ماذا يريد محمد أركون بالضبط؟ هذا هو السؤال الذي تبقى اجابته لغزاً رغم اسهامه بأكثر من 11 كتاباً قدمها للمكتبة العربية، أغلبها إن لم تكن كلها، مترجمة عن الفرنسية. ولعل هذا ما دفع مفكراً مثل فهمي جدعان الى وصف اركون بأنه «باحث محير نوعاً ما على الرغم من النفحة الاسلامية الثاوية في كتاباته». ولعل هذا ايضا هو ما دفع هاشم صالح عراب اركون الى التأكيد مرات عدة في مختلف ترجماته على انه ينبغي ان نفهم ان اركون يخاطب في حديثه جمهورين: الجمهور الغربي والجمهور العربي المسلم، وان حديثه الى هذا يختلف عن حديثه الى ذاك، وانه من هنا يحدث التباس في فهم اركون. هذا مدخل يبدو ضرورياً للحديث عن اركون وكتابه «معارك من أجل الانسنة في السياقات الاسلامية» ذلك انه من الصعب فصل الكتاب عن سياق مشروع اركون الفكري ككل، فهو حلقة لا تنفصل عن حلقات هذا المشروع والذي بدأه منذ أكثر من ثلاثين عاماً تحت عنوان عام هو «نقد العقل الاسلامي». نقول ما سبق رغم ان اركون يكرر في كتاباته بين الحين والآخر ما هو هدفه بالتحديد، بشكل يبدو معه للقاريء ان الأمر واضح، غير ان هناك جانباً من مشروع اركون يبقى ضبابياً يجعل الهدف النهائي له غير واضح، ويبدو انه حريص على هذا خاصة انه يلامس بنقده مناطق محرمة ويطرق أبواباً يصعب طرقها قد تفتح عليه معارك، يصرح هو ضمناً في أحد كتبه انه لا قبل له بها! ومن هنا فإن تساؤلنا الذي صدرنا به موضوعنا يبدو مشروعاً ومطروحاً؟ والكتاب يعد، بشكل عام، تأصيلاً لما بدأ به اركون حياته الفكرية من خلال رسالته للدكتوراه والتي صدرت في كتاب تحت عنوان «نزعة الأنسنة في الفكر العربي» متناولاً بالأساس جيل مسكويه والتوحيدي. ويذهب من خلاله الى تبيان وجود مذهب فكري انساني فيما يطلق عليه العصر الكلاسيكي وتحديداً في القرن الرابع الهجري ـ العاشر الميلادي ـ في ظل البويهيين حيث ازدهرت العقلانية الفلسفية والتي نجمت عن تزاوج الفلسفة الاغريقية بالتراث العربي الاسلامي. ويعرض اركون من خلال الكتاب الى المناظرات الفكرية والفلسفية والتي كانت منتشرة وتجري بين مفكرين كبار ينتمون الى مذاهب مختلفة، بل ويعتنقون أدياناً متعددة أو متنافسة ويتقنون علوماً متعددة، ثم توقف هذه المناظرات والحوارات منذ القرن الثالث عشر الميلادي ووصول السلاجقة الى الحكم وضرب الفلسفة والأنسنة والحركة العقلية بمجملها، وفرض مذهب واحد على الجميع بصفته حقيقة مطلقة. وضمن هذا الاطار يشرح اركون الاطر السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المختلفة التي ساعدت على هذا النهوض، مشيرا الى ان هذه الظروف راحت تتضاءل يوماً بعد يوم وتدريجياً حتى وصل الحال الى ما نحن عليه. وفي حين شهد الاسلام الأنسنة قبل ان تشهدها أوروبا في القرن السادس عشر إبان عصر النهضة، فإنها في الأولى أجهضت ولم تدم طويلاً، فيما ظلت في الثانية مستمرة وصاعدة منذ القرن 16 حتى اليوم. وفي سياق تناوله لنزعة الأنسنة في القرن الرابع الهجري يعرض بالتفصيل لكتاب «الهوامل