بيان الكتب: يعمل «لوران موراويك» محللاً في معهد «راند كوربوريشن» بواشنطن: وهو أحد أهم المعاهد الدولية للدراسات الجيوسياسية والاستراتيجية. سبق له ونشر كتاباً تحت عنوان: «الحرب في القرن الحادي والعشرين»، كما قدّم ترجمة جديدة لمنظّر الحرب الكبير «كارل فون كلاوزفتس» في عمله الرئيسي الذي يحمل عنوان: «حول الحرب» والذي لايزال حتى الان احد أهم المرجعيات الاساسية في ميدان العلوم العسكرية واستراتيجياتها. ان كتاب «روح الامم» يستدعي الى الذاكرة مباشرة كتاباً آخر هو «روح الشرائع» لمونتسكيو، وهو الكتاب الذي كان رفاعة رافع الطهطاوي قد نقله الى اللغة العربية في اوائل القرن العشرين بعد اقامته لفترة من الزمن في فرنسا. وهكذا ليس من قبيل الصدفة ان يفتتح المؤلف عمله بجملة لمونتسكيو من «روح الشرائع» جاء فيها: «هناك امور كثيرة تحكم تكوين الانسان مثل المناخ والمعتقد الديني والقوانين وقواعد الحكم وامثلة الماضي والتقاليد وطرق العيش.. ومن خلال هذا كله تتكون روحه العامة وكذلك يعتمد المؤلف على درس اخر استقاه من فكر مونتسكيو ايضا عندما طرحه في كتابه المعروف «رسائل فارسية» او حيث يعلّق فيه مسافران فارسيان ملاحظاتهما كما رأيا باريس وفرنسا بعيونهما. ملخص هذا الدرس كما يقدمه المؤلف يتمثل في قوله: «كي تعرف نفسك، تعلّم كيف تعرف الاخر، وتعلّم ان تتعرف على نفسك وانت تتفحص الاخر مع تفحصك لنفسك في مرآة الآخر». ولكن كيف تتشكل الأمم؟ وهل تكفي المعايير التي تحددها الجيوسياسة وخاصة «الموقع» و«المصالح» من اجل فهم «ديناميكية» الامم وآليات تكونها، ولكن كيف يتم امتلاك الموقع؟ وما هي محددات طبيعة المصالح؟ واسئلة اخرى كثيرة حول «ماهية روح الامة». ثم ان الامة تتحدد في الاساس على اساس العلاقة مع الآخر.. الأجنبي. وهنا ينقل المؤلف نصاً للعالم والفيلسوف «البيروني» يعود الى القرن الحادي عشر يقول «البيروني» ما مفاده: «الجنون داء لا دواء له. ان الامم على قناعة، كل منها، بأنه ليس هناك بلاد غير بلادها ولا مثيل لها بين الامم وملكها هو خير الملوك ومعتقدها خير المعتقدات وعلمها لا يضاهيه علم...». هكذا اذن تبدو الامة وكأنها تمحور حول الذات، وحيث لا يغدو الاجنبي «فرداً»، وانما «عضواً في مجموعة اخرى». واذا كان مؤلف هذا الكتاب يولي اهمية كبيرة لدراسة نشأة الامم منذ اطوارها الجنينية وحتى اكتمال هويتها، فانه يدرس ايضاً مختلف «مصادر قوة الامم» مثل المعطيات الاحصائية كالمساحة والمواصفات الجغرافية والموارد الطبيعية، والمعطيات «الديناميكية» مثل المستوى العلمي والتقني والصناعة والقوى الاقتصادية والتربية.. وهناك ايضاً نمط التنظيم القائم ونظام الملكية. وفوق هذا كله لابد لكل امة من الامم ان تمتلك «روحاً».. من هنا يتحدث مؤلف هذا الكتاب عن «روح الامم». وتبقى الأمم باستمرار هي بمثابة «العناصر الفاعلة في اللعبة الاستراتيجية» والعلاقة مع الامم الاخرى. ولاشك بأن الاختلافات الثقافية تلعب دوراً في «تناحر» الامم. لكن البعض يدفع مقولة «التناحر» هذه الى