بيان الكتب: يهتم باحثو علم الاجتماع وعلم النفس والأدب كثيراً بالطفل إيماناً منهم بأهمية هذه المرحلة، وانطلاقاً من أن هذا الطفل هو النواة الأساسية لمجتمع الغد. ولاشك في أننا نلحظ تفاوتاً بين دولة وأخرى، في الاهتمام بالطفل، فنجد بعض الدول قد أسست المنظمات التربوية التي ترعى الطفل وتؤمن له جواً تربوياً سليماً، وتقدم له أفضل الخدمات على حين نرى قصوراً في بعض الدول في هذا المجال. والكتاب الذي نقدمه للقاريء اليوم يحاول القاء الضوء على أدب الطفولة كونه عنصراً من عناصر الاهتمام بالطفل ونشأته..، ومؤلفه هو الدكتور نزار اللبدي استاذ الادب العربي المساعد في كلية عمان للعلوم التربوية في عمان «الأونروا». قسم المؤلف كتابه الى مقدمة وست وحدات، وقد تحدثت الوحدة الأولى من الكتاب عن نشأة ادب الأطفال ومبررات وجوده. واستهلها المؤلف بتوضيح مصطلح ادب الأطفال مبيناً أنه المصدر الذي يحقق للطفل الحصول على قدر من المعارف المناسبة والقيم السليمة والسلوكيات السوية عن طريق تقديم ألوان من التعبير المنظوم والمنثور تتوافر فيها عناصر المتعة والتشويق والإثارة. ويرى المؤلف أن الحديث عن وجود أدب للأطفال قبل ظهور المطبعة بل قبل نهاية القرن السادس عشر على وجه التحديد امر فيه كثير من الافتعال. ويرجح ان أول عمل أدبي مخصص للطفل كان في اوروبا، وهو لرسام اسمه «كومنيوس 1562 ـ 1670م»، وهو عبارة عن كتاب مصور للأطفال باللغة اللاتينية، فيما يعد «شارلز برو» الشاعر الفرنسي رائد هذا الفن في أوروبا عموماً وله مجموعات مهمة في أدب الطفل مثل: «حكايات أمي والإوزة، القط في الحذاء الطويل». ويشير المؤلف الى أن ظهور المفكر الفرنسي «جان جاك روسو» كان له اثر في ايجاد نظرة جديدة لأدب الأطفال إذ دعا الى ضرورة التعرف الى الطفولة وإتاحة الفرصة لنضج الطفل دون تدخل من الأهل، وعدّ ما يفرض على الأطفال من مطالعات تدخلاً يعمي الطفل عن إدراك الواقع الحقيقي. وقد ظهرت إبان ذلك مدرسة خاصة بالكتابة للأطفال موادها مستوحاة من قصص وتوجيهات جان جاك روسو التربوية، وقد ابتعد فيها المؤلفون عن قصص الخيال وأنكروا قصص الجن والخرافات. غير ان هذا الأمر لم يدم طويلاً حيث عاد الكتاب الى اعتماد عنصر الخيال، وكان ممن قام بذلك «لافونتين» الذي بالغ في إشاعة الخرافة الهادفة في أدب الأطفال. أما في الوطن العربي فقد كانت مصر رائدة في هذا المجال بسبب انفتاحها على الثقافة الأوروبية مبكراً، وكان من أهم الأعمال التي قام بها رفاعة الطهطاوي بعد عودته من فرنسا ترجمة عدد من كتب الأطفال عن اللغات الاوروبية، وتعاون مع «علي باشا مبارك» فأصدرا سنة 1870 مجلة تعنى بشئون الأطفال تحت اسم «روضة المدارس». ثم جاء احمد شوقي الذي تأثر كثيراً بفكرة «لافونتين» فكتب مجموعة من الحكايات الشعرية كما أصدر محمد الهراوي سنة 1922 مجموعته الشعرية الأولى للأطفال بعنوان «سمير الأطفال للبنين». اما في سوريا فقد تأخر الأمر قياساً الى مصر، يعد عبدالكريم الحيدري ونصرة سعيد وجميل سلطان وعبدالرحمن السفرجلاوي رواداً في هذا المجال. أما في العراق فيشير المؤلف الى صدور مجلة «التلميذ» العراقي سنة 1922. وتأخر الاتجاه نحو أدب الأطفال في الأردن وفلسطين فرأينا اسكندر الخوري يصدر سنة 1942 كتابين للأطفال هما «المثل المنظوم» و«الطفل المنشد». ويرى المؤلف أننا بدأنا نلمس في العقدين الاخيرين اهتماماً واسعاً بمجلات الأطفال في الوطن العربي، فرأينا في الكويت مجلة «سعد» و«العربي الصغير» وفي الإمارات مجلة «ماجد» الواسعة الانتشار. وتحدثت الوحدة الثانية من الكتاب عن أثر أدب الأطفال في بناء شخصية الإنسان، ويرى فيها المؤلف أن ادب الأطفال هو الوليد الشرعي لظهور علم النفس، فالعلاقة بين علم النفس وأدب الأطفال عضوية أدت الى اكتساب ادب الاطفال سمات متعددة من فروض علم النفس وتوجيهاته. ويرى المؤلف أنه يجب ان يراعي أدب الاطفال مراحل النمو الطفل المختلفة، ويمكن تقسيم مراحل النمو النفسي عند الأطفال الى