بيان الكتب: في دراسة منهجية تحاول ان ترصد بدايات استخدام الأغنية في النصوص السردية العالمية والعربية لا تكتفي بتوصيف الظاهرة واستنتاج أشكال وأنماط حضور الأغنية، كذلك التقويم الجمالي الذي يتضمن اصدار أحكام القيمة في المواضع التي استند اليها الباحث السوري ثائر زين الدين في دراسته الجديدة «قارب الأغنيات والمياه المخاتلة.. توظيف الأغنية في القصة القصيرة والرواية»، مشيرا الى ان معظم النقاد وبمختلف مذاهبهم يتفقون على مجموعة من القواسم المشتركة بين الأسلوب القصصي والروائي السردي، كما ان الأغنية تؤدي الوظيفة نفسها في كلا المجالين. وقد تم ذلك سابقا في القصة والرواية العالميتين حيث استخدم موبسان الأغنية في قصته الطويلة «كتلة الشمم» وهي من أولى أعماله وقد نشرها سنة 1880 حيث تمكن موبسان في هذه القصة من افراغ انطباعاته العميقة عن حرب السبعين التي شهدها وشارك فيها. كما تدهشنا محبة شخوص جوركي للغناء وذهابها فيه حتى النشوة والانعتاق من كل قيد. كذلك لا يقل كازنتزاكي عن جوركي اهتماما بالاغنية واستثماراً لها في الكتابة حتى انه لا يوجد عمل لهذا الكاتب إلا وتجد فيه حضورا ما للأغنية وللموسيقى والرقص كما في روايته الأكثر شهرة في العالم العربي «زوربا» والتي يتعامل فيها مع الأغنية كلغة من لغات البشر، حيث تستطيع احياناً ان تكون أكثر بلاغة ونفاذاً في الروح من العبارات العادية. أما جيمس جويس فيستخدم الأغنية استخداماً باهراً في قصته القصيرة «الطين» وهي واحدة من قصص مجموعته «سكان دبلن»، فالقصة واقعية ذات أثر حزين مثير للشفقة وتتناول أحداث يوم اعتيادي نمطي من أيام بطلتها ماريا الفتاة العانس التي تعمل في مصبغة «دبلن تحت ضوء المصباح» حيث تمكنت الأغنية في قصة جويس هذه من المشاركة الفاعلة في تقديم احباطات هذه الفتاة العانس واضاءة جوانب مهمة من شخصيتها ومشكلتها المركزية (العنوسة) وغياب الرجل من حياتها وذلك بطريقة يقوم المتلقي فيها بالبحث والتحليل واعادة التركيب ليصل الى جوهر العمل. وقد حاول الباحث ثائر زين الدين تحديد أنماط عامة تغطي مختلف الأشكال التي يمكن للأغنية ان توظف من خلالها منطلقا من عدد غير قليل من النصوص السردية من منطلق ان الاغنية تحقق الايهام بواقعية النص السردي كما انها بمثابة مفتاح شعري أو موسيقي للنص السردي تسهم في ربط مفاصل النص وتحمل بعداً رمزياً عميقاً.