بيان الكتب: دان ريتر هو استاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة «اليموري» سبق له وقدم كتاباً شهيراً تحت عنوان «بوتقة المعتقدات: التعلم والتحالفات والحروب العالمية». وألان ستام مدير برامج في مركز روكفلر من مؤلفاته: «الربح أو الخسارة: السياسات الداخلية وبوتقة الحرب». ماذا تكسب الديمقراطيات في الحرب؟ لا شك ان الاجابة عن مثل هذا السؤال تدفع الى الخوض في مسائل العلاقات الدولية وفي «الديناميات السياسية» التي تولدها الحرب داخل مختلف المجتمعات. وهذا في الواقع ما يدرسه المؤلف في الفصول الثمانية من الكتاب: « الديمقراطيات في الحرب». إن القرن الماضي «العشرين» الذي شهد حربين كونيتين ومصرع عشرات الملايين من البشر انتهى بنوع من الاقرار العام من قبل الزعماء والشعوب بوجود «فضائل كبرى للديمقراطية».. لا سيما وان هذه الديمقراطية قد انتصرت في صراعها مع النموذج المجتمعي الآخر الذي كانت تقترحه الاشتراكية مما ادى الى تقسيم العالم طيلة عقود عديدة بين معسكرين: رأسمالي (غربي) واشتراكي (شرقي). ومع انتصار الديمقراطية بدلت بلدان عديدة من انظمتها باتجاه قدر اكبر من الديمقراطية. هذا والامثلة كثيرة على ذلك اعتباراً من منتصف عقد الثمانينيات الماضي. كما ان «الموجة» الاخيرة من تنامي المد الديمقراطي في العالم اعتباراً من مطلع عقد التسعينيات اثر انهيار جدار برلين في اواخر عام 1989، انما قد اعادت ثقة الديمقراطيين وإيمانهم بالنظام السياسي الذي كانوا قد تبنوه. وهكذا ينقل المؤلف عن الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون قوله في خطابه حول «حالة الاتحاد الأمريكي» عام 1994 قوله: «في النهاية، ان افضل استراتيجية لضمان امننا وبناء سلام دائم انما تكمن في دعم تقدم الديمقراطية في جميع المناطق الاخرى. ذلك ان الديمقراطيات لا تشن هجومات ضد بعضها البعض، بل انها تؤمن افضل الشركاء التجاريين وأيضاً افضل الشركاء الدبلوماسيين». وما يتم التأكيد عليه في هذا الكتاب بأشكال مختلفة هو ان للديمقراطية «فضائلها» التي يعترف بها الساسة والاخصائيون في العلوم السياسية.. وفي طليعة هذه الفضائل ثلاث هي الأكثر اهمية وتتمثل في الحرية والازدهار والسلام. لكن تبقى الحرية هي القضية التي تصبو لها الانظار أولاً، كما بدا في تخلي بلدان المعسكر الشيوعي السابق التي كانت تدور في فعل الاتحاد السوفييتي عن ربطها «التعسفي» لحرية الأفراد في مصلحة الدولة، الأمر الذي يمثل أحد معايير الفاشية، وتبنيها بالمقابل لبدء الانتخابات الحرة وصيانة الحريات الفردية. كما يرى المؤلف، ويشرح ذلك بإسهاب، بأن الايمان بالازدهار شكل احدى القوى المركزية الموجهة لـ «المد الديمقراطي» الجديد. أي ما يشكل انتصاراً للمعسكر الرأسمالي الغربي على منافسه الاشتراكي «الشرقي»، لا سيما وان الرأسمالية الغربية قد حققت في واقع الامر ازدهاراً مادياً لمواطنيها تشهد عليه بكل بساطة اسواق الغرب ذاتها، كما تشهد عليه «الحيوية» التي اظهرتها «المؤسسات الليبرالية الديمقراطية». هاتان القضيتان السابقتان، أي الحرية والازدهار، تشكلان الاساس كي يعم السلام في العالم.. الفضيلة الثالثة من فضائل الديمقراطية.. وفي المحصلة يبدو ان القاعدة التي تشكلها هذه الفضائل الثلاث انما تقدم «افضل الحلول وأكثرها عدلاً» لتقدم الانسانية، كما انها توفر «افضل السبل» من اجل تنظيم المجتمعات.. ومن هنا اعتبر بعض المحللين ان انتصار الرأسمالية على الاشتراكية انما هو انتصار حاسم ونهائي لقيم الديمقراطية. وهذا ما اطلق عليه المفكر الامريكي، ذو الاصل الياباني، فرنسيس فوكوياما تعبير «نهاية التاريخ» كما جاء في عنوان كتاب له اثار ضجة عالمية، ولا يزال يثير الكثير من النقاش، ذلك ان الواقع يثبت بأن التاريخ «لم ينته بعد».. كما تدل بوضوح الصراعات الكثيرة التي تشهدها مناطق عديدة من العالم وتتسم احياناً بقدر كبير من الوحشية كما تشهد فلسطين اليوم. لكن لـ «ميدالية الديمقراطية» وجهها الآخر، كما يشرح مؤلف هذا الكتاب. ذلك ان الاساليب السائدة في «التجارب الديمقراطية» على صعيدي فرض المعايير الثقافية والمبادلات التجارية انما تبدو وكأنها تنتمي الى القواعد السائدة في زمن الحروب. كما كان «الآباء المؤسسون لأمريكا» قد «ضحّوا» عن وعي وسابق تصميم بـ «الحرية» عندما تطلب «أمنهم القومي» ذلك. بتعبير