يدعي بعض علماء الجيولوجيا بأن النفط لربما يوشك على النفاد، ويدعي غيرهم بأن تلك النبوءة قد تكون خاطئة، هل الأمر بهذا الخطر؟ هذا يتوقف على من سنصدق ... إذا كنت تعتقد بأن وزراء الأوبك هم عصبة من الناس القلقين، فعليك أن تقرأ تقارير مركز تحليل نضوب النفط. حيث ان تلك المجموعة مقتنعة بأن العالم في خطر داهم لقربه من صدمة بترولية سببها ندرة النفط وليس السياسات التي تسيره. لقد تجمع بعض عشرات من أعضاء المركز مؤخرا في قاعة اجتماعات الامبريال كوليج بلندن، من أجل جلسة مخصصة للتخطيط. قاد كولين كمبل الاضواء الكشافة لتلك الحركة، وهو عالم جيولوجيا ومؤلف كتاب «قدوم أزمة النفط»، حيث قدم بيانات تقنية مفصلة دعمت نبوءته المتشائمة. استسخف العديد من الخبراء تحليلات وكالة الطاقة والابحاث العالمية مناقضة فيها وجهات نظرهم. حتى ان د. كامبل قد شجب بقسوة «العرض المذهل للجهل، والتجهيل المتعمد، والانكار والسطحية، والتعتيم المشوش» الذي قدمته الحكومات، والصناعة، اضافة للأكاديميات حول هذا الموضوع. إذا، فالسؤال المطروح، هل البترول بطريقه للنضوب، حقا؟ والجواب سهل وبسيط: نعم، ليس هنالك من يعارض فكرة ان البترول ـ ولكثير من الاسباب العلمية ـ كمصدر غير متجدد، سينضب يوما ما، أكان بعد سنوات أو عقود من الزمن، ولكن السؤال الأكثر صعوبة هو التحديد الدقيق: متى سيحصل ذلك؟ وللاجابة عن هذا السؤال يتوجب قياس ذروة هيوبرت، فما هي؟ يحتل ك. هيوبرت، عالم الجيولوجيا في شركة شل، مركزا اسطوريا بين خبراء نضوب النفط، وكان توقعاته في العام 1956، بان انتاج النفط في الولايات المتحدة سيصل الى ذروته في بدايات السبعينيات، ثم يبدأ بالتناقص ببطء، فيما يشبه منحنى الجرس، وكانت نبوءة هيوبرت في ذلك الحين مثيرة للجدل، وقد رفضها الكثيرون. ولكن، بعد السبعينيات، أكدت الاثباتات العلمية والتجريبية صدق نبوءته، فقد بدا ان انتاج النفط في الولايات المتحدة قد وصل الى ذروته، وبدا بالنكوص منذ ذلك الحين. أكدت تحليلات د. هيوبرت، الملاحظة بأن انتاج النفط في أية بقعة جديدة يرتفع بشكل نمطي بسرعة في البداية، حينما يتم اختيار المنبع الاسهل والارخص. وعبر الزمن، تشيخ المنابع وتبدأ بالنكوص، وبذا فإن ضخ النفط منها يزداد كلفة، وبالتالي يصبح البترول في تلك المنطقة أقل قدرة على المنافسة بالنسبة لأنواع الوقود الأخرى، ومقارنة بمثيله الناتج في بقاع أخرى من العالم. وبالنتيجة يتباطأ الانتاج، وعادة يتناقص تدريجيا، ثم يتوقف. ويتم ذلك على هيئة منحنى بشكل جرس. إن تنبؤه الناجح قد شجع جيلا جديدا من علماء الجيولوجيا على تطبيق طريقته المنهجية على نطاق عالمي واسع. وقد كان بينهم خبراء من مركز تحليل النفط القلقين بسبب اقتراب حلول ذروة الانتاج العالمي في العقد الزمني المقبل. اعتاد د. كامبل، ان يجادل مدعيا بأن تلك الذروة وجب ان تظهر مسبقا وهو يعتقد جازما بأنها على مقربة الآن. انضم مؤخرا لهذه الجوقة المتشائمة مطرب من الوزن الثقيل، وهو كينيث ديفيس، العامل بجامعة برنستون، والذي يجادل بكتابه الجديد «وجهة نظر حول ذروة هيوبرت»، مدعيا بأن ذروة انتاج النفط ستحل في العام 2004. منحنى منزلق هذا يتناقض مع التفكير السائد، فقد جهزت المؤسسة الجيولوجية الأمريكية دراسة مرهقة حول نضوب النفط في العام الماضي (جزئيا لتدفع مزاعم كامبل) مؤجلة الوصول الى ذروة الانتاج لبضعة عقود من الزمن. لقد قامت وكالة الطاقة للتو بتقرير: «النظرة لطاقة العالم» الجديدة، والتي تتنبأ بتلبية الطلب من النفط بشكل مريح حتى العام 2020 بواسطة المنابع المتبقية. أما