ليست مشكلة النفاق جديدة على مجتمعاتنا، فقد عانى منها المسلمون الأوائل وشكا منها المخلصون من دعاة الصدق والوفاء والأمانة، كانت صغيرة محدودة بصغر المجتمع وضيق حدوده، فكبرت بكبره واتسعت باتساعه وانتشرت بانتشار أراذله، حتى عمت وطمت، وأخذت تطال أرقى منافذ الحياة ونواحيها، مارسها الفقير للبقاء، والغني للاستغناء، والسياسي للولاء، ولولا عظم خطورتها ما وصف تعالى مكانة أصحابها بأنهم في الدرك الأسفل من النار وأخطر ما في هذه المسألة أن تصبح صديقة البشر، تنتقل إلى أسرهم، وتعيش في أسرتهم وتعمل على نشر الخلاف بينهم. تفرق الأزواج، وتزعزع الاستقرار، وتقتل الثقة، حتى أصبح صاحب كلمة الحق منبوذا وغريبا وما أشقى صاحبها حين يداوم استهلاكها، يرمي بها من وثق به وترميه شر رمية، من حيث لا يدري أن عاقبتها وخيمة. تروي لسانه وقلبه يردد اللعنة، ويبسم وجهه وفي نفسه لو انه تمكن من الطعن. وقديماً وصف الشاعر حالة أحد المنافقين قائلا: يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب وللوقوف على هذه المشكلة الاجتماعية لكان ل«دنيا الناس» هذه الوقفة يقول وائل عبدالسلام ـ موظف: من أعظم آفات المجتمع الذي نعيشه في حاضرنا النفاق تراه ظاهرا أينما ذهبت وفي جميع الأماكن الموظف أمام مديره والعامل أمام صاحب العمل والمرؤوس أمام رئيسه ولست أدري كيف انتشرت هذه السلبية في مجتمعاتنا الاسلامية هذا الانتشار الواسع وكثيرا ما حذر شرعنا الحنيف من هذه الآفة التي تحمل سلبيات كثيرة ولها نتائج وخيمة تعمل على هدم المجتمع والصلات والروابط الاسرية التي من شأنها بناء جيل فاضل يحمل كل خير ويبتعد عن كل سوء وخطر المنافقين أشد وأكثر من أولئك المجاهرين في الأمر فأنت تعرف خصمك غير انك لا تعلم ان كان صديقك ينافق في وجهك ومن ثم يطعنك في ظهرك أم انه فعلا صديق، ولقد كان الناس فيما سبق من عصور ان الاصل عندهم كون المرء صادقا ووفيا حتى يثبت عكس ذلك من كذب ونفاق وخداع وعندها يسمى منافقا أما في وقتنا هذا فأرى انه من الواجب على كل منا ان ينظر للناس ككل بأنهم منافقون حتى يظهر ويثبت له عكس ذلك وهو الوفاء لانه قد عم الامر وأصبح من الصعب ان تثق بكل الناس ما لم يثبت صدقهم. ويضيف وائل: وأعجب أكثر ما أعجب من الرجال أو النساء الذين ينافقون على بعضهم البعض فترى بعض الرجال يخدعون زوجاتهم في نفس الوقت الذي ترى لسانهم يقطر عسلا وكلاما حلوا ومعاملة تجعلك تندهش ولابد من وراء ذلك أمر وغاية فإذا ما بلغها انكشف الحجاب وظهر الامر على حقيقته ولقد ظهرت في بعض المحلات التجارية ظاهرة تحمل الخداع والنفاق في سبيل توريط الزبون ببضائع فاسدة أو لا تستحق ذلك السعر فيتفق صاحب المحل مع رجل آخر يطلب منه الدخول عليه اذا ما دخل الزبون فتراه يشتري نفس الحاجة الذي يريد الزبون شراءها بالسعر الذي يضعه البائع أو يرغب الزبون بأن يشتريها بقوله والله بضائع ممتازة وجيدة ورخيصة ولم أجد في السوق أرخص منها وقد سبق واشتريت منها ... إلخ، فيتورط المسكين وبعد خروجه يرى انه قد غش. هذه احدى الظواهر السلبية للنفاق ايضا وله أشكال كثيرة غير انها هدامة للمجتمع كله. ما أكثرهن وتقول فدوى الحسيني ـ موظفة: قد تكون هناك حالات يدخلها نوع من النفاق بين الزوجين غير ان هذا الامر صعب ولا يطاق ولست ادري كيف تعيش المرأة مع رجل منافق يظهر ما لا يضمر فربما يوهمها بحبه طوال سنين حياته غير انه لا يحبها في الحقيقة وكذلك الطرف الآخر فهناك الكثير من النساء والفتيات اللاتي يدعين الحب ويظهرن لازواجهن انهن يحبونهن غير ان الحقيقة تخالف ذلك فقد يكون التصرف عكس الكلام وهذا ايضا نفاق فهي لم تتزوجه إلا لماله أو لغاية في نفسها وأظن ان للنفاق أقساما فمنه ما يكون بالكلام كأن يقول أحد غير الحقيقة بغية الاضلال والتخفي وقد يكون بالفعل فتراه