في بداية القرن العشرين، كانت باريس بمثابة الملاذ المثالي الذي يبحث عنه الفنانون جميعا. فما الذي يريده الفنان أكثر من العيش في بيئة هادئة وجميلة وتتسم بالحرية والأمان ومعقولية التكاليف؟ هذه الخصائص جميعها كانت متوافرة في باريس ذلك الزمان، إلى جانب مصادر الترفيه على اختلاف أنواعها، من كازينوهات ومراقص وشوارع هادئة، تشكل مصادر إلهام متعددة لكل من يبحث عن لمحات الجمال الموحية. وتقاطر الفنانون الى عاصمة النور، وتكونت المجموعات والحركات الفنية التي يتسم كل منها بخصائص مدنية تختلف فيما بينها. ويجيء معرض «باريس عاصمة الفنون ـ الفترة بين عامي 1900 و1968» الذي تتألق أعماله في الأكاديمية الملكية للفنون بلندن ليلقي الضوء على التاريخ الفني الباريسي في تلك المرحلة الفريدة من المسيرة الفنية للقرن العشرين، لا سيما وانها تميزت بالثراء الشديد والتنوع مقارنة بالفترة التي تلت ذلك واستمرت حتى نهاية القرن العشرين. ويوضح الأمين العام للأكاديمية الملكية للفنون: «لقد شعرنا بأن الفن الفرنسي في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى نهاية ذلك القرن لم يكن بالثراء الذي كان عليه النصف الأول من القرن نفسه، ومن هنا جاء التركيز على القاء الضوء على مواطن القوة والابداع التي ظهرت في عالم الفن خلال الفترة من بداية القرن العشرين الى عام 1968، وهو العام الذي حفل بتحولات جذرية على جميع المستويات في الجمهورية الفرنسية». وقد حفلت تلك الفترة بالفعل بمجموعة من كبار الفنانين التشكيليين الذين كتبوا أسماءهم بقوة وعنفوان في سجلات الابداع الانساني مثل بابلو بيكاسو وجورج بريك وأندريه ديرين وكذلك بعض المدارس الفنية مثل التكعيبية التي انتمى اليها بابلو بيكاسو والوحشية التي سبقت المدرسة التكعيبية. وجاءت مثل تلك المدارس في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، حيث كان الفنانون يتعاملون مع اللوحات بشكل فطري من دون تعقيد، مثل تناول الطفل لرسوماته. وتظهر نماذج من تلك اللوحات في ثنايا المعرض ليتعرف الزائر للمعرض على نوعية الأجناس الفنية التشكيلية التي كانت سائدة في فرنسا في هذه الآونة. وبعد الحرب العالمية الأولى، اتجه الفنانون الباريسيون الى رحاب الطبيعة لتجسيد أفكارهم وما يعتمل في مخيلاتهم، والطبيعة البدائية للإنسان من دون أي تدخل للحضارة، فكثرت اللوحات التي تدور حول علاقة الرجل بالمرأة، ويخصص المعرض قاعة خاصة لذلك النوع من اللوحات. ومن أهم الفنانين الذين ظهروا في تلك الآونة كان بيكاسو الذي عاش في العاصمة الفرنسية من عام 1904 حتى 1946، منها خمس سنوات فقط قضاها في الريف في فترة الثلاثينيات. وتميز بيكاسو بالوجود القوي المميز في الفن الباريسي في تلك الفترة وأثرت لوحاته على أفكار المهتمين بالفن وكذلك على أقرانه من الفنانين. ويقول عنه دوماس «لقد كان بيكاسو واحدا من ألمع الفنانين الذين شهدتهم الساحة الفنية الباريسية وأبرزهم. وكان له تأثير ملموس على الحركات الفنية في زمنه». وعندما احتل النازيون المدينة، انقلبت جميع مناحي الحياة رأسا على عقب. فقد سيطرت الكآبة على جميع مظاهر الحياة وانعكس ذلك في اللوحات، مثل لوحة الفنان جان دوبوفيه «واجهات المباني» عام 1945 حيث جعل الفنان اللون الاسود فيها هو الغالب على أسطح المباني ليعبر بذلك عن الجو الكئيب المسيطر على المدينة. وسيطرت موضوعات الموت والفناء على لوحات بيكاسو. ومن أهم اللوحات التي تنتمي لتلك الفترة وتعرض في المعرض لوحة «صورة للفنان بريشته» للمؤلف المسرحي انتوني ارتو التي رسمها اثناء وجوده في احدى المصحات النفسية التي تلقى فيها جلسات كهرباء وذلك أثناء الحرب العالمية الثانية. ويضم المعرض أيضا نماذج من اللوحات التي ظهرت في فترة ما بعد الحرب وخلال الستينيات والتي استوحيت من الطابع السياسي للعصر حينذاك وما مرت به المدينة من احداث سياسية جسيمة أثرت على المواطن الفرنسي في شتى المجالات. ومن الفنانين الذين ظهروا في تلك الآونة جان جاك ليبيل وجاك دي لا فيليجل، وكذلك جيل ايلو، ادواردو ارويو وانطونيو ريكا لكاني، الذين قاموا برسم مجموعة من اللوحات تصور اغتيال الفنان مارسيل دوشامب، الذي رأوه كخائن لقضية الوطن لعدة أسباب منها مغادرته للبلاد متجها للعيش في الولايات المتحدة. ويعرض في المعرض عدد من اللوحات الاصلية الخاصة بالفنان، منها تصوره الشهير للوحة الفنان الشهير ليوناردو دافنشي «موناليزا». ومن الموضوعات التي أظهرت نفسها بوضوح أثناء المعرض من خلال ما تم عرضه من لوحات كيف ان بعض الثورات الاجتماعية والطرق والاجناس الفنية شهدت أول ميلاد لها في دهاليز المقاهي والمشارب الباريسية. وفي هذا الصدد، تظهر اللوحات التي تنتمي للمدرستين السوريالية والدادية، التي قدم المعرض قسطا وفيرا منها. حاتم حسين