بيان الكتب: جانيت ونترسون روائية بريطانية اشتهرت اعمالها بتجاوزها للاطار المألوف للرواية الغربية التقليدية ويلفت النظر في مسيرتها الابداعية. انها بعد تخرجها من جامعة اكسفورد عملت في المسرح واصدرت اولى اعمالها الروائية وهي بعنوان «البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة» بعد فترة قصيرة من التحاقها بالعمل في هذا المجال، تلتها روايتها الثانية بعنوان «الرغبة» في 1987 وسبق ذلك في 1985 حصول روايتها «البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة» على جائزة الوايتبريد لافضل عمل روائي، وهي تحكي قصة فتاة تتبناها اسرة بروتستانية تتمرد على التقاليد الاجتماعية والثقافية السائدة وتعد من الاعمال التي يرى النقاد انها تمثل تجسيداً حقيقياً للسيرة شبه الذاتية لمؤلفتها. من اهم اعمال ونترسون الروائية «كتاب السلطة» وبشهادات العديد من النقاد فإن هذا العمل تجسد موهبة المؤلفة الاستثنائية في القدرة على المزج بين عناصر زمنية مختلفة «الماضي والحاضر والمستقبل» كأدوات متحولة مرتبطة بالواقعية المتعددة الابعاد التي تستخدمها ونترسون في سرد قصص يمكن القول بأنها شديدة البساطة في الاساس، على الرغم من ان اهم مقوماتها هو ذلك التداخل الزمني الصعب. «كتاب السلطة» هي الرواية السابعة للمؤلفة وهي كما تقول ونترسون خروج على تقاليد الرواية القديمة، رواية القرن التاسع عشر الغربية المعروفة الى الاعتراف بأن الحداثة وما بعد الحداثة قد غيرا الى حد بعيد معالم الرواية الجديدة، على نحو لا يترك للمبدع خياراً غير التوجه نحو هذا الافق. في هذه الرواية تنتقل ونترسون بسهولة ويسر لتلقي بشباكها التي لا يمكن التخلص منها بسهولة على القاريء في أي مكان في الكون في باريس او الكاريبي أو لندن أو اي بقعة اخرى، وفي حين تلعب هي هذا الدور تلعب شخصية اخرى لا تقل اهمية هي الراوي الافتراضي غير المعروف ان كان رجلاً أو امرأة دور الخياط او بائع الملابس التنكرية الذي يستطيع ان يمنحك بهذه البضاعة القدرة على التحول بل وقدرة سابقة موازية على تخيل هذا التحول، وكل ما عليك ان تفعله هو ان تقرر من تريد ان تكون، اما وسيلته في ايصال هذه الرسالة فهي البريد الالكتروني، الشخصية المهمة الاخرى في رواية «كتاب السلطة» هي القاريء الذي يتلقى الدعوة ليعيش اجواء البطولة لرواية من صنع خياله، وكما هي الحال في اي لعبة الكترونية، يمكن للاعب ان يختار موقعه وهويته وأي شيء آخر فيما عدا المحصلة النهائية لعمله التي يفاجأ بها في النهاية فيسقط في يده. ان اهم ما تشتمل عليه هذه الرواية هو الدور السلطوي الذي تلعبه شخصياتها غير التقليدية فبشخصيته الغريبة يرمز الراوي الافتراضي الالكتروني الى الصفة الجوهرية لحياتنا المعاصرة في القرن الحادي والعشرين، والى القوة الرقمية القادرة على التحكم فينا عن بعد وعلى الانتقال بنا عبر المكان والزمان، ولو بالنزول لحظة عند رغبتنا لتعيد في النهاية تحطيمنا، إما عاطفياً أو مادياً أو جنسياً أو عنصرياً. بالرمزية التاريخية هذه وبلغة شاعرية لا تقل مراوغة وتأثيراً وبحواراتها السريعة المليئة بالحيوية والفكاهة تتمكن ونترسون من توجيه النقد لهذا العالم الممتليء