يتصرف تصرفا يثير الشكوك ومخالفا كل أقواله وهذا أمر صعب فكما انه بالتصرف تستطيع أن توصل ما تريد من حب للطرف الآخر وهو أقوى من حب الكلام، فحب الافعال يجمع الكلام ويدلل عليه بالفعل اما الكلام فلا يحمل إلا سمة الكلام فكذلك الفعل الذي يحمل النفاق تراه سريعا ما يثبت عكس الحروف وعكس الكلام. ويقول عبدالله غسان الجباوي ـ مدير تجاري: ينبغي التنبيه على ان النفاق من المعوقات الرئيسية للحياة الزوجية وينبغي التحذير منه لانه السبب الرئيسي في ضياع الحب وحصول الانفصال فاسأل ما تريد لكن لا تخفي وراءك شيئا وأنت تعلم حقيقته، تعلم كيف تكون واضحا وصريحا فالحياة الزوجية بحاجة للوضوح، تعلم كيف تحاور وتعبر عن مشاعرك وتسأل ما تريد فكلما زاد النفاق بين الزوجين زاد الخلاف وكلما زاد الخلاف تباعد الحب وكلما تباعد الحب تباعدت الارواح وهذا الذي يوصل الى وجود أجساد قريبة بأرواح متباعدة. الخلاف يحتاج الى شخصين بينما ايقاف الخلاف يحتاج الى شخص واحد فقط وافضل حل للخلاف هو تأجيل الحديث لوقت آخر تكون فيه النفوس غير متوترة أو قلقة، وقتها يمكن ان يبدأ حوار أو تفاوض يزيل الحواجز التي بناها ذلك الخلاف الذي نتج عن عدم الثقة التي أصبحت متبادلة بين الزوجين بسبب النفاق أو المراوغة أو الخداع. سمة العصر ويقول الشيخ عبدالرحمن خلف: لقد أصبحت وللأسف صفة النفاق هي السمة الغالبة في المجتمع وذلك حرصا على المصالح الخاصة فأنت ترى مظاهر النفاق في كل مكان، وأصبح الجهر بالحق والحقيقة من أصعب الأمور، وهجر الناس النصيحة والمصارحة، وركنوا الى النفاق لانهم استحسنوا طريقه واستسهلوا سبيله آخذين بمبدأ «دارهم ما دامت في دارهم وأرضهم ما دمت في ارضهم» ورأوه يوفر عليهم كثيرا من العناء غير آبهين لما ينتظرهم من عذاب وحساب في الآخرة (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون). إن هذه الصفة البغيضة والتي قد يسميها البعض «مجاملة» لها نتائج سلبية على واقع الفرد والمجتمع، ذلك انها تقلب الموازين فيصبح الباطل حقا والمخطئ مصيبا ويغدو الشر خيرا والسوء حسنا وتقتل في الناس روح المنافسة الشريفة، فبدلا من ان يكون الشخص عامل خير يرى الفضيلة فيفرح لها ويشجع فاعلها ينقلب الحال ليصبح زاهدا فيها هازئا بمن يتخلق بها، في حين انه يمدح من يسيئ طمعا في تحصيل منفعة ويشجع من يظلم ويفسد لينال عنده الحظوة. مسئولية كبيرة ويضيف: أما الأسرة والتي نحن بصدد الحديث عنها فانها صورة مصغرة عن المجتمع الذي نعيشه وهي مرآة تعكس حال الناس فصلاح الاسرة صلاح المجتمع والعكس صحيح وبداية الاسرة من الزوجين اللذين قد يصبحان فيما بعد ابوين فهما اساس الاسرة واخلاقهما وسلوكهما ينعكس ايجابا أو سلبا على باقي افراد الاسرة. فكلا الزوجين مكمل للآخر، وكل واحد منهما قد أنيطت به مسئولية لا تقل عن الآخر حيث يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها ... إلخ» فإذا رأى الرجل اعوجاجا في أهله فينبغي عليه أن يسعى لاصلاحه بالحكمة والموعظة الحسنة لا يمنعه عن ذلك حبه لزوجه ولا يثنيه عن اصلاح الخلل شفقته على حليلته ورفيقة دربه بل ان الدليل على حبه لها والمؤشر الواضح على رأفته وشفقته عليها ان يوجهها الى ما فيه صلاح امرها واستقامة حالها الامر الذي يؤهلها لتكون أمّاً صالحة تربي أولادا سيكونون شباب الغد ثم رجال المستقبل لا ان يجاملها وينافق ويواري خوفا من شيء أو اتقاء لآخر ورحم الله شوقي حيث يقول: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق وبالمقابل لا تقل الزوجة مسئولية عن الزوج فقد يكون الزوج مسرفا على نفسه مغضبا لربه مقصرا في حق اسرته فيتوجب على الزوجة حينها ان تدلي بدلوها نصحا لزوجها واستعطافا لقلبه بالحكمة واللين من خلال تذكيره بأنه كبير الاسرة والقيم عليها وبأنه رجل البيت لا يمنعها