والشوامل» للتوحيدي ومسكويه، و«تجارب الأمم» لمسكويه، و«السعادة والإسعاد» لأبي الحسن العامري، معتبراً انها تمثل شهادة على مدى الكونية والاتساع الذي بلغته النزعة الانسانية في المجتمع البويهي. وهنا يذهب اركون الى القول بأنه إذا ما اتفقنا على القول بأن الموقف الانساني ينبغي له ان يوجد اليوم أكثر من أي وقت مضى في جميع الثقافات، فإنه ينبغي ان نتساءل عن شروط امكانية نشوء وتطور مثل هذا الموقف في مجتمعات اسلامية تشهد اليوم ـ على حد قوله ـ عودة متوحشة ومخيفة للعامل الديني. وهنا يدعو الى نوع من الفلسفة الانسانية الديمقراطية القادرة من وجهة نظره على ان تعوض بقدر الامكان عن الاضرار وأنواع البتر التي لحقت بالمسارات الأصلية والقوى الخلاقة للانسان الباحث عن كينونة أكثر، وسعادة أكثر. ثم ينتقل اركون الى الحديث عن تصوره لدراسة الدين داعياً الى تعليم التاريخ المقارن للأديان لكي نعرف أوجه التشابه والاختلاف بين مختلف الأديان (وهو هنا يوجه حديثه الى الجمهور الغربي)، داعيا في الوقت ذاته الى القراءة التاريخية وليست التبجيلية الموروثة للدين، ويشير في هذا الصدد الى نجاحه في الحصول على موافقة لانشاء مدرسة للدراسات الاسلامية في باريس غير انه يعرب عن خشيته من ان يتسرب اليها من يسميهم التقليديين، مؤكداً على ضرورة منع تعليم الدين على الطريقة القروسطية (القرون الوسطى). وهو يحدد رؤيته لشكل الدراسة الواجبة للدين بأنه تعليم علماني للظاهرة الدينية قائلاً انه كما يتصوره ويمارسه في جميع دروسه ومحاضراته عبر العالم ينبغي ألا نقبل اطلاقاً باعادة ادخال التعليم الديني التقليدي الى المدارس، فهذه نقطة ـ بلغة حاسمة منه ـ ينبغي ان يتفق عليها الجميع وبطريقة فكرية وعلمية لا مرجوع عنها! منبهاً على خطورة ما يدعوه التعليم التقليدي للدين وان ذلك يمكن ان يتحول الى ايديولوجية ظلامية. ورغم ما سبق فإن اركون يعبر عن ايمانه بأن الفكر الاسلامي يمتلك في مساره التاريخي الطويل مرجعيات فكرية رائعة وعظيمة، كما يمتلك الثروات أو الامكانيات البشرية الضرورية التي تمكنه من المساهمة منذ الآن فصاعدا في البحث الكوني عن فلسفة انسانية جديدة. ويدعونا التناول السابق الى التساؤل عن الأرضية التي يقف عليها اركون في مشروعه الفكري: هل هي من داخل الفكر الإسلامي؟.. بمعنى ان نقده العقل الإسلامي يستهدف تحديد ما يمكن ان يعتبر جوانب قصور في هذا العقل لعلاجها وايجابياته لتطويرها والارتقاء بها، أم هو يدعونا الى مشروع علماني ينتهي بنا الى وضع مماثل لما هو عليه الغرب حالياً (وهو الوضع الذي يهلل له هاشم صالح في شروحاته على هامش متن اركون).. يعزز ذلك ان صياغة اركون لمشروعه تخلق الاحساس بأنه يسعى الى استنساخ تجربة التطور العلمانية في الغرب على العالم الإسلامي، وهي التجربة التي وصل فيها الوضع ـ حسب كلام اركون ذاته في الكتاب الذي نعرض له ـ الى ان أصبح التحدث عن الدين علامة على التأخر العقلي لدى رجال الدين في أوروبا! هذا رغم ان اركون يحاول