المراحل التالية: مرحلة الواقعية والخيال المحدود، مرحلة الخيال الحر، مرحلة المغامرة والبطولة، مرحلة المراهقة. وعلى حين يكون خيال الطفل في المرحلة الأولى حاداً لا يتجاوز اطار بيئته يشعر الطفل في المراحلة الثانية انه بحاجة الى تجاوز بيئته ويشعر بالحاجة الى تخيل أشياء وراء الظواهر التي ألفها في محيطه الضيق فيجنح الى الخيال الحر. أما في المرحلة الثالثة فيميل الطفل الى الانتقال من الخيال الى الواقع ويبدأ حب السيطرة بالظهور عنده كما تستهويه الرحلات والقصص التي تناسب مرحلة المغامرة. أما المرحلة الأخيرة فيكون الطفل فيها شديد الحساسية ويميل الى الشعر والقصص القصيرة ويجد فيهما تعبيراً عن مشاعره الداخلية. وجاءت الوحدة الثالثة من الكتاب لتتحدث عن الأجناس الأدبية في أدب الأطفال ومعاييرها، وبدأ المؤلف بالحديث عن القصة في أدب الأطفال مفصلاً في أنواع القصة: قصص الحيوان وقصص البطولة والمغامرة وقصص الخوارق والقصص التاريخية وقصص الفكاهة والخيال العلمي والأساطير والحكايات الشعبية. وقد حدد المؤلف أهم العناصر المطلوبة في الأسلوب الذي ينبغي ان تصاغ قصص الأطفال به وهي: الوضوح والقوة والجمال. وقسم المؤلف مراحل النمو اللغوي عند الطفل الى خمس مراحل هي: مرحلة ما قبل الكتابة، مرحلة الكتابة الاولى، مرحلة الكتابة المتوسطة، مرحلة الكتابة المتقدمة، مرحلة الفهم الناضج. وبيّن المؤلف نوع القصص الصالحة لكل مرحلة من المراحل السابقة مشيراً ان هذه التقسيمات ليست جامدة بل هي تختلف باختلاف البيئة والأفراد والظروف الاجتماعية والنفسية التي يعيشها كل فرد منهم. ثم تحدث عن شعر الأطفال ومعاييره الفنية، واختتم الوحدة بالحديث عن مسرح الأطفال. اما الوحدة الرابعة من الكتاب فتتحدث عن وسائط أدب الأطفال، ويقصد بالوسيط هنا الوسيلة التي تضمن انتشار ادب الاطفال على نطاق واسع مثل الكتاب والمجلات والصحف ودوائر المعارف والإذاعة والتلفزيون والفيديو والمسرح والكمبيوتر والانترنت. وللوسيط دور مهم في إيصال الأفكار التي يحملها العمل الأدبي الى الطفل، ولهذا لابد من مراقبة تلك الوسائط والإشراف عليها من قبل المؤسسات التربوية والفكرية الرسمية او تلك الجهات المخولة بمراقبة ما يقدم للطفل عموماً. ويمكن القول: ان طفل اليوم تتوافر امامه وسائط كثيرة ومتنوعة تقدم له الأعمال الأدبية بطرق جذابة ومسلية. يشير المؤلف ايضا الى ضرورة متابعة الأهل لأطفالهم واختيار الوسيط المناسب لعمر الطفل. وجاءت الوحدة الخامسة من الكتاب لتتحدث عن الكتابة للاطفال، وفيها يؤكد المؤلف ان الكتابة للاطفال ليست بالأمر السهل، ولهذا فمن الخطورة بمكان ان يتصدى لها من لا يعرف شروطها ومعاييرها، او من تنقصه الخبرة العلمية والتربوية ويفتقد الى الحس الأدبي والتذوق الجمالي. ولابد لمن يكتب للأطفال ان يكون على صلة وثيقة بهم، فيعرف اهتماماتهم ويستمع الى تساؤلاتهم وما يستثير اذهانهم ويراقب الفروق بين الفئات العمرية سواء في الادراك او في الاهتمامات. اما الوحدة الاخيرة من الكتاب فتحدثت عن تقديم الادب للاطفال وتحدث فيها المؤلف عن الاساليب التي يستخدمها المربون في تقديم الادب للاطفال والوسائل التي يستعينون بها في سبيل تحقيق هذا الهدف واذا كان الادب يقدم للطفل من خلال المناهج المقررة فان ما يهمنا اكثر حسب رأي المؤلف هو ذلك الادب الذي يرافق المناهج ويشكل نشاطا مصاحبا له لان الطفل يشعر بالاجبار عند تناول المنهج فيما يميل الى الادب الذي يشعر انه حر باختياره لان فيه بحثا عن الذات وتحقيقها ويشير المؤلف الى الاختلاف في وسائل تقديم الانواع الادبية المقدمة للطفل فالقصة تقدم عبر القراءة الصامتة او القراءة الجهرية او قراءة الاستماع فيما تقدم الحكاية الشعبية عن طريق السرد او التمثيل، اما الاناشيد والاشعار فتقدم عبر الطريقة الكلية او الجزئية او طريقة المحو التدريجي واختتم المولف هذه الوحدة بمجموعة من النصوص الادبية الموجهة للاطفال مع آليات مقترحة لتقديمها. حسان فلاح اوغلي