حدودها القصوى كي يتحدث عن «تصادم الحضارات»، كما فعل المفكر الامريكي صموئيل هنتنجتون، وشرح ذلك باسهاب في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه والصادر قبل سنوات اي «تصادم الحضارات» بكل الاحوال هذه ليست سوى اطروحة بين اطروحات عديدة حول مصادر النزاع بين الامم، وما يشير اليه مؤلف هذا الكتاب باستمرار في تحليلاته هو ان السمة الغالبة على المسرح العالمي كانت دائماً هي «غلبة الصدامات والصراعات على فترات السلم والانسجام»، وكان الفيلسوف القديم «توسيدير» قد أكد منذ فترة قديمة جداً بأن «السلام ليس سوى الهدنة في حرب لا تتوقف ابداً». وهناك مسألة اساسية يطرحها المؤلف ايضاً وتخص الصفات والمميزات التي يتم اطلاقها على الامم وعلى ابنائها «وكأن كل فرد يمثل عالماً مصغّراً لانتمائه الثقافي القومي». واعتماداً على القول بمثل هذه الصفات والمميزات يتم الحديث عن «طبائع» قومية. مثل القول مثلاً بأن الصين كانت محكومة باستمرار في كل تاريخها بشكل مستبد، وبالتالي قد يستنتج البعض بأن «الاستبداد» هو من طبائع الصين، وعلى الاساس نفسه يتم الحديث عمّا يسمى بـ «الاستبداد الشرقي» على قاعدة «نمط الانتاج الآسيوي» كما يتردد في القاموس الماركسي. لكن اذا كان الكثيرون يقبلون بمقولة وجود «طبائع قومية» فان الجميع يتفقون على القول بأن «ثقافات الشعوب ليست جامدة ومستمرة». الترجمة الواقعية لمثل هذا الامر تتبدّى في التحولات الثقافية على قاعدة تعاقب الاجيال. ولكن بمقدار ما يكون المسار الذي «قطعته» الثقافة طويلاً، وبمقدار ما تستطيع «تأصيل» اتجاهها، فإنه يصبح من الصعب قبولها للجديد، ذلك «ان ثقافة الماضي تثقل بكاهلها على الحاضر»، يقول المؤلف الذي يؤكد في تحليلاته بأن الثقافة التي تقوم بتنظيم وتنسيق وبناء مفاهيم شعب، بكل متغيراته الزمانية والاجتماعية والفردية المتباينة تبعاً لاختلاف المجتمعات انما تمثل اي مثل هذه الثقافة، هوية الشعب المعني بها، هذه «الهوية» تتكون في الواقع من مجموعة الاطروحات التي يقبلها مجتمع بأكمله و«يتمثلها» كل فرد من افراده بعمق او هي «اطروحات» لا تجري بالمقابل مناقشتها لأنها بمثابة «مسلّمات». وهذا على عكس ما يبدو يساهم في جعلها مشوشة. يقول هيجل: «ما هو معروف جيداً، وتحديداً لانه معروف جداً، انما هو معروف بشكل سييء»، وبكل الاحوال يبقى لكل ثقافة «طيفها» الخاص بها، وهي تتحدد بهذا الطيف الذي يمثل هويتها. ثم ان كل ثقافة قومية او «وطنية» تقوم بـ «ترسيم الحدود» التي تميزها عن غيرها. انها تحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع، وما يمكن عمله وما لا يمكن عمله. وهي ايضاً التي تحدد مثلاً معايير الجمال والقباحة والتي تتمايز من ثقافة الى اخرى. لكن مع ذلك يبقى من النادر، ومن المستحيل في الحقيقة، حصر ثقافة ما بمشرب واحد.. ان اسيا مثلاً ليست «كونفو شيوسية»، نسبة الى حكيم الصين الكبير كونفوشيوس، ولكن «الكونفوشيوسية» تشكل مشرباً ـ معرضاً ـ مهماً بالنسبة للعديد من الامم الآسيوية. وضمن النهج