بيان الكتب: هذه المقابلة اجرتها مع جانيت ونترسون الصحافية اللامعة سوزي فاي ونشرت في صحيفة الانتدبندنت بمناسبة نشر عملين قصصيين بالتزامن مع انطلاق فعاليات الموسم الجديد لأوبرا جلندبورن. بعد صدور روايتها الاولى «البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة» وجدت جانيت ونترسون نفسها في سنة 1985 في عالم لم تتوقعه من قبل، ومنه اكتسبت نوعا من القدرة على التحكم في طبيعتها الجافة ومع ذلك فان شيئا لم يطرأ على عشقها للاوبرا الفن الذي تمكن مقارنته بكتابتها الروائية. لم اتصور على الاطلاق ان باستطاعة احد ان يضعك على عتبة دارك كالطرد البريدي لكن يمكنك ان تصبح كذلك اذا كنت ضئيلا في حجم جانيت ونترسون وبينما كنت اطرق الباب الذي بدا لي شبيها بمهجع بائع الفاكهة والخضروات متسائلة عن مكانها فوجئت بها تسير على الرصيف مترجلة من فوق دراجة نارية قذفت بها ثم انطلقت بسرعة وبعدها قادتني ونترسون الى الداخل. الواقع ان المكان الذي تقيم فيه يبدو متألقا ورائعا اجزاء من الخشب والالواح المكشوفة واللون الاخضر المطلية به الاشياء ببراعة والمواقد غير المغطاة مع مجموعة من الكتب المكومة الموزعة بين المائدة وارض غرفة الجلوس، احد الكتب التي تطالعك من منشورات هوجارث الطبعة الاولى، ولا تزال تحمل قصاصة مكتوب عليها تاريخ الاصدار مارس 1929، فرجينيا وولف. ـ يبدو ان هذه الاشياء الخاصة بالاوبرا مهمة بالنسبة لك، اليس كذلك؟ قلت وانا انظر الى القصاصتين القديمتين من تذكرتي الدخول الى اوبرا «بارسيفال» وكتاب عن موزارت ملقى على الارض بالقرب من احد الكراسي وكومة من اشرطة سي دي من موسيقى دار الاوبرا الملكية؟ ـ توجد لدى مجموعة اخرى من الاشرطة لبريتني وكيلي. قبل مدة وجيزة انتهت ونترسون من كتابة عملين قصصيين اعدتهما للنشر في صحيفة «الاندبندنت» ويتزامن نشرهما مع انطلاق فعاليات الموسم الجديد لاوبرا جلند بورن، لكن على الرغم من ذلك فان العلاقة التي تربط مابين ونترسون وبين الاوبرا تبقى علاقة حب قديمة جدا كانت قد بدأت في سنة 1990. لم تكن الاوبرا ضمن اهتماماتي قبل هذا التاريخ على الاطلاق كنت اكره «الاستماع لها» واشعر بالنفور منها، واعتقد بأن هذا هو مايحدث للكثيرين لان الاوبرا لها جمهورها ولها فخامتها وفنها الدراماتيكي وحيويتها واسعار تذاكرها المرتفعة على الرغم من انك تجد اماكن رخيصة بالفعل حيث اسعار التذاكر يمكن ان تتراوح بين ستة جنيهات في الاوبرا هاوس و 15 في جلند بورن. ـ اول الاعمال التي شاهدتها على مسرح الاوبرا هما «تيوراندوت» و «ديدروز ينكافلييه» اليس كذلك؟ ـ كلاهما عمل ضخم مكون من طاقم كبير من الممثلين حوالي 100 شخص لعبوا دور الجوقة كل هؤلاء كانوا يفتحون افواههم، وكنت اشعر بمتعة غامرة لم اشعر بها من قبل صحيح ان الاوبرا فن قديم عتيق الطراز لكن له تعقيداته انه الشكل الفني المصطنع الذي اخترعناه لاننا بحاجة الى هذه المساحة لكي نلعب فيها، ويدهشني باستمرار ان الناس يتحدثون عن هذا الحد من التكلف في الاوبرا. اننا نعيش الواقعية في كل يوم من حياتنا ونحتاج ايضا الى شيء خارج الحدود العادية لهذه الحياة، شيء مختلف الى حد يبعث على الدهشة وعندما ينجح لا يشبه اي شيء آخر. ومما لاشك فيه فإن ماتقوله ونترسون هو مجرد دفاع شخصي عن نفسها ففي رواياتها تجتمع عناصر الهزل والحيوية والتكلف، وكما هو في الاوبرا فان