من ذلك سطوة الزوج وقسوته فإذا كان هذا حال الاسرة (الحرص من الجميع على القيم والاخلاق والفضائل والتمسك بها) فإن الله تعالى لن يخيبهم ويضيعهم وسيحصدون ثمار ذلك الجهد وبالتالي ستقوم الاسرة بتأدية واجبها مما يعود بالخير على الفرد والمجتمع. قليله مقبول ويقول الدكتور عدنان فضلي ـ طبيب نفسي: النفاق هو ان يظهر المرء غير ما يخفي وهو مشكلة المجتمعات بجميع فئاتها ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، ويوميا نشاهد الكثير الكثير من مواقف لا تحمل في طياتها إلا النفاق فترى مواقف لكثير من الرؤساء والزعماء والقادة تحمل النفاق وهو ما يسمى بالنفاق السياسي فهو فن يتلاعبون به على الشعوب وترى النفاق الثقافي واضحا في شاشاتنا الفضائية حيث نشاهد مذيعة ما تقدم لنا فلانا من الناس تصفه بأوصاف غريبة وتقدم له مقدمة وكأنه رجل العلم والثقافة وهو لا يتعدى كونه يحمل شهادة لا يعلم عن مضمونها شيئا وأما النفاق الاجتماعي والذي يحصل بين الافراد والناس داخل المجتمع للوصول لغاية ما أو تسهيل أمر صعب عليهم أو للحفاظ على سلامة المصلحة وكل ذلك مرفوض أخلاقيا ولا يقبله كل صاحب ضمير وعقل وأخلاق فهو مأساة العصر ولقد حورب من قبل شريعتنا السمحاء ووصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله «آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف واذا حدث كذب واذا ائتمن خان» واذا ما أردنا الحديث عنه كحالة مرضية فردية يكون متمثلا في كون هذا الشخص منافقا في أكثر أقواله وأفعاله وهو ما يسمى بلغة الطب النفسي الشخصية المعتلة فترى النفاق جزءا من شخصيته ثابتة معه سواء مع زوجته او اصدقائه او بقية افراد الاسرة والمجتمع وهو يشير الى اختلال في تركيبته الشخصية التي يرجع جذورها الى الطفولة والتربية منذ الأيام الاولى اما اذا كان الامر قليلا لا يرقى الى الاستمرارية فلا بأس به لانه يكون وقتها كالملح للطعام قلته ضارة ككثرته. فالزوجة تحب ان تسمع من زوجها كلمات الحب والحنان والشوق بين الفترة والاخرى وقد يكون الزوج حينها غير متهييء لذلك فيقول ذلك الكلام لسد الحاجة واتمام مسيرة الحياة ولا يعني ذلك انه لا يحبها اصلا فالزوجة تعرف معرفة تامة ان كان زوجها يحبها ام لا ولن يستطيع اي زوج خداع زوجته فترة طويلة مهما كان دهاؤه وذكاؤه فحاسة المرأة واستشعارها بخصوص هذا الامر تفوق التوقعات وكما يقال ما خرج من القلب يدخل القلب. الترزق به ويضيف اما بالنسبة لمن يجعل من ذلك الكلام الجميل عملا له ويتخذه مذهبا بشكل يظهر وضوحه وكثرته ويبالغ فيه فهو عادة يكون لاخفاء نوازع داخلية جراء عمل ما قام به او خيانة فأراد ان يستر عليها باظهار هذا الكلام وتكراره لشعوره بالاثم فيخفي ذلك بمثل هذا النوع من النفاق.وكلنا يعلم مشروعية الكذب المباح للاصلاح والتوفيق ورفع المعنويات كأن يذهل الرجل لزيارة والدته ويعود الى زوجته ويقول لها لقد مدحت امي بما تصنعه يداك من طعام وقالت انه لذيذ وشهي هذا النوع من الكلام قد يزيل حواجز وعوائق وهو ما اباحه الشرع الحنيف وبالنسبة للمنافق فهو يدلل بذلك على ضعف شخصيته ويبدو ذلك مع الانسان في السنين الاولى من عمره ويكتسب ذلك من اهله ويسمى ذلك الوراثة النفسية فيرى الطفل مشاهد كثيرة امام عينيه فيتقمص دور الام والاب فالطفلة مثلا عندما ترى امها تمدح جارتها امامها وأثناء زيارتها وبعد عودتها تبدأ بذمها والكلام عليها فهذا امر لن يمر على الاولاد دون ثبات وتوقف ومثل هذا يورث عند الاطفال مثل تلك الطباع السيئة. وأما دواء هذا المرض الاجتماعي فهو يتمثل بالرجوع الى ديننا وتثبيت الايمان في قلوبنا وتطبيقه عمليا في معاملاتنا وتصرفاتنا والحث عليه بهذا فقط نستطيع التغلب على النفاق بجميع اتجاهاته ومراحله وعلى غيره من العادات السلبية السيئة. محمد زاهر