بيان الكتب: يعمل جان بول جوريفتش استاذا في جامعة باريس الثانية عشرة. وهو احد الاخصائيين الفرنسيين المعروفين بالشئون الافريقية. سبق له ونشر حوالي اربعين كتابا من بينها «فرنسا الافريقية»، الذي قدمه «بيان الكتب» في احد اعداده السابقة ومن كتبه ايضا: «افريقيا وفرنسا والمال» و«المخيلة السياسية» و«الدعاية في جميع اشكالها» . «الاقتصاد غير الرسمي» كتاب يتحدث عن عدة نسخ او صيغ من الاقتصاد غير المشروع الذي تشكل النسخة السوداء الاكثر قوة ونفوذا فيه وهي تتمثل بسيادة نوع من الاقتصاد المافيوزي ـ من مافيا ـ مع ممارسة كل اشكال العنف وكل اشكال التهريب من مخدرات وأسلحة وأشياء مسروقة والدعارة وشبكات بيع الاعضاء البشرية.. الخ وذلك الى جانب نسخ اخرى: وردية تخص الاقتصاد غير التجاري والاقتصاد التضامني ورمادية، اي ما يتعلق بالتزوير والقرصنة والتهريب والفواتير المزورة.. الخ وبكل الحالات تشترك هذه النسخ كلها في نقطة واحدة انها لا تخضع لسلطة الدولة والسلطات العامة بل انها الى هذه الدرجة او تلك ضد هذه وتلك لكن بالمقابل يبقى انتشار الاقتصاد غير الرسمي بمثابة دليل على ان الاقتصاد الرسمي لم يعد يلبي طلب السكان المعنيين به. كما ان الاقتصاد غير الرسمي ليس ظاهرة جديدة بل انه تواجد في كل العصور تقريبا ولكنه اخذ صيغة متعاظمة مع تجارة التبغ غير المشروعة في نهاية القرن التاسع عشر وصناعة المشروبات الكحولية في أواسط القرن الماضي وتجارة المخدرات او زراعة الحشيش في نهاية القرن نفسه ايضا، هذا يعني ان التبدل في الاقتصاد غير الرسمي انما هو تبدل في المستوى وليس في الطبيعة. ومن طبيعة الاقتصاد غير الرسمي هلامية وصعوبة ضبط حدوده ووجود عدة عقبات امام التعرف عليه وفي مقدمتها صعوبة الاعلام والاستعلام عنه ذلك انه عالم مغلق الى حد كبير امام مختلف وسائل الاعلام، هذا اذا لم يتم تقديمه في احيان كثيرة تبعا لمصالح بعض رموزه. ان نصيب الخيال في معالجته يكون في اغلب الاحيان اكبر من نصيب الواقع لانه عالم كتيم وتنقصه الشفافية خاصة فيما يتعلق بموضوع الحسابات الذي يبقى في المنطقة المظلمة. ان الكشف عن بعض هذه الحسابات مؤخرا أظهر مدى اتساع الشبكة التي تسيطر الشركات البترولية العالمية الكبرى بواسطتها على مفاصل اساسية في السياسة الدولية، وذلك ابتداء من السيطرة على محطات الوقود على الطرق العامة وحتى اثارة النزاعات، كما حدث في افريقيا الغربية والتشاد ومنطقة البحيرات الكبرى وغيرها. لكن وبكل الحالات يرى مؤلف هذا الكتاب بأنه من الضروري جدا بحث موضوع الاقتصاد غير الرسمي بكثير من العقلانية بعيدا عن نزوات واحلام اولئك الذين يمارسونه او ايضا اولئك الذين يرون به ممارسة شيطانية وذلك على اساس انه احد مكونات الدورة الاقتصادية العالمية احد المكونات او احد التهديدات التي يواجهها العالم هو موجود بقوة في الحالتين. ان المؤلف يدرس باسهاب الحالة الافريقية باعتبار ان افريقيا هي مهد الاقتصاد غير الرسمي الذي غدا بمثابة النمط السائد والمساعد لبقاء القارة في مواجهة ما تعانيه من نهب وافقار واذا كان احد اهم الباحثين المتعاطفين مع هذه القارة قد قال: ان افريقيا السوداء قد انطلقت من موقع خاطيء فإن احد كبار الاقتصاديين ـ نازولو فاليافو ـ قد رد على هذا بالقول: «ان افريقيا لم تنطلق اصلا» هذان الرأيان في الواقع يلخصان مختلف الآراء المتشائمة بالضرورة حيال هذه المنطقة من العالم والتي تواجه ثلاثة تحديات وربما ثلاث كوارث كبرى تتمثل في التحدي الديموغرافي والتحدي الاقتصادي والتحدي الصحي. ان افريقيا يبلغ عدد سكانها اليوم 800 مليون نسمة، لكن الاحصائيات تدل على ان هذا العدد سوف يتضاعف خلال نصف القرن المقبل.. هذا رغم الأوبئة والبؤس. وتدل الاحصائيات نفسها على ان هذه الزيادة الديموغرافية هي أكبر من تنامي الازدهار الاقتصادي. أي ان «العجز» سيتكدس أكثر فأكثر. فكيف يمكن مواجهة الوضع في الوقت الذي تدل فيه معطيات «منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة» المقدمة في شهر أغسطس من عام 2001 بأن 17 بلدا افريقيا تعيش اليوم حالة غذائية تتطلب «النجدة السريعة»؟!. في مواجهة هذا الوضع «الافريقي» يقوم المؤلف بعملية «توصيف» للقارة السوداء يحدد فيها «أوراقها الرابحة» و«مكامن ضعفها». على المستوى «الايجابي» هناك امتلاكها لعدد من المنتوجات القابلة للتصدير، وكذلك امتلاكها لامكانيات انسانية كبيرة كما يبدو من بروز عدد من الافارقة على صعيد الرياضة والموضة والفنون. أما «مكامن ضعف» افريقيا فهي كثيرة ويعتبر المؤلف في مقدمتها صعوبة دخولها الى دورة السوق العالمي و«الامية الاقتصادية» التي تعاني منها الى جانب «الفساد»، وما بين هاتين الحالتين يشير المؤلف الى بروز خطاب «افريقي» جديد يقوم على «ثالوث» البعد الاقليمي ـ الاتحاد الافريقي الجديد الذي حل محل منظمة الوحدة الافريقية ـ والديمقراطية والتنمية التشاركية. وتحت غطاء هذا الخطاب الجديد يبرز دور «الاقتصاد غير الرسمي» كنمط سائد في افريقيا غارقة بالديون وحيث ان العديد من زعمائها لا يزالون يفضلون الاستثمار في الخارج. وفي المحصلة يبدو «الاقتصاد غير الرسمي» بمثابة «واقع» و«وسيلة للبقاء» ومن المطلوب «تنظيمه» و«قنونته». لكن اذا كانت افريقيا هي «مهد الاقتصاد غير الرسمي»، فإن العالم المتقدم يعرف ايضا هذه الظاهرة في ظل «غياب الامن الاقتصادي» وتزايد «تثاقل الادارة».. هذا ما تؤكده على الاقل تقارير محاكم الحسابات. ويخلص المؤلف من تحليلاته للآليات الاقتصادية السائدة في البلدان المتقدمة، ومن خلال دراسة الحالة الفرنسية تحديدا، الى القول: «ان تفحص اعمدة الاقتصاد الرسمي يبين بأن هذه الاعمدة قد اصابتها الهشاشة في مجتمعات تتردد في طرح الاسئلة حول سبل التنمية التي تسلكها».. وهذا ايضا في سياق القرن الحادي والعشرين حيث «كل مشارب الامن تتعرض للتهديد». وفي عالم يتزايد فيه شيئا فشيئا «غياب الامن»، كما تتزايد فيه بالتوازي هشاشة «الاقتصاد الرسمي» مع ما يترتب على هذا من آثار على النفقات العامة وبالتالي يثير «عواصف» من القلق تعصف بالعالم كله. ان المؤلف يحدد عدة تحديات سيكون على الانسانية مواجهتها خلال المرحلة المقبلة وفي مقدمتها التحدي الديموغرافي، لا سيما فيما يتعلق بتنامي ظاهرة الهجرة وتدفق موجاتها من البلدان الفقيرة نحو البلدان الغنية: «والتحدي الاقتصادي الذي ارتبط مؤخرا مع العولمة التي تثير من القلق قدرا أكبر فأكبر مما تثيره من الطمأنينة. هذا لا سيما وان العولمة «اقتصاد وسياسة في الوقت نفسه». مثل هذا «التداخل» له ايضا انعكاساته على العلاقات الدولية وحيث تبرز «سيناريوهات» عديدة جديدة مثل «تصادم الحضارات» أو «هيمنة قوة عظمى واحدة؟ الولايات المتحدة». والتحدي السياسي المتمثل أولا في ظاهرة الارهاب، والتحدي الطبي لا سيما في البعد الخاص بالبحث في مجال المورثات والاستنساخ، والتحدي التكنولوجي مع شبكات الانترنت «اقتصاد النت»، وقبل هذا كله التحدي البيئوي ـ الايكولوجي ـ على أصعدة استهلاك الثروات الطبيعية ونضوبها والطاقة والطبقات الجوفية ... ومحصلة هذا كله تنامي «خطاب» يتركز على «التنبؤ» بالكوارث التي تنتظر العالم. في الفصول الاخيرة من هذا الكتاب يدرس المؤلف ما يسميه بـ «محركات» الاقتصاد غير الرسمي في حالة محددة هي فرنسا.. وتبدو «المحركات» الرئيسية المقصودة في «الضواحي»، أي ضواحي المدن الكبرى الذي غدت بمثابة «مناطق حرة» لممارسة كل أشكال «الاقتصاد غير الرسمي» وذلك في سياق تاريخي يتعلق بـ «محرك» آخر يحدده المؤلف في «الهجرة»، وخاصة السرية منها.. هذه السرية تتواءم بالضرورة مع «الاقتصاد غير الرسمي» كوسيلة لتأمين سبل العيش. وهنا تميل تحليلات المؤلف كي تكون بمثابة دراسة لظاهرة الهجرة نفسها وواقعها الحالي ونقاط تركزها على أساس اثني أو عقائدي. وهناك محركان آخران يتحدث عنهما مؤلف هذا الكتاب ويتمثلان في «الشبيبة» الناتجة من تراكم المحركين السابقين أي الهجرة والتمركز في الضواحي، وتبقى الآراء متباينة حول هذا الموضوع بين من يؤكد بأن هؤلاء الشبيبة يشكلون «خطرا» وبين من يؤكد بالعكس انهم هم أنفسهم «في خطر». المحرك الآخر، والاخير، الذي يذكره المؤلف يتمثل في «ثقافة التمرد» والتي تمثل ظواهر «الراب» و«الهيب هوب» و«الكتابة ـ تشويه ـ على الجدران» بعض تعبيراتها. وكتاب عن «الاقتصاد غير الرسمي» من أصغر عمليات التهريب وحتى اقتصاد المافيات