بكل ما يدعو الى الازدراء الذي لا يملك غير القدرة على تغيير مسار حياتنا وتحديد مصائرنا بطريقة تجعل الاشياء الجميلة تتلاشى منها بسرعة لتحل محلها اشياء تبعث على الدهشة حيث لا يمكن للزوجة ان تحيا مع زوج تخلص له أو المحب مع حبيب يحبه او الابيض مع الاسود او الغني مع الفقير وفي النهاية يفترقان. تقول ونترسون في مجمل ردها على اي اسئلة بخصوص هذا العمل: ما اسعى الى تحقيقه في هذا العمل هو التوصل الى صيغة قادرة على الوفاء بما تتطلبه الحياة في القرن الحادي والعشرين، هنا يتبادر الى ذهنك ان تلك اللغة المزعجة الموارية التي تستخدمها لا تقل اهمية عن باقي شخصياتها الرهيبة الاخرى. ولدت جانيت ونترسون في مانشيستر وبعد فترة تبنتها عائلة بروتستانية من احدى المناطق القريبة «اكرنجتون» حيث نشأت الفتاة منتمية الى الطبقة الكادحة، ومنذ طفولتها تقول انها لم تترب في الاساس تربية تساعد على الكشف عن مواهبها اذا لم يكن اي من والديها مغرم بقراءة اشياء اخرى غير الكتب الدينية الستة الموجودة في منزل اسرتها وهي كتاب الانجيل وسلسلة من الكتب الدينية والكتاب الوحيد الذي اشعل لديها الرغبة في القراءة والكتابة هو ملحمة مالوري «موت الملك آرثر». والواقع ان حياة ونترسون الشخصية تبدو لك كقاريء مشابهة الى حد بعيد بل متطابقة مع حياة ابطال رواياتها التي بدورها تشبه السيرة الذاتية كلها، وليست بعضها كما يرى النقاد، فروايات مثل «البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة» و«الرغبة» و«الكتابة على الجسد» كلها تبدو كذلك، حيث هؤلاء الابطال يعيشون حياة كأنها مساحة للتمرد والاكتشاف فقط من دون ان يتعرف القاريء الى شيء كأسمائهم او هويتهم الجنسية أو اعمارهم، وكل ما يفعلونه هو السياحة في بحر من العواطف الجامحة ويبدون وكأنهم حرموا منها لاسباب خارجة عن ارادتهم تجعلهم يستعيضون عنها بأشياء اخرى آنية. ففي رواية البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة يواجه القاريء بونترسون الفتاة الشابة وهي تمر بتجارب مختلفة في اثناء نشأتها بين افراد عائلة بروتستانية تسكن احدى مناطق شمال بريطانيا، الام فيها امرأة شديدة الحرص على تأدية واجباتها الدينية وحريصة ايضا على ان تضحي بابنتها في سبيل تلك العقيدة فتلحقها كراهبة في احدى البعثات التبشيرية وعلى الرغم من نجاحها في تلك المهمة التي فرضت عليها، إلا انها تخفق في تكوين علاقة طبيعية في حياتها وتقودها مراهقتها الى سلوك مناف تغادر على اثره ذلك المجتمع، ما ان يعرف الآخرون بفضيحتها وكأنما هي تطرد من الجنة التي نذرت لها منذ البداية. الجانب النقدي لرواية ونترسون «البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة» لا يمكن كما يرى الكثيرون حصره، تلك الاحداث التي تمثل شبه سيرة ذاتية للمؤلفة، وانما ما يسترعي الانتباه هو قدرتها على المزج ما بين الواقع والخيال وما بين القصة الحقيقية والحكاية الملفقة التي تعقب من خلالها على موضوعها. عن دار بلومز بري صدرت للمؤلفة في سنة 1987 رواية «الرغبة» وهي فانتازيا خيالية مؤلفة من قصتين رئيسيتين متداخلتين الاولى هي قصة هنري الفتى الفلاح الفقير الذي يحلم بالالتحاق بأسطول