آخر ان «الحرية» وأبعد منها المبادئ الديمقراطية كلها يمكن ان «تتراجع وتنكفئ» اذا ما كان الأمر يتعلق بمصالح الدول «الديمقراطية» نفسها.. كما تدل دروس الواقع وآراء المفكرين الاستراتيجيين من أمثال «الكسي دو طوكفيل» الذي يشير له المؤلف مرات عديدة في كتابه وحيث يستعرض باستضافة آراء «المتفائلين» و«المتشائمين» حيال مستقبل الديمقراطية، لكنه يميل هو نفسه بوضوح الى صف «المتفائلين» وذلك بالاعتماد على النتائج التي يتوصل لها من خلال الكشف عن «الآليات» التي «تنتصر» الديمقراطيات على اساسها في الحروب.. هذا ما يدل عليه عنوان احد فصول هذا العمل حول «الديمقراطية ومبادرة الحرب والانتصار». إن القاعدة الذهبية التي تخوض على اساسها الديمقراطيات «حروبها» في كل الحالات سلماً أو حرباً، انما قد عبّر عنها وزير الحرب الأمريكي هارولد ايكيس في شهر فبراير من عام 1943، اي عندما كانت الولايات المتحدة الامريكية تتأهب للدخول في الحرب العالمية الثانية حيث قال: «ما افكر فيه هو البحث عن افضل السبل للانتصار في الحرب بأقل الخسائر وبأسرع وقت». إن مثل هذا الهدف كان باستمرار بمثابة الهم الرئيس لجميع القادة الكبار عندما وجدوا انفسهم امام قرار اتخاذ «مبادرة الحرب» في شتى ظروفها ومراحلها. إذ وعلى الرغم من «مأساوية» الحروب فإن «الانتصار» يبقى هو هدفها النهائي. لكن «وحدة الهدف» لا تعني ابداً تشابه الوسائل».. لا سيما وان «الديمقراطيات في الحرب» تؤكد على تمايزاتها بالقياس الى «المنظومات السياسية الدكتاتورية». وإذا كان الاهتمام الرئيسي لمؤلف هذا الكتاب يتركز على بحث «كيفيات» انتصار الديمقراطيات في الحروب، فإنه يدرس ضمن الاطار نفسه وبـ «مناسبات الحرب» عدة مظاهر للديمقراطية مثل «التعددية» و«آليات عمل المؤسسات الديمقراطية».. كما يدرس بالوقت نفسه أيضاً المبادئ الاساسية للعلاقات الدولية. ومن خصائص الحروب بالنسبة للديمقراطيات التي تخوضها هو ان نتائجها ذات اثر كبير بالنسبة لأولئك الذين كانوا قد اتخذوا قرارات خوضها.. ذلك ان صناديق الاقتراع تكون فيما بعد بـ «المرصاد» أو «العقاب الانتخابي» كما يقول المؤلف. هكذا اذن كان اتخاذ قرار التحضير للحروب أو خوضها، أي «استخدام القوة العسكرية» يشكل أحد أخطر الرهانات بالنسبة لقيادات البلدان الديمقراطية فإن المخاطرة بـ «الهزيمة» تعني نهايتهم السياسية.. ومن هنا يأتي التأكيد على ضرورة ان تكون الحروب «قليلة الخسائر» و«قصيرة زمنياً» مع «الانتصار» بالطبع. وهذا يتفق مع رغبة الاشخاص ولكن ايضاً مع قواعد «اللعبة الديمقراطية». هذا فضلاً عن ان «المبادرات» اثناء الحرب تستطيع ان تضع «القيادة» و«الابطال». وهذا ما يشرحه المؤلف على مدى الفصل السابع في الكتاب والذي يفتتحه بجملة للجنرال الأمريكي جورج مارشال قال فيها: «إن الديمقراطيات لا تستطيع تحمل سبع سنوات من الحرب». وهذا ما أثبتته ايضا تجارب التاريخ اذ ان «قبول الحرب» لا يعني ابداً «قبول استمرارها لفترة طويلة».. لأن مثل هذا الاستمرار قد يؤدي الى شروخات داخل الرأي العام. ان «الحرب الفيتنامية» تمثل درساً بليغاً في هذا الاطار. وحيث ان جونسون ونيكسون عانيا من واقع ان «زيادة الخسائر البشرية الامريكية قد لعبت دوراً حاسماً في تضاؤل دعم الرأي العام للحرب. وفي المحصلة يرى المؤلف ان «المخرج الامريكي للحرب الفيتنامية ختم اكثر الاحداث اثارة للتفرقة في التاريخ الأمريكي كله». وفي هذا السياق يقارن المؤلف بين آثار الحرب الفيتنامية على الرأي العام الأمريكي ودعمه لتلك الحرب وبين آثار حرب الخليج عام 1991. ومن خلال المقارنة تبدو بوضوح «الطبيعة الهشة» لآليات «قبول» أو «رفض» الرأي العام للحرب، إذ عندما طالت مدة الحرب الفيتنامية وزادت الخسائر البشرية الامريكية تراخى دعم الرأي العام الأمريكي، بينما عرفت ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش الأب دعما شعبياً لا نظير له اثر حرب الخليج السريعة وقليلة الخسائر بالنسبة للأمريكيين وخسائر الآخرين لا قيمة لها. هذا كتاب يحاول مؤلفاه تقديم اجابات عن الاسئلة الكبرى التي تطرحها الحرب على الانظمة الديمقراطية. انهما ينطلقان من محاولة استكشاف الأسباب البعيدة للحروب كي يشرحا بعد ذلك «الديناميات السياسية» التي ترافقها، ودائما بالاعتماد على الوقائع والاحصائيات وكيف تخاض الحروب.. ديمقراطياً؟!