بيان الكتب: جان ماري كولومباني هو مدير صحيفة «لوموند» الباريسية الشهيرة منذ عدة سنوات وهو احد اشهر الصحفيين الفرنسيين سبق له ونشر عددا من الكتب من بينها: «فرنسا بدون ميتران» و«الفترتان الرئاسيتان لفرانسوا ميتران» و«مواطن ضعف الجمهورية». موضوع هذا الكتاب الجديد هو «العالم بعد 11 سبتمبر 2001» اما عنوان الكتاب «هل نحن جميعا امريكيون؟» فانه نفس العنوان الذي كانت صحيفة لوموند قد اختارته لافتتاحيتها الصادرة بتاريخ 11ـ 12 سبتمبر 2001 وذلك على اعتبار ان هذه الصحيفة تصدر بعد ظهر كل يوم بتاريخ اليوم التالي.. لكن «هل كانت هذه الافتتاحية مجرد التعبير الضروري والمطلق؟» هذا هو السؤال الذي يطرحه مؤلف هذا الكتاب، بعد ان كان قد طرحه على نفسه كما يقول منذ البداية، وكان هذا الكتاب بمثابة محاولة لتقديم الاجابات عنه ومنذ البداية ايضا يؤكد المؤلف بان الاحداث قد تسارعت كثيرا بين 11 سبتمبر 2001 والاعتداءات على برجي مركز التجارة العالمي وتدميرهما وبين مطلع شهر فبراير 2002 واقتياد عدد من السجناء من افغانستان الى قاعدة «جوانتانامو» الامريكية في كوبا. يتساءل المؤلف: «هل يمكننا ايضا ان نقول باننا متضامنون مع امريكا امام استعراض هؤلاء السجناء المكبلين ويحيط بهم جنود يقودهم ضابط لايتردد في القول: «اننا لا نضمن تطبيق قوانين ـ حول سجناء الحرب ـ تعود الى 50 عاما مضت» وهذا كله باوامر من الرئيس جورج بوش «الذي يخرق بشكل واع اتفاقيات جنيف الخاصة بقوانين الحرب والقوانين الامريكية نفسها». ويتساءل المؤلف: «ماهو الوجه الحقيقي لامريكا؟» وسؤال آخر: «هل هي التي عرفها آباؤنا كريمة معطاءة وتحررية، كما اثبتت على شواطيء النورماندي يشير المؤلف الى عملية الانزال الامريكي على الشواطيء الفرنسية في منطقة النورماندي الفرنسية؟ ام هي تلك التي رأيناها حمقاء ومؤذية في الفيتنام؟ وضمن نفس الاطار يطرح مؤلف هذا الكتاب عددا من التساؤلات حول المفاهيم التي يطرحها بعض الامريكيين مثل مقولة «تصادم الحضارات» ويحاولون من خلالها جعل «الاسلام» بمثابة الخصم؟ في مواجهة هذا كله يحاول مؤلف هذا الكتاب ان يؤكد وبصوت قوي بأن «كلنا امريكيون» لا يعني ابدا «التضحية بالحقوق والحريات باسم مطلب النضال ضد الارهاب، كما يعتقد الرئيس جورج بوش». ان المؤلف يرى في المشاريع الامريكية السائدة باسم «الحرب ضد الارهاب» احدى النزاعات التي «بدأت» ولا احد يعرف كيف ستنتهي ويؤكد بانه ينبغي التخلص في «هذه اللحظة الخاصة» من «التجاوزات» الحاصلة ويرى ايضا في نزاع الشرق الاوسط «المسرح الآخر الكبير للمأساة المعاصرة، مع التجاوزات التي يصبح من الصعب اكثر فأكثر تحملها والتي يقوم بها شارون في الشرق الاوسط، في مواجهة هذا كله يتخذ مؤلف هذا الكتاب موقفا «جزئيا» وواضحا وهو اعلانه عن امله ألا يكون اولئك الذين يزيدون من حدة التوترات هم الذين سيقودون مسار الامور حتى النهاية ويضيف: «وألا يكون شارون ولا بوش هما اللذان ستكون لهما الكلمة الاخيرة في هذه اللحظة التاريخية التي نعيشها». ويؤكد المؤلف من جهة اخرى على «اوروبيته» وعلى ضرورة ان تستعيد القارة القديمة صوتها حيث انها تفقد الآن اكثر فأكثر وزنها ونفوذها على المسرح العالمي في هذه اللحظة التاريخية، كما لو أنها تخاف من المستقبل»، هذا مع التأكيد بنفس الوقت على المفارقة الكبيرة القائمة بين «ثروة الاتحاد الاوروبي ـ ليس فقط على صعيد اجمالي الانتاج الداخلي وانما ايضا على مستوى تكدس المعارف واهل العلم ـ وبين محدودية طموحاته». ان هذا الموقف