نفسه من التحليل، لا يمكن ايضاً بأن نضع في نفس «البوتقة» حضارات تتمايز كثيراً فيما بينها وتعتمد على ديناميكيات داخلية مختلفة تماماً، مثل الحضارتين الصينية واليابانية، وذلك بحجة ان كلتا هاتين الحضارتين هما من اصل «كونفوشيوسي» وذلك على افتراض انها «حقيقة» كذلك. لكن اذا كان البشر ينتمون الى انسانية واحدة، ما الذي يفرقهم الى أمم واقوام متمايزة، وعلى الاغلب متناحرة، لقد حاول «مونتسكيو» ان يفسر ذلك في «روح الشرائع» بالخلاف بين المناخات التي تتجاوز تأثيراتها الاحوال الجوية بكثير. «لكن كل المفاتيح لا تفتح كل الابواب»، وكل ثقافة «تصيغ» العالم على طريقتها، لكنها تصبغ ايضاً بطابعها ذهنية البشر وعلاقاتهم. كما ان المؤسسات تلعب دوراً في هذا كله «بواسطة التاريخ وبواسطة التقاليد، كما انها تعيد بالمقابل «انتاج» التاريخ والتقاليد، اذ كما يقول وليام فولكنر: «ان الماضي لا يموت ابداً، بل انه ليس ماضياً». ان هذا الكتاب حول «روح الامم» هو في واقع الامر نوع من الاستقصاء والتحرّي ولذلك لا يقترح فيه المؤلف أية حقائق نهائية. لكنه يقترح تحليلاً يجمع بين التاريخ والثقافة.. ويبدو بوضوح ان مؤلفه قد قرأ بعمق اعمال المفكر الفرنسي الكبير «كلود ليفي ستروس» مؤسس البنيوية الذي اولى اهتمامه الرئيسي في مجمل دراساته بما هو اساسي «بنيوي».. كما يحاول المؤلف شرح التطورات والتحولات الثقافية على اساس المدى الطويل «الفترات التاريخية الطويلة» وذلك بحثاً عن تحديد معالم «روح الامم» واشكال السلوك الممكنة على اساسها. وفي المحصلة النهائية يرى بأن هناك «ثقافة كونية» ولكن «ألوان» الطيف الثقافي القومي والوطني قد تتمايز من حيث نسب توزعها وتحولاتها. وبكل الحالات يتمثل الدرس الاساسي الذي يخرج به المؤلف على صعيد العلاقات بين الامم بالقول بأنه «لابد من فهم ذهنية الاخر من اجل امكانية التحرك على المسرح العالمي». يقول «برنار برودي»، المفكر الامريكي، وأحد أهم كبار المنظّرين الاستراتيجيين في القرن العشرين: «ان اية استراتيجية جيدة تفترض معرفة جيدة بعلوم الانسان وتحليل اجتماعي جيد ايضا. ذلك انه من افدح الاخطاء التي يشهدها التاريخ العسكري هناك عدد مهم منها تعود الى تقديرات صبيانية في هذا الميدان». ان مختلف هذه الآراء والتحليلات النظرية السابقة يطبقها المؤلف على اربع حالات ـ امم ـ هي الصين واليابان والهند وروسيا، الامة الصينية موجودة منذ ألفين وخمسمئة سنة كـ «دولة امبريالية موحّدة».. ولطالما تطلعت باستمرار الى وحدتها عندما تعرّضت مرحلياً للتجزئة. وقد رآها اهلها باستمرار بمثابة «مركز العالم» انها «امبراطورية الوسط» وما بين القرن السابع والقرن الثالث عشر كانت الصين في ظل سلالي «تانج» و«سونج» وهي دون منازع الامة الاكثر تقدماً في العالم». وقد استطاعت انذاك ان تفرض ثقافتها وحضارتها على عموم منطقة شرق آسيا.. لكنها تعرضت في القرن الثالث عشر لغزوات المغول الذين قاموا بكل اشكال النهب والقتل لقد تم قتل ثلث سكان شمال الصين ـ، لكن الامة الصينية