بيان الكتب: يعتبر هذا الكتاب واحدا من كتب التكريم التي طالما تعودنا على امثالها عندما يأفل نجم كاتب ما، او اديب او شاعر، او فقيه او عالم او فنان او غيره من المبدعين فتتناوله اقلام الدارسين، وتقام له في كثير من الاحيان مهرجانات التكريم والاشادة بمناقبه ومآثره وعظيم جهده، بيننا هو قابع في زوايا النسيان ابان مراحل حياته. قام احمد محمد عبيد بجهد كبير في هذا السياق فجمع ما توفر له وما حفظته الارشيفات المختلفة من صحف ومجلات كتب فيها عن المحتفى به واصدرها في كتاب اسماه: احمد امين المدني في اثار الدارسين، وقد تكفل الاديب عبدالغفار حسين بطباعته على نفقته الخاصة. تتوزع تلك المواضيع المندرجة في حنايا الكتاب بين دراسة قصيرة او مقالة تتناول جانبا من الجوانب الفكرية التي اسهم فيها المرحوم احمد امين المدني بينما تتحدث اخريات منها عن الشاعر، وحياته، واسهاماته الادبية وسائر الجوانب الحياتية للشاعر وغير ذلك مما زخرت به تلك الدراسات المتناثرة في حنايا هذا الكتاب فمن هو هذا المحتفى به؟ ولد الشاعر في منطقة ديرة في دبي، في العام 1931 درس في المدرسة الاحمدية وفق النمط التقليدي الذي كان سائدا في الثلاثينيات والاربعينيات وبعد هذه المرحلة البدائية من التعليم اخذ الرجل يشتغل على تثقيف ذاته من خلال الصحف والمجلات والكتب الادبية والفكرية التي كانت تصدر في مصر ولبنان والعراق. كان المدني شديد النهم للعلم وطلبه، ورغم قسوة الحياة التي كان يعاني منها في حينه، وشظف العيش وقلة ذات اليد الا ان كل تلك العوامل لم توهن عزيمته بل انبرى متحديا لها فخرج من بلده الى البصرة، فبغداد حيث المدارس والجامعات «مكملا دراسته الثانوية وملتحقا بكلية الشريعة، حيث امضى فيها اربع سنوات متخرجا في اجازة في علوم الشريعة واللغة العربية» وبعد مرحلة بغداد التي كانت تمثل بداية الانعتاق نحو آفاق البحث والعلم، التحق الشاعر بجامعة ادنبرة في بريطانيا ليدرس التاريخ الحديث فتوثقت صلته باحد اساتذتها الكبار الذي اشار عليه بالالتحاق بجامعة كامبردج للتحضير لشهادة الدكتوراه وبالفعل ساعده استاذه البريطاني فقبل في عداد طلبة الدكتوراه على الفور وبعد سبع سنوات من الدراسة في كامبردج حصل على شهادة الدكتوراه وكان موضوعها: «فكرة التوحيد في الاسلام» وبذلك كان اول طالب من دولة الامارات العربية المتحدة يحصل على مثل هذه الشهادة في العام 1967م، ودرس كذلك الفرنسية وادابها في السوربون». استفاد احمد امين من فترة وجوده في بريطانيا واستغل كل سانحة، فحاول «الاتصال بكبار الشعراء والفلاسفة والمؤرخين والنقاد والادباء البريطانيين، اذ كان حريصا على اللقاء الشخصي بهم ومجادلتهم في امور الشعر والتاريخ والفلسفة والادب والنقد»، فقد التقى بالمؤرخ الكبير ارنولد توينبي اكثر من عشر مرات في كمبردج ومرتين بالشاعر ت.س.ايليوت، والتقى بالفيلسوف برتراند راسل والناقد فورستر، وغيرهم. انخرط ولاول مرة في الحياة العملية فعين مدرسا في بغداد، «واخذ يتصل بالحياة الادبية العراقية عن كثب ناشرا قصائده الاولى في الصحف العراقية، وقد فازت واحدة من قصائده في مسابقة نظمتها صحيفة «فتى العراق» في الموصل وقد توج هذه الاستفادة خلال اتصاله بابرز شعراء الحداثة في العراق والوطن العربي بدر شاكر السياب والذي قال عنه: «بدر شاكر السياب كان صديقي الحميم، وقد التقيته للمرة الاولى في العام1949 كان التقاء في مكتبة متواضعة في البصرة يتردد عليها شعراء البصرة والكويت في ذلك الوقت، وصاحب هذه المكتبة شاعر «معروف» ايضا اسمه «هشام الجواهري» وبعد الدراسة الجامعية في بريطانيا عاد احمد امين الى الامارات العربية المتحدة، ودخل ميدان العمل فتنقل بين عديد من المهام الوظيفية والتي لم يكن يمكث في اي منها امدا طويلا، فقد تقلب المدني في عدة وظائف حيث عمل مدرسا في بغداد ثم مدرسا في المدرسة الصناعية بالشارقة، ومذيعا في اول اذاعة تفتح في الامارات وهي اذاعة صوت الساحل، من منطقة المرقاب بالشارقة ثم امينا للمكتبة العامة التابعة لبلدية دبي ثم فتح اول فصول محو الامية في العام 1970م، وفي المكتبة العامة في دبي، ثم انتقل الى وزارة الدفاع في العام 1972م كما عمل ايضا في مجلة الامن التي تصدرها قيادة شرطة دبي وفي