ابن النفيس هو «علاء الدين أبو الحسن، علي بن أبي الحزم القرشي» ولد بالقرب من مدينة «دمشق» سنة 607 ه، وكانت دمشق قد بلغت في ذلك الوقت ذروة ازدهارها العلمي، بعد أن فقدت «بغداد» مكانتها الرفيعة من جراء الصدمات التي أصيبت بها من الفرس والمغول والأتراك. وكان من مظاهر النهضة في «دمشق» تلك المكتبة التي أنشأها «نور الدين محمود بن زنكي» عم «صلاح الدين الأيوبي» وغذّاها بما جمع فيها من الكتب القيمة، و«البيمارستان» الذي عمل فيه أمهر الأطباء، وكان «ابن النفيس» من بين التلامذة الذين تدربوا في هذا المستشفى، وأشرف فيما بعد على قسمين من «البيمارستان» وقد قام الحكام الايوبيون بارسال بعض الأطباء الى «مصر» ليعملوا فيها، وكان «ابن النفيس» واحداً منهم، حيث تدرج في مناصب الأطباء، الى أن أصبح رئيسهم، ورئيس أطباء مصر. وكان اضافة لدماثة خلقه واسع الاطلاع، محيطاً بكل شيء، ليس في الطب فحسب، ولكن في العلوم كافة، أحاط بفلسفة الاغريق، وتعلم النحو والشريعة، كما درس الفقه، وعلم الحديث. اما في الطب، فيروى انه حفظ «ابن سينا» وأنه الم بمؤلفات «جالينوس» ولقد اعتبره معاصروه مساويا «لابن سينا» من حيث المكانة العلمية، ومدى معرفته بالطب، ومن مؤلفاته الطبية «الكتاب الشامل في الطب» وهو كتاب موسوعي كان ينوي اصداره في ثلاثمئة جزء، حسب رواية «حاجي خليفة» الا انه لم يكتب منها سوى ثمانين جزءاً، ومن مؤلفاته ايضاً كتاب عن الرمد وكتاب عن الغذاء، وشرح الهداية في الطب، وتفاسير العلل وأسباب المرض. أما الكتاب الذي نال أوسع شهرة فهو «موجز القانون» وهو موجز عملي لقانون «ابن سينا» كتبه من أجل اطباء عصره، ويقع في اربعة اجزاء ولعل «ابن النفيس» بتطاوله على القيود التقليدية التي كانت تشل نشاط المشتغلين بالعلم، وتحرره من سيطرة «جالينوس» و«ابن سينا» يعتبر فخر العرب في كل مكان، فقد انكر في جرأة كل ما لم تره عينه، او يصدقه عقله، وهذا في مؤلف «شرح تشريح القانون». ويتضح لقاريء هذا الكتاب، تلك الروح التي عبّرت عن احترامه للدين والشريعة ثم للقدماء، وأفصح عن اعتماده على النظر المحقق والاستقصاء الشخصي وحسبنا أن نستعرض هنا عبارة واحدة لها اهمية قصوى بالنسبة لتاريخ الطب، وهي خاصة بتغذية عضلة القلب، التي كان «ابن سينا» قد قال عنها: «انها تتغذى عن طريق الدم الموجود في تجويفه مباشرة». اما ابن النفيس فيقول: ان غذاء القلب انما هو من الدم المار فيه من العروق المارة في جرمه. وهذه العبارة تجعل «ابن النفيس» اول من فطن الى وجود اوعية داخل عضلة القلب تغذيها، وهي تضيف دليلاً اخر على ان «ابن النفيس» مارس التشريح، كما أنها تجعل منه أول من وصف الشريان الاكليلي وفروعه. وبذلك فان آراء «ابن النفيس» قد سبقت آراء معاصريه بعدة قرون ولعل الاهمال الذي لاقته هذه الآراء، كان مرده الى هالة القداسة التي احاطت ردحاً طويلاً من الزمن بأقوال «جالينوس» و«ابن سينا». لقد ظل العالم العلمي يؤمن بتعاليم «جالينوس» ولاهيا عما كتبه «ابن النفيس» طيلة ثلاثة قرون، وفجأة كما لو أن سداً انفجر، انبرى ثلاثة علماء في غضون ستين عاماً، يصفون دورة الدم في الرئة، بنفس الألفاظ التي استعملها «ابن النفيس» وهم «ميشيل سرفنوس» الاسباني في مؤلفه سنة 1553، والذي حكم عليه من أجله بالاعدام حرقاً، ثم «كولومبو» سنة 1559، وأخيراً «هارفي» الانجليزي في مؤلف سنة 1622. ولقد أصر المؤرخون الغربيون على القول بأن تعاليم «ابن النفيس» اصابها النسيان، وبأن هؤلاء العلماء الثلاثة اهتدوا الى هذا السر مستقلين عنه بل كل منهم كان مستقلاً عن الآخر. ولكن هناك برهان على أن الغرب لم يجهل «ابن النفيس». أولهما: ترجمة باللاتينية نشرت في البندقية سنة 1547، وهي تذكر فقرات كثيرة من كتاب «شرح تشريح القانون» «لابن سينا». والبرهان الثاني: وجود مخطوط عربي، هو تعليق على قانون «ابن سينا» يتضمن في ثناياه اعجابا بالغاً «بابن النفيس»، الذي يلقبه بالقرشي وقد اتبع منهجاً يورد بموجبه اقوال «ابن سينا» اولاً، ثم يتبع ذلك بقوله «ولكن القرشي يقول كذا وكذا». وبهذه الطريقة بسط نظرية «ابن النفيس» عن الدورة الدموية في الرئة في عدة صفحات. إعداد ـ محمد سطام الفهد