نهضت من جديد لتبدأ مرحلة جمود وعزلة استمرت خمسة قرون من الزمن وبدءاً من القرن التاسع عشر بدأت بعض الصلات الوثيقة بين اوروبا وبين الصين. وفي المحصلة وعبر مسار تاريخي طويل، وبما يشبه «التكدس الجيولوجي» تكوّن وعي الصينيين بأمتهم. يقول المؤلف: «ان اية امة واي شعب واية دولة انما هي نتاج لارث تاريخي طويل، وهذا ينطبق على الصين اكثر من غيرها». ان الاجيال الجديدة تعيد توليف التجارب الوطنية وتجددها على قاعدة «المخيلة الجماعية» التي تعود لآلاف السنين. واذا كانت الصين قد حافظت الى حد كبير على بعدها التاريخي «الامبريالي» فان اليابان رفعت باستمرار طيلة السنوات الاولى للحرب العالمية الثانية شعار «اليابان التي تتقدم» واليابان «بلد الشمس المشرقة والثقافة الاعلى». كل هذا انهار مع قصف الامريكيين لمدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنابل النووية واعلان الامبراطور بصوت مكسور بأن «اليابان قد خسرت الحرب». كان ذلك منعطفاً حاسماً في اذهان اليابانيين الذين فقدوا ثقتهم بما كان لا يمكن ان يرقى له الشك في اذهانهم.. ذلك لان «تعلقهم حتى التقديس بشخص الامبراطور كان بمثابة فضيلة فطرية بالنسبة لكل ياباني».. ومن هنا كانت الهزيمة في الحرب واعلان الامبراطور شخصياً لها بمثابة «كارثة لا معادل لها في تاريخ الامة اليابانية» ان المؤلف وانطلاقا من هذه النقطة يناقش ما سبقها من مسيرة تعظيمية للامبراطور وما تلاها من دخول مرحلة جديدة في تاريخ الامة اليابانية. ان الصين واليابان تقدمان نمطين لحضارتين وثقافتين متميزتين تتركزان الى حد كبير على الحرص على الوحدة: وحدة النمط والاجماع وتوحّد الثقافة الجماعية في كل فرد. لكن الحضارة الآسيوية الكبرى الاخرى اي الهند فإنها تمثل الانتقال من الثقافة «الاحادية» الى «التعددية». ان الهند المعاصرة تقترب اكثر فأكثر من موقع القوة العظمى. هذا على الرغم من وجود حوالي اربعمئة مليون هندي يعيشون في حالة بؤس كبيرة.. ومن هنا يتحدث المؤلف عمّا يسميه بـ «اللغز الهندي» المتمثل بوجود حوالي 50% من السكان يعانون من الامية وبالوقت نفسه ولوج الهند سبل التكنولوجيات المتقدمة والنوويات والمعلوماتية» وهناك مظهر اخر لـ «اللغز الهندي» يتمثل في تبني «الديمقراطية» في سياق آخر تماماً غير ذلك الذي تعرفه البلدان الغربية «الديمقراطية». باختصار يرى المؤلف بأن «خصوصيات» الامة الهندية وتفردها مؤهلة كي تجعل منها احدى قوى المستقبل الكبرى. وعلى عكس الحالات الثلاث السابقة: الصين واليابان والهند، تبدو روسيا بأنها «امة مريضة»، انها «الرجل المريض» اليوم في اسيا واوروبا مثلما كانت الامبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر.. اما «مرض» روسيا فانه يعود لتاريخها. وكان تشرشل قد وصف روسيا بأنها: «احجية مغلّفة بسر داخل لغز». ان روسيا كما يراها المؤلف مهددة بـ «الموت» بعد مرورها بالتجربة البلشيفية التي يصفها بأنها كانت بمثابة «المستوى الاعلى من انتحار روسيا». ومن «روح الشرائع» الى «روح الامم»