رينيه داهن ـ احد المدراء الكبار في ايكسون موبيل، فيذهب قدما بالتطمين وهذه سياسة الشركات الكبرى للطاقة، ويصر بأن العالم سيبقى مغمورا بمنابع النفط للسبعين سنة المقبلة. مازال النفط يتدفق في مجال التثبت من تلك الآراء المتضاربة بشكل شديد، من المفيد ان ننظر الى الخلف، للتاريخ المؤلم للتنبؤ بمستقبل النفط. كان الميالون للندب يتنبؤون بآبار ناضبة منذ السبعينيات، ولكن ما يزال النفط يتدفق متفجرا حتى الآن. وأجمعت كل التنبؤات التي تمت بعد السبعينيات بأن الحديث عن أزمة نفطية هو أمر مبالغ بالتشاؤم. لقد تصورت وزارة النفط والطاقة الامريكية بأن أسعار النفط ستصل الى 150 دولارا للبرميل (بأسعار عام 2000) وحتى ايكسون تنبأت بسعر مشابه (100 دولار). ويجد م. لينش من احدى الشركات الاقتصادية التي كانت واحدة من المؤسسات التي سمت الامور بمسمياتها الحقيقية، في ورقة علمية نشرها مؤخرا، بأن اثبات الأخطاء المنحازة والمتكررة، والتي تقترح بأن الاخطاء الحقيقية. وبشكل أخص، انه يخطيء المتنبئين الذين استخدموا التحليلات بطريقة هيوبرت لاعتمادهم على تقديرات ثابتة للكم من النفط الممكن استخدامه بالنهاية: تحت الارض، برطانة الصناعة، ذلك الرقم الذي يصر انه فعلا رقم ديناميكي، عندما ترفع التحسينات في البنية التحتية، والعلم والتقنية، من مقدار النفط المسترد. هذا يشير الى من سيحدد بالواقع أكان المتشائمون أم المتفائلون هم على حق، انها الاختراعات والابتكارات التقنية. يميل المعسكر الاول لاهمال الادعاءات بأن الثورة التقنية قادمة في تلك المناطق من مثل التنقيب والحفر في المياه العميقة، وتنشيط الاستحصال. يجادل د. ديفيس انه قد تم انفاق مليارات الدولارات على الصناعة للتو بغية تطوير التقنية، فمن الصعب السؤال بيومنا هذا الحصول على تقانات جديدة، حيث ان أغلب «العجلات» قد اخترعت للتو. بينما يناقش المتفائلون بنجاعة التقانة، بأن الثورة التقنية في مجال النفط تبدأ لتوها الآن. ان معدلات الاستخلاص (مقدار البترول المعلوم في المصدر مقسوما عليه ما يمكن فعليا ان ينتج صاعدا الى السطح)، هي فقط 3430% في حين يعتقد المتفائلون بالصناعة بأن التقنيات الجديدة التي لا تزال على أوراق التصميم بعد، يمكنها ان ترفع تلك النسبة الى 605% خلال عقد من الزمن. وبأخذ سجلات التاريخ المدهش للصناعة في مجال الابتكار سيكون من الغباء ان نقامر عكس ذلك. وهناك عامل آخر، ان حركات التأميم التي جرت في السبعينيات قد فرضت على الشركات الكبرى تطوير مصادرها في مناطق صعب الوصول اليها، او مكلفة، من مثل بحر الشمال وآلاسكا، مما يناقض افتراضات د. هيوبرت بأنه يجب تطوير المصادر الرخيصة في البداية. ان التوظيفات المالية الناتجة قد خفضت من كلفة البحث، وتطوير الآبار، على مدى العقدين الزمنيين الاخيرين، مما يزيد على 20 دولارا، الى 6 دولارات للبرميل الواحد لقد انخفضت كلفة انتاج النفط الى النصف، أي الى ما يقل عن 4 دولارات للبرميل. مثل تلك المعجزات لن تأتي مجانا حيث ان غالبية ما ينتج من نفط في عالمنا الآن يأتي من آبار هرمة، ويتناقص مردودها بسرعة. تستنتج وكالة الطاقة بأن انتاج النفط العالمي ليس مقيضا له الوصول للذروة في العقدين الزمنيين المقبلين، اذا تمت التوظيفات المالية المناسبة. اذا ما هو المبلغ اللازم؟ اذا رغبت شركات النفط بتعويض الناتج الذي فقد نتيجة هرم تلك الآبار، وتلبية الطلب المتزايد دوما في العالم، فالوكالة تتوقع ضرورة توظيف تريليون دولار (ألف مليار) ضمن الدول التي خارج مجموعة الأوبيك عبر العقد الزمني المقبل وحده. سعد بساطة