كريستيان موريل هو باحث في ميدان علم الاجتماع وهو يبحث في هذا الكتاب «القرارات العبثية» كيف يمكن احيانا لبعض الآليات العقلانية ان تؤدي الى اتخاذ قرارات «ملتوية». هذا كتاب اذن عن خلل بعض اشكال المحاكمات العقلانية مثل رجل الصناعة الذي اراد ذات يوم ان يقوم بتصنيع ساعات يمكن ان تؤشر على الوقت «في الظلام» وعندما قام بتنفيذ مشروعه وضع بالفعل نقاطاً «مضيئة» في الظلام على محيط الساعة كلها وأهمل فعل الشيء نفسه بالنسبة لـ «عقارب» الساعة التي تؤشر على التوقيت، بحيث انه غدا بمقدور الناظر ان يقرأ الارقام الدالة على الساعات والدقائق دون امكانية تحديد التوقيت. او مثل قرار اخر اتخذه مالكو احدى البنايات كانوا ارادوا تعزيز الامن في عمارتهم فوضعوا افضل الاقفال لكنهم تركوا الباب في وضعية تسمح بفتحه باستمرار، كما يذكر المؤلف مثال طائرة كانت تابعة لشركة الطيران الانجليزية شهدت عطلا فنيا عندما كانت تريد الهبوط في مطار «بورتلاند» حيث لم تفتح عجلات الهبوط وبقيت معلقة في الجناحين، فما كان من قائد الطائرة سوى ان استمر في الدوران فوق المطار دون ان ينتبه الى استهلاكه للوقود الذي كان قد قارب على الانتهاء. وأحداث كثيرة من هذا النوع ليس اقلها اثارة لتساؤلات ارتطام سفينتين في البحر أو طائرتين في الجو.. ضمن هذا السياق يقارن المؤلف بين «الخطأ» و«العبث» أما «الخطأ» فهو مصدر للمعرفة والاستفادة منه فيما بعد، وأما العبث فان له باستمرار نتائج تثير القلق والاضطراب لان «القرارات العبثية» تؤدي باستمرار الى نتائج مغايرة تماما للهدف المطلوب تحقيقه. واذا كانت الامثلة العديدة المضروبة تبدو هي بحد ذاتها نوعا من «العبث» وبأنها لا تثير اي احساس بوحدة الموضوع الذي تتم او ينبغي ان تتم، مناقشته. فان المؤلف يعرف كيف يجذب قارئه عندما يحلل «بكل جدية» بل و«مسئولية» ما يمكن ان يترتب على ألغاز السلوك الانساني والاجتماعي، و يعتبر بأن تحليله هو في النهاية تحليل «سياسي» بالمعنى الواسع للكلمة بمعنى ان «السلوك العبثي» يأتي عن تداخل «صفات الشخص» مع «الصفات الجماعية للمحاكمة العقلانية» كذلك يشرح المؤلف المكانة الرفيعة التي يحتلها «العبث» على صعيد الادب، وحيث يمكن ان يكون مصدرا لـ «الضحك» أو «الرعب» تبعا لما يترتب عليه من «مأساة» أو «ملهاة»