القسم الثقافي بجريدة الاتحاد والقسم الثقافي بجريدة الخليج، وكاتبا بجريدة الفجر ولكنه استسلم للمرض ولظروفه الصحية منذ العام 1977م حيث استقال من عمله كمدير للسكرتارية بوزارة الدفاع ومنذ تلك السنة انزوى فيها عن الحياة العامة مضطرا ولم تكن هناك مجالات جادة للاستفادة من الرجل». «كان د. مدني زميلا وصديقا للعديد من الشعراء العرب وشاهد عصره على حركة التجديد، خاصة انه كان في تلك الفترة المبكرة من عمره طالبا جامعيا في بغداد بؤرة التجديد الشعري وعاصمة رواده الكبار من امثال السياب نازك الملائكة والبريكان، وسليمان» العيسى». اصدر المدني عددا من الدواوين الشعرية كان اولها: حصاد السنين عام 1968م وكان باكورة انتاجه الشعري وفق شعر التفعيلة، او عرف بالشعر الحر، وكان ايضا باكورة الشعر الحر لدى شعراء الامارات العربية، واشرعة وامواج عام 1973م، ثم الديوان الثالث: عاشق لانفاس الرياحين عام 1990م، وهناك العديد من القصائد التي لم تنشر له بعد وقد قام احمد محمد عبيد على جمعها وطبعت في كتاب باسم: قصائد ضائعة لاحمد المدني صدرت عن المجمع الثقافي في ابوظبي عام 2001م وبذلك فان الشاعر احمد امين المدني «يعتبر رائد التحديث في شعر الامارات، وعاملا اساسيا لانتقال حركة التجديد وشعر التفعيلة، وبذلك فتح الباب على مصراعيه لحركة الشباب في التأثر بالحداثة الشعرية، وبالمساهمة الفعالة في حداثة شعر الامارات». تأثر احمد المدني بالعديد من الشعراء الرواد الذين كانت تربطه بهم صلات مباشرة، «وصرف وقته في ملازمة الشاعر مبارك العقيلي، وكان يحضر مجالس مبارك العقيلي، والشاعر احمد بن سليم، والاديب الكويتي عبدالله الصانع، اضافة لحضوره الدائم للمجلس المهم واليومي في دكان مبارك المسقطي في شارع سوق الذهب، والذي كان يجتمع فيه العديد من كبار الشعراء والادباء والمثقفين، يتدارسون ويتناقشون ويتناشدون الشعر، وكان منهم: مبارك العقيلي، احمد بن سليم، عبدالله الصانع، عبيد التاير، خليفة بن سعيد المطروشي، الشيخ راشد بن بطي آل مكتوم، راشد بن سعيد يابس راس، بن عمان، والشاعر خلفان بن يدعوه، والسيد هاشم الهاشمي، والشاعر محمد بن زنيد وغيرهم». ساهم المدني في الحياة الثقافية في دولة الامارات العربية المتحدة من اوسع ابوابها، فقد كتب العديد من الدراسات، ووضع عددا من الكتب، وحاضر في كثير من الندوات ولم يتوقف نشاطه العلمي على ميدان الشعر فقط وانما كان له مساهماته الكثيرة في البحث والادب والمجتمع وغير ذلك من الشئون الحياتية التي عاصرها ومن مؤلفاته: ـ فكرة التوحيد في الاسلام، وهي رسالته للدكتوراة في بريطانيا، لم تترجم بعد. ـ شعراء الامارات المعاصرون. ـ دراسات في الشعر الاندلسي. ـ التركيب الديني والاجتماعي، وقد نشره بالعراق، الا انه فقد. ـ دراسات في الفلسفة. ـ دراسة عن الشعر النبطي بالامارات باسم: الشعر الشعبي في دولة الامارات العربية المتحدة. هذا وقد قام احمد محمد عبيد بجمع العديد من المقالات والدراسات التي تيسر له الحصول عليها في حنايا الصحف والمجلات العربية، وسوف تصدر في كتاب آخر باسم: الاعمال النثرية لاحمد المدني. لقد ساهم احمد المدني بالكتابة في كثير من الصحف والمجلات العربية، داخل وخارج دولة الامارات العربية المتحدة «فقد كتب في مجلة الآداب البيروتية منذ الخمسينيات وفي صحف العراق مثل: فتى العراق، العاصفة، الاهالي، القبس، الزمان، وفي لبنان: الاديب، والآداب، والورود، وفي المجلات المصرية كالرسالة، والاديب، ومجلة الشعر، وفي المغرب العربي كمجلة الفكر التونسية، وفي سوريا كمجلة الضاد، اما في دولة الامارات العربية المتحدة، فقد كان من اوائل من كتبوا في مجلتي اخبار دبي والازمنة الحديثة، ثم بالصحف السيارة المحلية كالبيان والاتحاد، والخليج، والفجر، وغيرها من الصحف والمجلات..». «كتب الكثير عن المدني ـ فالبعض كتب عنه في حياته، وكتب الكثيرون عنه بعد ان غيبه الردى ـ منهم عبدالله الطائي في كتابه الموسوم: الادب العربي في الخليج العربي، ومحمد عامر البحيري، ومحمد نوراني في مجلة اخبار دبي، ود. نصر عباس في مجلة المنتدى، وابراهيم سعفان، اسامة فوزي، عبدالغفار حسين الذي كتب عنه في مجلة المجمع التي كانت تصدر في دبي قبل قيام الاتحاد». عبدالله محمود حسين