بيان الكتب:ان المتتبع لدور النشر الأوروبية بعد أحداث 11 سبتمبر وما جرى من تدمير لمدينة نيويورك الامريكية ومن ثم تدخل القوات الامريكية في افغانستان وملاحقة حركة طالبان وابن لادن شخصيا وتحديد مصير افغانستان منذ لحظتها، سيلمس بنفسه حجم وعدد الاصدارات التي تناولت ظاهرة الحركات الاسلامية في أوروبا والغرب. وقد شرعت أغلب تلك الاصدارات مثلها كالمؤتمرات والتحليلات الاكاديمية على كشف معطيات هذه الحركات والخوض في اعتباراتها وأسبابها ومراجعها ضمن دراسات تناولت فتراتها الأولى حتى تواجدها في أوروبا منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي تحديدا، بل ان بعض هذه الدراسات قد تناولت الظاهرة بوصفها امتداداً تاريخياً لفترات سابقة تجاوزت عدة قرون، وذلك بالبحث عنها في فترات حكم الخلافات الاسلامية لشعوب المنطقة وغيرها. من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي نتناوله بالتحليل لأنه يتوفر على معطيين مهمين: أولهما حضور اسبانيا كقاعدة للحركات الاسلامية في الغرب كما تشير تقارير دول الوحدة الاوروبية نفسها، وثانيهما حضور حلقة «اسبانيا والاندلس» ايضا كمرجع لا يخفى على القاريء والباحث لصلته الحية حتى اليوم بالتواصل ما بين الشرق المسلم والغرب المسيحي. يجب ان نعرف أولاً بأن مؤلفي هذا الكتاب لهما خبرة طويلة في شئون المنطقة العربية، خاصة وان كلاهما قد عملا في المغرب العربي مراسلين لصحف ومجلات اسبانية ولسنوات طويلة وكتبا في شئونها الكثير، وقد ألفا الكتاب وهما في فترة العمل الصحفي لواحدة من أكثر الصحف تطرفا ويمينية ألا هي صحيفة «لاراثون» المدريدية، والاشارة لذلك لأن الكتاب برمته جاء من دراسة صحافية ميدانية خاضها الاثنان. ومن هنا ستتأتى كثير من الاستنتاجات والآراء المتعصبة وغير الدقيقة بشأن علاقة المسلمين اليوم بأسبانيا. أول الأمر يشير العنوان الثانوي للكتاب بصورة مباشرة للشبكة الاسلامية ومقرها مدن اسبانيا بوصفها شبكة ارهابية ذات صلة بالمقر الرئيسي لها وهو أسامة بن لادن ونفوذه، وذلك بمنح العنوان اشارة ادانة أولى بالحديث عن: الشبكة السرية للارهاب الاسلامي في اسبانيا، متناسين عن عمد بأن هذه الحركات التي تناولاها بالتحليل كانت قبل فترة قصيرة من أحداث سبتمبر، مؤسسات وتجمعات شرعية ومرخص لها العمل في الأراضي الاسبانية والتي يفوق عددها أكثر من مئة تجمع اسلامي حسب آخر احصاءات وزارة الداخلية الاسبانية. ولكن ما جرى من توجيه خطابي غربي موحد تزعمته الولايات المتحدة الامريكية، جعل اسبانيا تتخذ الموقف نفسه بشأن أي تجمع اسلامي على أرضها، ومن هنا تأتي صفة الاتهامات المباشرة حتى قبل تواجد أدلة رسمية حكومية حقيقية أو تحليلات سياسية معمقة للظاهرة ومدياتها. عبر فصول الكتاب الثمانية يشرع المؤلفان بتناول ظاهرة ابن لادن وأثرها في أفغانستان وعلاقتها بحركة طالبان ومن ثم علاقتها المباشرة بتزايد الاتجاه الديني للجاليات