سومرست موم كاتب انجليزي ولد في باريس سنة 1874 ومكث فيها سنواته العشر الأولى، لذلك أتقن اللغة الفرنسية بطلاقة، كان أبوه مستشاراً للشئون القانونية بالسفارة البريطانية في باريس.. بل إن حنينه ظل قويا لفرنسا ، حتى إنه قضى سنواته الأخيرة فيها مستقراً في الريفيرا الفرنسية منذ سنة 1930 وحتى وفاته سنة 1965. إمتهنت أسرته المحاماة لعقود كثيرة، وبعد وفاة والديه المبكر كفله عمه وأراد له أن ينخرط في السلك الكنسي .. رفض ذلك ودرس الطب وتخرج طبيباً ولم يعمل بتخصصه . أُغرم بالكتب والكتابة فاختار طريق الأدب.. انضم لجهاز المخابرات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى عميلاً سرياً. أحب الأسفار وجعلت منه كثرة أسفاره رجلاً متسامحاً شديد الإحتمال، وأغنته تجربته هذه في كتابة نوعية متميزة من أدب الرحلات مثل كتابه «على الشاشة الصينية» سنة 1922 وكتابه «الرجل المهذب في غرفة الأستقبال» سنة 1930 كما كتب عن تجربته في الحياة بكتابه « الخلاصة » وهو كتاب شامل للقضايا الفكرية والأدبية التي شغلته غير أن الكتاب لا يعتبر سيرة ذاتية للمؤلف. وأحب من كل هذا العالم الشرق، وكان أمله أن يقيم في القاهرة ليتمكن من تعلم اللغة العربية لكي يقرأ كتاب «الف ليلة وليلة » الذي قرأه مترجماً وأُعجب به. وعندما بلغ التسعين وهي الفترة التي أصاب جسمه فيها الوهن وإعتراه ضعف في الذاكرة رغم إعتداده بنفسه وإحتفاظه بابتسامة موحية أنه رجل قادم من أعماق الشرق وأن روح الشرق متشربة في أعماقه، قال معبراً عن حبه للشرق :« أُحب الشرق.. إنني لا أستريح ولا أسعد إلا حين أكون في الشرق.. والشيء الوحيد الذي يمنعني من أن أكون هناك الآن هو أنني في الستين ».. ثم استدرك وقال : « في التسعين »، كان هذا قبل وفاته بسنة أي سنة 1964. كما تحدث عن أسفاره قائلاً : إنني سعيد إذ رأيت كل تلك الأماكن منذ 60 سنة. لقد طفت في العالم كله وكان الناس في جميع أنحاء العالم يبذلون ما بوسعهم لكي يجعلوا الحياة هنيئة من أجلي..! كتب الرواية والقصة والمسرحية والمقال الصحافي وكان من رواد الواقعية النقدية في الأدب، واتبع أسلوب التهكم والسخرية الحادة في كتابة مسرحياته التي زادت على العشر، متأثرا بالروائيين الفرنسيين أمثال موباسان وبلزاك وزولا. تجاهله الأدباء وهاجمه النقاد وأعرض عنه أصحاب المسارح وهو بدوره لم يهتم لآرائهم لكنه توقف عن كتابة المسرحية منذ سنة 1933 بعد كتابة مسرحية شيبي «sheppy » واتجه لكتابة القصة القصيرة متأثراً بالكاتب الفرنسي موباسان ونشر ثلاث مجموعات قصصية وإثنتي عشرة رواية وبيع من كتبه 40 مليون نسخة. في روايته « كعك وشراب » التي نشرت سنة 1930 تحدث عن حياة كاتب إنجليزي كبير هو«ادوارد دريفيلد » تجاوز عمره الثمانين سنة. يكتب بلغة خليط من الكلاسيكية والعامية، وهي لغة إنجليزية غير راقية ولكنها مألوفة، وهو من أنصار الواقعية. وخلال عمره المديد هذا ألّف 37 كتابا. كان زواجه الثاني من روزي جان الشابة التي تخونه مع العديد من الرجال وفي مقدمتهم ويللي آشندن راوي أحداث هذه الرواية والتي تعرفت عليه أسرة «دريفيلد » في بلاكستابل البريطانية منذ أن كان عمره 15 سنة. بدأ آشندن معرفته بأسرة «دريفيلد » خلال محاولته تعلم ركوب دراجته الهوائية حيث ساهم دريفيلد بتعليمه عندما كان الأخير يقود دراجته بصحبة زوجته كما إعتاد وهو يرتدي البنطلون القصير وقد تخطى الستين من عمره مما كان يلفت نظر المارة إليه. وبعدما علم عم آشندن صاحب المكانة المرموقة في البلدة والكنيسة بهذه العلاقة وبخ ابن أخيه نظراً لما تتمتع به هذه الأسرة من سمعة سيئة، غير إن آشندن أبقى على هذه العلاقة، والتي حاول جاهداً أن تبقى بعيداً عن مسمع عمه. قالوا