بيان الكتب: يعمل جوناثان لويس مديرا في «اوفيث بانك» وهو احد رئيسي مجموعة للعمل في ميدان «الامن القومي» عمل منذ فترة قريبة عضوا في لجنة خاصة بعالم الاستخبارات وذلك بتكليف من الكونجرس الامريكي سبق له ونشر عنه كتب مثل: «تأملات حول الحرب الباردة: من يالطة الى خليج الخنازير ـ خليج الخنازير للدلالة على العملية الفاشلة التي حاول معارضون كوبيون النزول على الشاطيء الكوبي بمساعدة امريكية لقلب نظام حكم فيدل كاسترو وقد صدر هذا الكتاب عن جامعة يال «عام 1996». ماذا يحدث عندما يلتقي رأس المال «المحفوف بالمخاطر» مع الجاسوسية؟ من اجل الاجابة على مثل هذا السؤال يقودنا جوناثان لويس الى قلب مكاتب ادارة شركة «اي.ت.ي.ك» ايتيك احد اشهر الشركات العالمية في فترة الحرب الباردة بصناعة آلات تصوير، كاميرات، الاستطلاع بواسطة الاقمار الصناعية وقد تمكنت الولايات المتحدة الامريكية بواسطة آلات التصوير المتقدمة هذه من الحصول على معلومات دقيقة عن شبكات الصواريخ السوفييتية مما كان يشكل عنصرا اساسيا بالنسبة لمسألة الامن القومي «الامريكي» ان مؤلف هذا الكتاب «يصطحب» قارئه الى كواليس هذه الشركة «ايتيك» ذات الحساسية البالغة بالنسبة لبرامج الامن الامريكية ـ خاصة على صعيد القمر الصناعي الجاسوس «كورونسا» الذي استخدمه جهار الاستخبارات المركزية الامريكية «سي.اي.ايه» والشركة ايضا التي دخلت في تحدي المنافسة مع الشركات الصناعية العملاقة الاخرى. هذا اذن كتاب عن عالم الجاسوسية الامريكية وعن تاريخها وصفقاتها وتداخلاتها وما فيها من دوافع «وطنية» ومن تطلعات «تجارية» وفضلا عن هذا يكشف الكتاب للمرة الاولى معلومات عن عمليات تمويل قامت بها اسرة «روكفلر» التي لعبت دورا هاما في تمويل شركة «ايتيك». يبدأ المؤلف كتابه بالحديث عن «لورنس روكفلر» الذي وجد نفسه عام 1962 امام حالة تستدعي اتخاذ قرارات صعبة لانقاذ شركته وقد كانت تلك السنة هي من اكثر سنوات الحرب الباردة خطورة وهي ايضا الفترة التي كان عملاء المخابرات المركزية الامريكية يتعقبون الزعيم الكوبي فيدل كاسترو بغية تصفيته جسديا وكان المد الشيوعي في لاوس وفيتنام يتزايد وكان مطلع تلك السنة قد شهد انفجار ازمة الصواريخ الكوبية اي تلك الصواريخ التي اكتشفت الاقمار الصناعية الامريكية بان الاتحاد السوفييتي (السابق) قد نشرها في كوبا مما اثار امريكا وارغمت ادارة الرئيس جون كيندي آنذاك السوفييت على تفكيك صواريخهم واعادتها الى روسيا. في مثل هذا السياق كان على حفيد مؤسس شركة «ستاندرد» البترولية ان يقدم على اتخاذ قرارات مصيرية بل وقرارات لم تكن بعيدة عن مسألة امن الولايات المتحدة الامريكية نفسها لقد كان روكفلر كما يقدمه مؤلف هذا الكتاب رجلا فريدا «طرازا فريدا» من الرأسماليين حيث كان يؤمن بان هناك علاقة قوية بين جودة التكنولوجيا الامريكية ومصداقية الامن القومي الامريكي وبان الطائرات النفاثة والصواريخ والقنابل النووية