العربية والاسلامية المستقرة في أوروبا. وهما في دراستهما للظاهرة يركزان على أسباب بروز الظاهرة بقوة، مدى تأثيراتها في المنطقة العربية والاسلامية نفسها، اسباب تواجدها في اوروبا، علاقاتها بالتنظيمات (الارهابية) الاخرى، التمويل والوضع الاقتصادي، وكذلك الخوض في مسألة علاقة الحركة (ومن ضمنها التجمعات في اسبانيا) ببعض الحكومات العربية التي يشير لها الغرب بوصفها الحاضن والممول الرئيسي لها. من المعروف ان الحكومة الاسبانية قد اعلنت قبل احداث 11 سبتمبر بفترة زمنية ليست بالقصيرة بأنها قد القت القبض على مجموعة من المسلمين المقيمين في اسبانيا تعمل تحت غطاء حركة المجاهد في اسبانيا. ووصف بيان وزارة الداخلية في 13 نوفمبر عام 2001 بأن المجموعة تعمل مابين مدريد وغرناطة كان هدفها ضرب اهداف رئيسية في اوروبا، ومن الوثائق المكتشفة تبين انها تعمل كخلية ذات صلة مباشرة بحركة طالبان واسامة بن لادن، لقد جاءت عملية القبض كما يشير الكاتب الى طبيعة اتفاقية التعاون بين دول البحر المتوسط، وفي هذا المجال كان بين اسبانيا ودول المغرب العربي المشار لها في الكتاب بخمس دول هي (موريتانيا، الجزائر، المغرب، تونس وليبيا). كانت عملية القاء القبض نقطة البداية للشرطة الاسبانية لمعرفة علاقة حركة المجاهد باسامة بن لادن، وذلك من خلال وثائق وجدت في مقراتهم اضافة الى اشرطة فيديو تمثل عمليات استشهادية في البوسنة وقتل لقوات صربية من قبل قوات اسلامية هناك، وايضا اشرطة تعليمية للتدريب في معسكرات، تم الاشارة لها بانها مقرات للتدريب في آسيا وبالتحديد في باكستان وافغانستان، كما اشار البيان الى ان معظم اعضاء الحركة المقبوض عليهم هم من حملة الجنسية الاسبانية، ولم يتم اضافة اي شيء حول مايزعمون عمله وما هي نواياهم وخططهم المستقبلية. بعد احداث 11 سبتمبر وتوجيه التهمة مباشرة لابن لادن وحركة طالبان فيما جرى من اعمال تدمير في نيويورك الامريكية، حصل ماسمي بالتعاون الغربي في مسألة مكافحة الارهاب والحركات الارهابية الاسلامية في اوروبا، منذ هذه اللحظة بدأ الحديث فعليا عن علاقة حركة المجاهد التي تم القاء القبض على اعضائها وقاعدتها الاسبانية بما جرى في نيويورك. في فترة لاحقة سيتم الكشف عن اسماء اعضاء التنظيم كاملة، والذي من بينهم عماد الدين بركات (ابو دحداح) الذي تشير اليه التحريات بكونه زعيم الحركة وصاحب العلاقة المباشرة بابن لادن وقد تلقى تدريبات وزيارات ميدانية في كل من افغانستان والاردن ولبنان والبوسنة والشيشان، ثم تليه مجموعة اغلبها من دول المغرب العربي اضافة الى اسباني مسلم واحد وهو يوسف غالان الذي شارك حسب وثائق الحكومة الاسبانية بتدريبات ولقاءات في افغانستان، يشير مؤلفا الكتاب بأن زعيم واعضاء حركة المجاهد الاسلامية الاسبانية بأعضائها الاحد عشر كان لها هدف رئيسي واحد هو جعل اسبانيا قاعدة تجمع وانطلاقا لعمليات مرسوم لها ومخطط من قبل جهات عليا (القصد منها