ان يخفف من «جفاف» موقفه بتأكيده على ان العلمنة التي يدعو اليها في العالم الإسلامي ليست مضادة للدين. من الظلم ـ لكاتب هذه السطور ـ ولاركون ذاته، ان يتصور البعض اننا نقدم في هذه العجالة قراءة، حتى ولو مبسطة، في فكر اركون، فهذه مهمة صعبة تتطلب عملاً بضخامة العمل الذي يقوم عليه اركون. غير ان هذه مجرد تساؤلات تبدو مشروعة ازاء مفكر عربي مسلم تقوم منهجيته على التفكيك التاريخي للاسلام، حتى وان كان بالمعنى العلمي للمفهوم. نعود لنقول انه لعل غموض أو عدم وضوح اركون تعود الى طبيعة المهمة التي نذر اركون نفسه لها، وسيطا بين الفكر الاسلامي والفكر الأوروبي، ولاخلاصه لمشروعه هذا فهو يقاتل بشراسة العالم على جبهتين، جبهة العرب والمسلمين، وجبهة الغرب، وهو ما أدى الى ما يعتبره صدور تهمة تكفيره من الجبهة العلمانية في الغرب (ص 289)، ولاشك ان من يدعوهم مسلمين تقليديين لن يتوانوا للحظة ـ لو قرأوا فكره ـ عن اتهامه بالكفر اسلامياً! وهذا هو مأزق المشروع الاركوني. إن الفكر الاسلامي في حاجة بحق، وكما يذهب اركون، الى نوع من الاصلاح واعادة النظر، ولكن ليس بذلك النهج الراديكالي الذي يتبعه، ولعله من الأولى ان نشير في هذا الصدد الى ان اركون كان ينبغي له، فيما لو أراد النجاح، أن يركز على تطوير الصيغ التوفيقية التي طرحها أعلام النهضة العربية في أواخر القرن الـ 19 وأوائل القرن الـ 20 وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده ومن سار في طريقهم، وتوليد صيغة خلاقة تجمع بين أفضل ما في الفكر الإسلامي والفكر الأوروبي. المشكلة ان نهج اركون أدى به وهو المفكر والباحث الجاد والدؤوب في عمله بشكل يحسد عليه، الى لفظه غربياً (وهو يعبر عن ذلك بمرارة تتجاوز مواقف المتطرفين في العداء للغرب، ولعل افضل مثال على ذلك وصفه لردود الفعل حول مقاله في اللوموند بشأن قضية سلمان رشدي). في ذات الوقت أدى به نهجه الى لفظه اسلامياً، ولذلك ليس من الغريب ان نجد هاجس الفشل يسيطر على اركون وهو ما يعبر عن طرحه في عدد من كتبه. وأخشى ما نخشاه ان تنامي هذا الاحساس لدى اركون يؤدي به الى مرحلة التوحد مع التوحيدي والمتهم بأنه احد زنادقة الاسلام الثلاثة الى جانب ابن الراوندي وأبو العلاء المعري، وأنه الاشر على الاسلام ـ والذي يعد الشخصية التي يكن لها اركون كل التقدير الواصل حد التماهي معها، ويقوم في لحظة عدمية باحراق كتبه، كما فعل التوحيدي.. ان لم يكن ماديا فعلى الاقل معنويا! ما نود التأكيد عليه هو اهمية مشروع اركون وخطورته في الوقت ذاته.. وهو ما يتطلب ان يحظى بقراءة نقدية شاملة تتجاوز القراءات الصحفية ـ على شاكلة هذه السطور وتتجاوز القراءات السريعة مثل ما قدمه علي حرب في كتابه «نقد البعض» وجورج طرابيشي في كتابه «من النهضة الى الردة» وغيرهما من قراءات تتناول نقطة هنا او هناك في اعمال اركون وهو ما نأمل ان يتصدى له احد من ذلك الجيش الذي يحلو لافراده ان يطلقوا على انفسهم ألقاب مفكرين اسلاميين!! مصطفى عبدالرازق