إن روزي زوجة دريفيلد كانت تعمل في بار، شابة مرحة، تحب الإختلاط بالآخرين، وهي التي صنعت من زوجها كاتبا ذا شخصية تواكب العصر بعد زواجه منها على الرغم من أنه كتب معظم أعماله المهمة قبل أن يقع نظره عليها. وبعدما عاشا عمرا في بلاكستابل، المصيف البحري، فاجآ معارفهما وأولهم ويللي آشندن بمغادرتهما المدينة وإختفائهما دون أي تمهيد مما فتح باب الإشاعات بعدما أصبح دريفيلد من زعماء كتاب القصة في بريطانيا. وأخيرا ظهرا في لندن حيث كان آشندن يدرس. وهناك تعرف آشندن على روي كير الكاتب الشاب، صاحب العينين الزرقاوين الذي ألّف ثلاثين كتابا، والمتأثر بعمق بكتابات «دريفيلد ». وفيما بعد فكر بقوة بكتابة سيرته الذاتية، وعول كثيرا على ما كان يعرفه آشندن من معلومات عن هذا الكاتب المبدع. وبحكم العلاقة القريبة لآشندن من إسرة دريفيلد عرف الكثير من أسرار هذه الأسرة وشاهد في بداية معرفته بالأسرة كيف أن روزي كانت تخون زوجها مع اللورد جورج كمب، وهو رجل صاحب مركز في بلاكستابل، متزوج وله ثلاثة أولاد. وفيما بعد عرف آشندن إنه ليس بلورد حقيقي مسجل وإنما تاجر فحم وصاحب شخصية مدمرة، جمع نقوداً من الأهالي للأعمال الخيرية إلا أنه إستثمرها لمنافعه الشخصية وقبل أن يُلقى عليه القبض إثر شكاوى الأهالي، هرب ! وعرف الناس إنه كان غشاشا بما كان يقيمه من حفلات يقدم بها المشروبات، وأنه ليس بلورد، وأن بيته سيحجز عليه ويشرّد أولاده. واكتشف آشندن أن روزي تركت زوجها محطما وهربت مع اللورد جورج وإختفيا تماما، ولكن قيل إنهما غادرا إلى استراليا، ثم قيل إلى كندا، ولكن لم يقع أحد على الحقيقة، قالوا عن روزي : إنها تترك في نفسك صور البغايا.. إنها على كل حال كانت إمرأة شهوانية. ولما كانت الصدمة قوية على دريفيلد فقد إرتأى أصدقاؤه عدم تركه وحيدا، لذلك تطوعت مسز باتون ترافورد برعايته سنة كاملة وهي تردد : أنا لست أدري لم يتزوج الأدباء أمثال تلك الزيجات.. إنه لأمر محزن حقا. ولكن الأطباء نصحوا دريفيلد بالإقامة في الريف بعد إعتلال صحته، وقد طلبت مسز بارتون من صديقتها الممرضة «فيرن كورت» رعايته هناك في الريف، ولكنهما بعد وصولهما إلى الريف تزوجا. وبعد سنين طويلة كان آشندن في نيويورك يتابع إحدى مسرحياته التي تعرض هناك، وإذا به يفاجأ برسالة من روزي تدعوه إلى بيتها الذي يبعد نصف ساعة بالسيارة عن نيويورك. كانت تتخفى تحت اسم روزا يجالدين وقد بلغت من العمر 70 سنة بشعر أبيض وإبتسامة ساذجة وطقم أسنان صناعية ناصع البياض، تعيش وحيدة بعد وفاة جورج، أو اللورد جورج الذي وافته المنية منذ عشر سنوات بعد أن جاوز السبعين. وعندما سألها آشندن عن سبب هروبها مع اللورد جورج قالت : إنه كان دائما مثال الرجل الكامل المهذب. كان آشندن يقول للآخرين عن روزي :إنكم لا تعلمون إنها كانت إمرأة بسيطة جدا، وإن غرائزها كانت صحية وعبقرية، إنها أحبت أن تجعل الناس سعداء، إنها أحبت الحب، فهي بطبيعتها كانت عطوفة وودودة. كان قد مضت 30 سنة على هروب روزي لم تعد خلالها إلى انجلترا، وعندما سألها آشندن عن انجلترا قالت : أنا أراها كأنها ميتة ! تحولت معظم روايات سومرست موم إلى أفلام سينمائية ودرّت عليه أموالا كثيرة لذا قضى معظم حياته في الريفيرا الفرنسية. من رواياته المعروفة «القمر وست بنسات» و «عن العبودية الإنسانية» و«كعك وشراب»، وأراد أن يذكره الناس من خلال هذه الرواية «كعك وشراب» وعندما سئل عن سر ذلك أجاب: «لقد استمتعت بكتابتها للغاية» !!.. ولعل مرد ذلك إلى كثرة الإسقاطات لشخصيته في هذه الرواية. إمتد عمره إلى 91 سنة وتوفى في 16 ديسمبر 1965، كتب قبل وفاته يقول : لا أود أن أعيش حياتي مرة ثانية فلقد شقيت فيها أكثر مما سعدت..!!