قادرة على تحقيق الامن للولايات المتحدة شريطة ان تكون اكثر قوة وابعد مجالا من مثيلاتها لدى الاتحاد السوفييتي وبان روكفلر يسعى بنفس الوقت الى الاستثمار في المجالات التي تضمن له عائدات ضخمة ولكن اولويته كانت لتلك التي تساهم في تدعيم الامن القومي الامريكي لقد نجح في هذه المجالات وجمع ملايين الدولارات لكن احدى شركاته الكبرى تعرضت فجأة للانهيار وهي شركة «ايتيك» التي كان قد انشأها عام 1927 والتي حققت نجاحات كبيرة وسريعة بفضل العلماء والفنيين الذين كانوا يعملون بها ووصل البعض الى حد القول بان هذه الشركة قد احدثت ثورة في مجالات التكنولوجيا اي انها استحقت هذا التوصيف بجدارة اذ ان اسهمها في البورصة قد ارتفعت من دولارين الى 200 دولار وفي الواقع لم يكن احد يعرف سر ازدهار الشركة سوى «روكفلر» ذاته. لقد كان النشاط الاساسي لهذه الشركة «ايتيك» هو صناعة اكثر «كاميرات» التجسس كفاءة في العالم وحيث ان وكالة الاستخبارات الامريكية كانت تقيم العديد من مشاريعها على ما يمكن ان تقدمه من معلومات وكان في رأس هذه المشاريع مشروع «كوروما» المختص آنذاك بالتجسس على الاتحاد السوفييتي وتصوير اراضيه من الفضاء وتقييم قوته العسكرية وتحديد مواقع صواريخه من هنا كان تعرض الشركة في عام 1961 لخسارة كبيرة امرا بالغ الخطورة للشركة ولكن ايضا لوكالة الاستخبارات الامريكية نفسها ايضا وبالتالي للامن القومي الامريكي في مواجهة مثل هذا الوضع حيث وجد العلماء العاملون في الشركة ومهندسوها وكوادرها ان الضرورة تقتضي اقصاء مديرها ونظرا لخطورة الوضع تقرر عقد اجتماع طاريء لمجلس ادارة الشركة لبحث مطلب العاملين الذين كانوا من نخبة العلماء الامريكيين ولم يكن من السهل الاستغناء عنهم ولكن بنفس الوقت كانت الاستجابة لمطلبهم خارج عن المألوف في الولايات المتحدة. عندما كان «روكفلر» في طريقه الى الاجتماع لم يكن قد اتخذ بعد قراره من الازمة ومن الرجل «المطلوب رأسه» والذي كان قد انشأ الشركة معه وهنا تبرز في سياق الكتاب شخصية جديدة كان لها دورا كبيرا في الصراع الجاري كان نائب المدير ولكنه كان بنفس الوقت احد القلائل من الجواسيس الامريكيين الذين عملوا في احدى كبريات المؤسسات الامريكية وكان قد دخل معقل هتلر السري والمحصن اثناء الحرب العالمية الثانية بعد ان قفز بالمظلة الى يوغسلافيا لمساعدة قوات الزعيم اليوغسلافي تيتو وتدمير الخطوط الحديدية التي كان النازيون يعتمدون عليها عبر الحدود الايطالية. ان المؤلف يستعرض سيرة حياة هذا الرجل ونشاطه في الصراع الذي كان دائرا طيلة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي «السابق» بعد ان كان قد اكتسب خبرة كبيرة خلال عمله مع قوات تيتو. ويشير المؤلف الى ان مدير الشركة كان على ثقة بانها ستحقق نتائج افضل خلال الاعوام الثلاثة لانشائها وخاصة اذا تم رفع رأسمال الشركة وطرح اسهم جديدة لها في السوق ومع استمرار نجاح الشركة وصعود نجم مديرها بدأت اسئلة اخرى تثار مثل: «من هم زبائن «ايتيك»؟ وماهي اهم منتجاتها؟ وما هي الاخطار التي يمكن ان تهددها؟ لم يكن امام المدير سوى طريقتين للرد، فاما ان يقول الحقيقة والصدق ويلحق بالتالي ضررا بالامن القومي الامريكي وبالشركة وبنفسه شخصيا واما ان يقول شيئا آخر غير الحقيقة ولكن ماذا كانت اجابته؟ لقد اعترف «نجورن» وهذا هو اسمه بانه عمل على شراء شركة ليس لها اية علاقة بنشاط «ايتيك» وذلك بهدف ان تكون غطاء لها ولنشاطاتها. بنفس الوقت بدأت العلاقة بين شركة «ايتيك» ووكالة الاستخبارات المركزية الامريكية تؤثر على اسلوب ادارة الشركة ومن اجل تحسين آليات هذه الادارة تم الطلب من احد مكاتب المحاسبات المختصة القيام بعملية تدقيق في سجلاتها وانتهى الى القول بضرورة الشفافية قبل اي شيء في الادارة والنفقات بالطبع كان مثل هذا الامر صعب التحقيق كذلك قررت الشركة التي كانت تزود «ايتيك» بآلات التصوير الفضائي اجراء الاختبارات عليها في معاملها وليس في معامل ايتيك بحيث تكون بمأمن من المنافسة.. وكان هذا يعني لـ «ايتيك» الاعتماد بشكل كامل على شركة خارجية تستطيع ان تتحكم بجدول تنفيذ مشاريعها. وضمن هذا الاطار يقوم المؤلف بشرح مستفيض لاسرار الصراعات في عالم الاعمال والمنافسات غير الشريفة في احيان كثيرة للتحكم في الاسواق او للحفاظ على سرية مشروعات معينة ويتبين ضمن نفس السياق ايضا مدى التداخل بين السياسة والاقتصاد في الولايات المتحدة بشكل خاص ومدى تأثر سلوك المتحكمين بالاسواق المالية بمفاتيح الاقتصاد، وعندما قرر الرئيس الامريكي ايزنهاور دعوة الرئيس السوفييتي آنذاك خروتشوف لزيارة الولايات المتحدة للبحث في وضع حد للحرب الباردة وجد رجال المال والاعمال بان السلام ليس من صالحهم فسارعوا الى بيع اسهم الشركات بالبورصات مما ادى الى هبوط حاد في اسعارها وخاصة تلك ذات العلاقة بانتاج المعدات الالكترونية والدفاعية. وبعد وفاة ايزنهاور ووصول كيندي الى السلطة عاد التوتر من جديد الى العلاقات الامريكية السوفييتية وخاصة حول برلين حيث هدد خروتشوف بمنع قوات الحلف الاطلسي ـ الناتو ـ بدخولها وكان رد كيندي بان ذلك يعني نشوب الحرب هكذا عادت مسألة التجسس الى الصدارة وبرز دور شركة «ايتيك» من خلال «كاميرات» التجسس لرصد التحركات العسكرية داخل الاراضي السوفييتية والبلدان التي كانت تدور في فلكه ووضع مدير الشركة برنامجا طموحا بهذا الشأن؟ بيد انه وفي خريف عام 1962 بدأت الشكوك تحوم حول امكانية تنفيذ مثل ذلك البرنامج لكن مدير الشركة رفض التراجع فبدأت الامور تسوء بالفعل وتبدى بان الوضع المالي لـ «ايتيك» قد اصبح في مأزق حقيقي لاسيما وان تقارير عديدة كان قد تم تقديمها للرئيس جون كيندي تؤكد بان الفجوة بين القوة الصاروخية السوفييتية والقوة الامريكية غير موجودة، تجدر الاشارة هنا الى انه كان قد تم انتخاب كيندي للرئاسة على اساس وعده بردم هذه الفجوة الى اقصى حد ممكن بل ان