اعمالها تميل الى ان تكون اما رائعة او تعيسه اما دفاعها عن الاوبرا فليس الا دفاعا عن مشروعها الفني الخاص، وفي اثناء قولها عن الاوبرا انها ليست قبيحة علي هذا النحو، ان الاوبرا فن مليء بالفخامة والجمالية هذه الفخامة وهذا الجمال ينظر اليهما الآن على نحو مترد تماما ليست له على الاطلاق علاقة بما تعنيه انت، هنا لايمكنك إلا ان تتصور انها تتحدث عن اعمالها. ان اكرينجتون التي نشأت فيها تبدو قبيحة الآن، وعندما رجعت الى هناك، مؤخرا، نظرت اليها فاذا بكل شوارعها المرصوفة بالحجر المعبدة بالاسفلت والاسوأ من ذلك انهم صادروا كل انواع الحجارة الاخرى ومنها يورك ستون، وهكذا فقد ضاعفوا القبح هناك، ان مكانا مثل اكرنجتون لا يشكل اهمية بالنسبة لظهوره في الصور التي تحتوي عليها بطاقات البريد فقط وانما لسبب يتعلق بتكوينه المعماري المتناغم المنسجم على نحو منطقي الآن صار هذا المكان سحيقا لاقعر له. ـ انني اشعر بالاسى تجاه ما يمكن وصفه التدمير البطيء للغة الانجليزية الذي يحدث في كل مكان من حولنا، حتى ان كل ماتصدره دور النشر العريقة المعروفة يأتي الآن مليئا بالاخطاء النحوية هل تشاركينني هذا الشعور؟ ـ انني اشعر بالقلق تجاه ذلك، ويبدو ان هذه حقيقة اكثر منها مخاوف تنتابك تجاه تقهقر بعض المفردات التي وصل عددها الآن الى 200 مفردة كلها تتعلق بما يفترض ان تتعلمه في سن الخامسة، هذا مخيف الواقع انه وليد مشاهدتنا للتلفزيون وبالنسية للناس العاديين مثلي من الذين يعيشون في خصوصيتهم اللغوية لانهم يتكلمون بلغة انجيل الملك جيمس التي يتصور الناس انها لغة غير عصرية تماما لكن هذه اللغة تتيح لك فرصة الاستماع الى الايقاعات والجمل والبناء والمفردات اللغوية وكل ما اعتقد انه مفيد في الواقع. ـ في السنوات الماضية وبالتأكيد في رائعتها الاولى «البرتقال ليس هو الفاكهة الوحيدة» كانت ونترسون شديدة الانتقاد لنشأتها هناك في اكرنجتون ولحياتها كابنة متبناة لعائلة بروتستانتية ولكن ثمة مايؤكد الآن على انها قد تغيرت وصارت اكثر لينا. ماهي الاشياء الايجابية والسلبية التي وفرتها لك نشأتك الدينية؟ ـ تعرفين انه كلما تقدمت بي السن ثلاشت الاشياء السلبية، واعتقد بأن كل ما يتبقى هو الشيء الجيد، والسبب هو انه لا تبقى هناك اشياء كالقلق او الشعور بالالم او الضغوط، كل ما وفرته لي هذه التجربة هو انها منحتني الثقة الكبيرة بالنفس الثقة التي اتمكن من خلالها من مواجهة العالم وبغض النظر عن اي شيء فقد كنت في ذلك الوقت مجرد طفلة وكان ذلك مما يلزمني لكي اشق طريقا في الحياة وانا ما ازال في السادسة عشرة. وهذا مايحدث في حالة التمتع بالثقة، تعيش حالة الانفصال ثم تدعي الى القيم بشيء مختلف. وكذا فعندما لم تسر الامور على نحو صحيح بالنسبة لي في مرحلة عمري المتوسطة كان من السهل احتمال ذلك. في يوم 11 سبتمبر من العام الماضي كانت ونترسون تقيم في عزلة تامة في كوخ صغير وكانت معها في ذلك الوقت المخرجة ديبورا وارنر وكانت تعد نصا مسرحيا مقتبسا من روايتها الاخيرة «كتاب السلطة» لعرضه على مسرح ناشيونال ثيتر. 11 سبتمبر هو اليوم الذي انتهينا فيه من العمل وغادرنا، لكن لو كان الهجوم قد وقع قبل هذا التاريخ فلن يكون بوسعنا ان نعرف عنه شيئا، وعندما سمعنا بالخبر ونحن في الطريق عبر الراديو الموجود في السيارة خيل لنا ان تلك هي نهاية الكون. مريم جمعة فرج