجزء واحد من عشرين جزءاً تضم هذه السيرة كاملة حسب الرواية الشامية لها، وقد قام المعهد بالتعاون مع مركز دراسة لغات العالم العربي وآدابه في ليون، ومركز الأبحاث والدراسات المتعلقة بالشرق الاوسط وحوض المتوسط بتكليف كل من جورج بوهاس «مدير سابق في المعهد» وكاتيا زخريا «أستاذة في جامعة ليون الثانية، ومركز دراسات الشرق الاوسط وحوض المتوسط» بتحقيق المخطوطة. وقد نشر المحققان الجزء الأول منها عام «2000» وها هما ينشران الجزء الثاني عام «2001». يُزين غلاف هذا الجزء تفصيل من لوحة مرسومة على الزجاج للرسام الشعبي السوري ابو صبحي التيناوي، وهي تمثل الملك الظاهر بيبرس مع مجموعة من أعوانه. يقول المحققان ان نسخ هذه المخطوطة تمّ بداية عام 1949 وقام بها شخص اسمه «محمد اديب مكاوي»، ثم بيعت في فترة لاحقة الى المعهد الفرنسي للدراسات العربية، ويُعد هذا النص الدمشقي الأصل مطابقاً لرواية آخر حكواتي مارس مهنته على الطريقة التقليدية في العاصمة «السورية» أي قبل ان يصبح فلكلوراً يعرض كمادة متحفية في المقاهي، وعلى الرغم من ان المخطوطة كاملة، فإننا نكتشف اثناء القراءة وجود بعض النقص في الصفحات او الفقرات دون ان يؤثر هذا على تكامل النص. يذكر المحققان في المقدمة انهما وضعا جميع العناوين التي أدرجها الناسخ في مخطوطته، ولم يهملا الا ما ورد في بعض الكراريس من بسملة او مخاطبة للقاريء لكي لا يخرق النص او يشوهه. ومع أنهما يضيفان في الهامش ان هذه الملاحظات وان كان فيها المسلي والمفيد لمن يدرس تاريخ النسخ، فهي تبعدهما عن هدفهما. مع أننا نؤيد فكرة طباعتها نظراً لما فيها من دور في اكتشاف العلاقة بين الراوي، الناسخ، القاريء، والمخطوط. ثم أدرج المحققان بعض العناوين الاضافية التي بدت مفيدة من وجهة نظرهما ووضعاها بين معقوفتين. كما ادخلا علامات التنقيط على النص، وصححا نحوياً بعض الكلمات التي تتشابه في لفظها بين اللهجة العامية و«المخطوطة مكتوبة بكاملها بالعامية الدمشقية» واللغة الفصحى، دون الاخلال بالحكي. ومن خصائص المخطوطة ان نصها قائم على تأرجح مستمر في الأصوات والإملاء بين خصائص اللهجة السورية «كان عليهما ان يقولا الدمشقية» واللغة العربية، والى جانب ذلك تظهر لغة الافرنج، ورطانة المماليك والأتراك. لكن المحققين آثرا ان يتركا النص كما هو في هذه الحالة وذلك كما قالا لفتح ابواب البحث وطرح اسئلة حول اللغة وتطويعها في خدمة الادب دون اغفال ضرورة وضع حاشية، حين يؤدي «التأرجح» الى مثل تصحيح كلمة «يتثامر» الى «يتسامر» مع الاحتفاظ بما تبقى من كتابة تخالف قواعد الاملاء مثل «اينعم» المؤلفة من «أي، نعم» ومثل «الله واكبر» وهي ترجع الى «الله أكبر». وإضافة الى هذه الملاحظات زوّد المحققان السيرة بحواش سفلية لمساعدة القاريء على فهم النص، والقراءة الصحيحة حين ترد بعض الكلمات العامية التي لا جذر لها في المعاجم العربية مثل «يصطفل، قطرميز» وشرح المفردات والعبارات المأخوذة من اللغتين التركية والفارسية او من لغة الافرنج، بل أحياناً من العبرية، ومع يقين المحققين بالطابع الخيالي للسيرة، فقد حاولا ان يعرفا بالأمكنة. والشخصيات التاريخية كلما احتاج الأمر الى ذلك. كما قدما شيئاً من الترجمة التاريخية للملك الظاهر نفسه، دون أن يغفلا دائماً التأكيد على الطابع الخيالي للسيرة الذي قد لا يقارب الوقائع التاريخية، او قد يقفز فوق المساحات الجغرافية، دون ان يحفل بالأرقام، والمدد، والمسافات. ممدوح عزام