الصور الفضائية اثبتت بان ميزان القوى في هذا الميدان هو لصالح الولايات المتحدة وليس العكس ولقد كانت تلك هي احدى اللحظات التاريخية في انتصارات وكالة الاستخبارات الامريكية والمؤسسات التكنولوجية والتي كانت شركة «ايتيك» احد «اضلاعها» الرئيسية مع ذلك وللمفارقة الكبيرة كانت تلك الشركة تتعرض آنذاك الى هزة عنيفة رغم انها كانت الى حد كبير وراء تلك الانتصارات. وكما في الحكايات التي يتم «الجنوح» بها احيانا عن «العقدة» الرئيسية لشرح ظروفها وملابساتها يشير مؤلف هذا الكتاب الى ان قرار مجلس ادارة الشركة «ايتيك» عند اجتماعه لمناقشة طلب العلماء والعاملين تنحية المدير عن منصبه كان تنحيته بالفعل وتعيين نائبه بدلا عنه اذ لا يمكن للمدير ان ينجح اذا كان خصومه هم العاملون معه تحديدا وكانت اول خطوة اكد عليها المدير الجديد هي تأكيده على التخصص الذي صنع شهرة «ايتيك» اي التجسس عن طريق الاقمار الصناعية وبحيث اصبحت الشركة هي المورد الوحيد لاحتياجات الدولة في هذا الميدان وعلى عكس المدير السابق الذي كان يوظف الارباح المتأتية من مجال التخصص الرئيسي في دعم فروع اخرى من النشاط، قام المدير الجديد بتكريس هذه الارباح لتنشيط نفس الفرع وبذلك تضاعفت ميزانيته بحيث اصبح بمقدور الشركة التصدي وبجدارة للشركات الاخرى المنافسة مثل شركة «كوداك». وكان نشوب ازمة الصواريخ الكوبية عام 1962 مدخلا لتوسيع نشاط شركة «ايتيك» كيف؟ كانت الصور التي تم التقاطها للصواريخ السوفييتية المنصوبة في كوبا والتي تم عرضها على الرئيس كيندي من قبل وكالة الاستخبارات المركزية وراء تفكيره جديا بضربها لكن بعض مساعديه رأوا بانه وقبل الدخول في مغامرة حرب نووية ينبغي التقاط صور اكثر دقة بواسطة «كاميرات» مثل تلك التي تكتشفها شركة «ايتيك» ولم يكن قد تم قبل ذلك وضع مثل هذه «الكاميرات» في طائرات التجسس «يو ـ 2» خشية وقوعها بيد السوفييت لكن امام خطورة ازمة الصواريخ الكوبية والتهديد بحرب نووية اصبح من الملائم «المجازفة» وتصوير مواقع الصواريخ بهذه «الكاميرات» مما قد يؤدي الى ابعاد شبح الحرب وهذا ما حدث بالفعل ليزيد الطلب كثيرا على «منتوجات» شركة «ايتيك». ان الدرس الذي يخلص المؤلف له يقول بان قصة شركة «ايتيك» تعكس واقع ان الرأسمالية يمكن ان تؤدي الى نتائج جيدة في المسائل الدفاعية وحتى لو كانت سبل التوصل الى مثل هذه النتائج شديدة التعقيد هكذا بدا بان «كاميرات» شركة ايتيك قد ساهمت في تعزيز امن الولايات المتحدة الامريكية وقد قدم «جوناثان لويس» شرحا لآليات اتخاذ القرارات على مستوى القمة في امريكا عبر دراسة «حالة عيانية» محددة. باختصار هذا الكتاب هو بنفس الوقت دراسة لحالة شركة ذات دور هام في صميم المركب الصناعي للاستخبارات وعالم الجاسوسية الامريكي خلال فترة الحرب الباردة، وايضا دراسة لدور وكالة الاستخبارات المركزية على المنظومة الرأسمالية والتي كانت حمايتها جزءا رئيسيا من عمل الوكالة