ابن لادن وحركة طالبان) في اوروبا الغربية وامريكا (او مايطلق عليها بلغة اخرى بلاد الكفر والعداء). من الابحاث الاولى تبين ان المجموعة تعمل بسرية تامة واوساطها عادة تجمعات المهاجرين والمغتربين العرب المسلمين في وسط العاصمة او في الجنوب الاسباني وبرشلونة، والغرض اولا كسب اكبر قدر ممكن من الشبان المتهيئين للعمل ضمن توجهات القاعدة، والذين يتم ارسالهم للتدريب في افغانستان نفسها او في بلدان خليجية معينة. ويشير الكتاب ايضا الى أن المجموعة كانت تعمل ضمن حلقة الاصلاح الديني وسط التجمعات الدينية والجوامع، الترويج وتوزيع الدعايات والنشرات التي تخدم في المجال كما انها كانت تساهم بجمع التبرعات لتغطية نفقات مساعدة اللاجئين المسلمين سواء في البوسنة او افغانستان نفسها، اضافة للدخول في الاوساط الاثنية المهمشة من الاسبان، كذلك في جمعيات المهاجرين والمحتاجين، ويقتضي عملهم بتهيئة الاجواء للوصول لكسب مجاهد آخر معهم، ويعملون حسب مؤلفي الكتاب بهدوء تام مثل عمل (سمكة تسبح في ماء)، والقصد بسرية وتصميم. من النقاط المهمة الاخرى هي علاقة قاعدة اسبانيا بأعضاء منفذي عمليات التدمير المفترضين في نيويورك، فيشير الكتاب بأن البعض منهم وبالاخص محمد عطا منفذ تفجير ابنية نيويورك كان على صلة بالتجمع بل انه سبق وان زار اسبانيا في سنة سابقة مثله كأشخاص آخرين، مما يؤكد الصلة بين ما كانت تنوي جماعة المجاهد خلقه داخل اسبانيا بوصفها قاعدة انطلاق وبدء لأية عملية مستقبلية محتملة. في فصول اخرى يعرج الكاتبان على تناول الظاهرة الاسلامية في اسبانيا بدءاً بالتواجد العربي الاسلامي في شبه الجزيرة الايبيرية، اي الاندلس وعلاقة ذلك برسالة ابن لادن وحلمه المعلن في احد خطاباته بشأن العودة للحكم الاسلامي في الاندلس، يتبنى المؤلفان مجموعة من الآراء الغريبة حول ما اسمياه بالعودة لحلم المسلمين بالتواجد ثانية في الاندلس، ومدى اهمية ذلك بالنسبة لكل مسلم متناولين بالتحليل آراء ابن لادن حول ذلك ومقتطفين بعشوائية من كتب فرنسية حول هذه المسألة، دون ان يخطر على بالهما استحالة التطرق لهذه النقطة لاسباب عديدة وجوهرية ابسطها طبيعة الظروف الدولية المعترف بها اليوم، ومدى حقيقة تواجد هذا الشعور المفترض واحقية تطبيقه من عدمه، ولكن المؤلفين يبنيان التصور مما سيأتي لاحقا على لسان ابن لادن، ومن مجموعة التأكيدات التي وجداها مناسبة لذلك ومنها اصرار اغلب التجمعات الاسلامية على تشكيل مؤسساتها وتجمعاتها في مدن الاندلس وكسبها للافراد الاسبان والترويج لعظمة الاندلس الاسلامي آنذاك، بل والنجاح بكسب الالاف من الاسبان للدخول في الاسلام، بل وايضا وصول هؤلاء الى مرتبة متطورة من الفهم والوعي ان اصبحوا جماعات بأنفسهم ومروجين للاجتهاد الديني والتحديث الاسلامي. في الفصول الاخيرة يتناول الكتاب مسألة اسبانيا كمعبر للهجرة الى اوروبا متناولا ظاهرة مدينتي سبتة ومليلة المتنازع عليهما بين