نابليون الحربي في البندقية لحبه الشديد لهذا الرجل الاسطوري فيقرر ان يجد في الوصول اليه. يذهب الى هناك لكنه بدلا من ان يجد نفسه جنديا في قوات نابليون يجد انه قد تحول الى طباخ خاص لديه، وبينما يقوم اصحابه الجنود بواجبهم في حرب وقتل الاعداء يبقى كل ما حققه من نجاح هو قتل اعداد اكبر من الدجاج التي يعشق نابليون لحمها. والقصة الثانية تروي حكاية فتاة من مدينة البندقية مشوهة القدمين هي فينالين ابنة رجل ملاح يعمل على ظهر قارب جندول بينما تعمل هي في احد الملاهي الليلية وتعتمد اسلوب التخفي في ملابس رجالية احيانا لكسب زبائنها وهناك تقع في علاقة غرامية مع امرأة «تسرق قلبها وتضعه في خزانة ملابسها» وعندما يتم استغلالها تلتقي بهنري ويقرران الفرار من الاسطول. في روايتها الرغبة لا تدخر ونترسون وسعا في امتاع القاريء بواقعيتها السحرية لكي تظهر وكأنها تقول له في النهاية بأن هذه هي حقيقة ما يحدث في مجتمع ذكوري متغطرس يخذل فيه الرجل في النهاية وتنتهك خصوصية المرأة ليمارس كل منهما دوراً معكوساً لكن بطليها يتمردان في النهاية. رواية «مكتوب على الجسد» تكشف ايضا عن هذا النوع من العلاقات الغريبة التي تستهلك حياة امرأة متزوجة والراوي مجهول الهوية من جهة وكل ما يعرفه القاريء في النهاية هو ان تلك المرأة كانت تمارس نوعا من الهروب من حياتها الزوجية مع زوج تحبه بجنون ثم يفصل بينهما المرض الذي يداهمها فجأة وتقرر الفرار بمعاناتها بعيداً. وتبرز بين اعمال ونترسون الاخرى المجموعة القصصية «العالم واماكن اخرى» 1998 وتتألف هذه المجموعة التي كتبتها المؤلفة على امتداد 12 عاماً من 17 قصة قصيرة بعضها قصير الى حد لفت انتباه النقاد يرى البعض ان حجم قصة «ترانيم» ومضمونها يجعلانها تبدو مجرد صفحتين مأخوذتين من رواية «البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة» لكن على الرغم من هذه الملاحظة تبدو موهبة ونترسون في كتابة القصة القصيرة شديدة الوضوح، على نحو لا يقل اثارة خاصة فيما يتعلق بالنقد الاجتماعي واللغة الشاعرية والادوات التي تجسد من خلالها معاناة تلك الشريحة من الناس الضائعة التي تشعر بأنها مستدرجة بالقوة، لكي تعيش في عالم كان من الافضل ألا تحيا فيه. تلك الواقعية السحرية القادرة على تغيير كل شيء من الزمان الى المكان الى الاشخاص هي في حقيقتها الادارة التي تقوم بواسطتها ونترسون باقناع القاريء بأبطالها شديدي الغرابة لكي يتمكن من فهم اختلافهم. في قصة «عبور الاطلسي» تتحول ونترسون الى بائع متجول في منتصف العمر يعيش في منتصف القرن العشرين، وفي احدى رحلاته يلتقي بامرأة سوداء تقوم باداء عمله نفسه، والقصة مليئة بعد ذلك بالاسقاطات والدلالات العميقة، التي يمكن للقاريء ان يستشفها من مجرد اللقاء البسيط بينهما، ضمن اطار الحيز الصغير الذي يقيمان فيه معا لفترة وجيزة وهناك ايضا حكاية مسلية تعود بالقاريء الى ذلك النوع من قصص الاطفال الخيالية تروي من خلاله اسطورة الجزر الاربع الممتلئة بالاسود والذهب، الاسود القاسية متحجرة القلب، كالمال الذي لايمكن الحصول منه على شيء كالذهب المفترس «هذه الجزيرة مهيأة لكي تقطنها الاسود».. الاسود المتحجرة القلب كالنقود