من امريكا لا يقع بالمقابل بنوع من «النزعة التبسيطية العادية لكل ماهو امريكي» ولا يتردد المؤلف في وصف مثل هذه النزعة بانها «خطيرة» انه يطالب بضرورة اقامة «ميزان قوى مناسب» لا يقوم على اساس الكره وانما على مستوى «المنافسة» او بالاصح «تحدي المنافسة» اما الوسيلة الاساسية التي يرى بها جان ماري كولومباتي خطوة حاسمة في هذا الطريق فانها تتمثل في الوصول الى تكامل اوروبي حقيقي يقول: «انني على قناعة بأننا لن نستطيع مواجهة مثل هذا التحدي الا عبر بناء اوروبا موحدة». واذا كان مؤلف هذا الكتاب يتحدث طويلا عما هو مطلوب «اوروبيا» حيال مشروع الهيمنة الامريكي فانه يرى بأن امريكا مرغمة اليوم على «اعادة اكتشاف العالم»، ذلك لانها ادركت بأن هذا العالم ليس مجرد لعبة مونوبولي يتمثل شعارها الاساسي في السلام والتجارة» ولكنه عالم يمر في «حالة انتقالية» بين عالمين: العالم الذي انتهى مع انهيار جدار برلين عام 1989 وسقوط الاتحاد السوفييتي ومنظومته والعالم الذي يتشكل الآن في «فترة المخاض» هذه والذي يرى المؤلف، ويؤكد بأن امريكا هي بحاجة الى «حلفاء» من اجل بنائه. وهنا ايضا يفتح المؤلف قوسين فيقوم بعملية مقارنة بين السلوك الامريكي خلال فترة انتقالية اخرى ـ عام 1941 ـ اثناء الحرب العالمية الثانية والسلوك الامريكي الحالي يقول: «لقد كانت امريكا تمتلك آنذاك ـ 1941 ـ رئيسا عظيما هو فرانكلين دولانو روزفلت اما الحالة فليست كذلك اليوم ويضيف: «في اللحظة التي وضع فيها التاريخ جورج دبليو بوش في موقع القيادة ويعطيه مسئوليات هائلة ومخيفة، نجده يستخدم لهجة تعظيمية لا فائدة منها ويهدد الارض كلها ويعامل سجناءه بشكل سييء»، بل لا يتردد مؤلف هذا الكتاب من الاعلان صراحة بأن اوروبا لا ترى في الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش الرئيس المطلوب لكن المؤلف يأخذ مباشرة «مسافة امان» عبر تأكيده بأن «الشعوب تتغير» خاصة في زمن الحروب وبالتالي ان امريكا مرشحة للتغير او «الاوروبيون ايضا» يضيف كولومباني هذا ويمثل تحليل التحويلات الجارية احد مراكز اهتمام هذا العمل وخاصة على ضوء احداث 11 سبتمبر 2001 ذلك ان «اغلبية المراقبين يعتبرون مأساة 11 سبتمبر بمثابة المدخل الحقيقي الى القرن الجديد الحادي والعشرين». وهذا ما يرى به المؤلف وسيلة لـ «التنبيه» بأن «السولمة لم تكن سعيدة بالضرورة» وبأن «التاريخ لم ينته» كما طرح المفكر الامريكي من اصل ياباني فرنسيس فوكوياما في كتابه المعروف «نهاية التاريخ». احد فصول هذا الكتاب يحمل عنوان: «هل اسرائيل هي مجرد وجود مرحلي ـ معترضة؟ والذي يبدأه بسؤال: «هل اسرائيل قابلة للتدمير؟ وبعد ان يؤكد المؤلف بان «جزءا كبيرا من الرأي العام يصعب عليه سماع مثل هذا السؤال» يقدم قراءته لاحتمالات المستقبل وامكانيات الاجابة على مثل هذا السؤال واذا كان جان ماري كولومباني يؤكد على تفاوت القوى بين الطرفين: الاسرائيلي المدعوم غربيا عامة وامريكيا خاصة والفلسطيني الذي يبحث عن اقامة دولته المستقلة، فانه يؤكد ايضا بأن الاسرائيليين يتهمون الفلسطينيين بأنهم «راديكاليون» كي ينفوا حقهم باقامة دولتهم «لكن العكس هو الصحيح اذ ان وجود دولة فلسطينية هو الذي يمكن ان يدفع الى القطيعة مع فكرة الثأر.. بمعنى آخر يمكن لتطور دولة فلسطينية حقيقية ان يؤدي وحده الى تقليص المؤثرات في هذه المنطقة من العالم كما يقول المؤلف. «العالم بعد احداث 11 سبتمبر 2001» في كتاب جريء لصوت خارج الجوقة فيما يتعلق بالولايات المتحدة الامريكية وسياساتها