اسبانيا والمغرب، فيؤكد الكاتبان بأن اغلب اصول التجمعات الاسلامية تنشأ من هاتين المدينتين بل وانهما ملجآن مثاليان لاية حركة بوصفهما مجتمعين منغلقين وقابلين للتخطيط حول اية نوايا مستقبلية لاية حركة اسلامية وهما في اشارتهما يدرسان المجتمع المسلم ويؤكدان على اغلبيته السكانية ومن ثم استشراء المظاهر الاسلامية من اعياد واحتفالات وطقوس وارشادات حسب المؤلفين تعدان بالضد من القوانين المدنية الاسبانية وما اشارتهما للتهريب والمخدرات والعصابات والعمليات غير القانونية إلا بكونها ادانة لاصقة بالمهاجرين المغاربة في المدينتين ومن ثم الصاقها عنوة بأي تجمع اسلامي سواء في المدينتين أو مدن اسبانية أخرى، وهو في واقع الحال تخبط في الرأي وعدم نضج في توسع دراسة الظاهرة من كونها تخص مدينة تعتبر حتى اليوم بجغرافيتها وتقاليدها وعلاقتها المتشابكة اقرب للمغرب منها الى اسبانيا، كما ان خصوصيتها المزدوجة هذه تجعلها بالدرجة نفسها بعيدة او قريبة من هذا الشأن، وفي الحقل نفسه يوجهان تساؤلا خطيرا حول التواجد العددي الكبير للمسلمين في الجيش الاسباني اليوم، وبالاخص في هاتين المدينتين، ويشكك المؤلفان بنوايا هؤلاء الجنود، بطرقهم الموضوع نفسه في لعبة تفهم الغرب للمسلم وحقيقته وهو: هل سيكون هؤلاء على استعداد للولاء لأسبانيا ام ان ولاءهم الديني والطائفي هو الذي ينتصر في النهاية؟ ودون الدخول في التفصيل بهذا الموضوع، لابد من الاشارة الى ان الاجابة كما وضعها المؤلفان في الكتاب لا تخرج عن مجال رؤية الآخر المختلف دينيا واثنيا في مكان واحد مع الغربي يخدمان مصلحة واحدة ولكن بتشكيك يكاد لا ينعزل عنه حتى سياسيي البلدان الغربية انفسهم، سواء في الرؤية او الاجابة. يضع المؤلفان كخاتمة للكتاب مقتطفات من آراء لأبي حمزة وتقرير للمخابرات البريطانية وكذلك آراء لبعض التجمعات الاسلامية في اسبانيا ويختتمان الكتاب بحصر لاسماء الحركات والتجمعات الاسلامية في اسبانيا ومن ثم بيان تخطيطي لعناصر ما يطلقان عليه «حركة المجاهد الارهابية في اسبانيا» ومراكز نشاطهم وعلاقاتهم المتشعبة. حاول الكتاب اعطاء صورة تفصيلية غير معمقة (أقرب لتقرير صحافي منه لدراسة تحليلية) للظاهرة الاسلامية في اسبانيا مركزا بالوقت نفسه على نقاط باتت اليوم من مسلمات الحديث في الخطاب الغربي الامريكي في الاشارة لأي تجمع أو حركة اسلامية. ومن هنا باتت النظرة منذ البداية محاولة لايجاد أكثر من خيط رابط في هذا الشأن، دون الأخذ بنظر الاعتبار حقيقة الادعاء من زيفه، مدى تأثير هذه التجمعات ونفوذها في اسبانيا وما مقدار ذلك، آراء الجاليات العربية المسلمة في اسبانيا، والسؤال الاهم من ذلك هل كانت هناك علاقة حقيقية لما أسمياه (الحركات الاسلامية الارهابية) في اسبانيا مع جماعة القاعدة وابن لادن، هذا اذا كان هناك أدلة حول كل هذه الاتهامات التي تربط المسلم والاسلام بالارهاب العالمي اليوم! مدريد ـ عبدالهادي سعدون