في الطرف الجنوبي الغربي من المنطقة الصحراوية الواقعة شمال ولاية اريزونا الامريكية يوجد بركان خمد نشاطه منذ زمن بعيد يعرف باسم «رودن كريتر» ومنذ عام 1972 يعكف أحد النحاتين الامريكيين، وهو جيمس تيريل بمساعدة ورعاية جهات دولية معنية بفن النحت والفنون المعمارية والتشكيلية بشكل عام، على تحويل فوهة هذا البركان الى عمل فني هائل وفريد من نوعه يرتبط بالفضاء المحيط بالمنطقة من سماء وأراض وشمس وقمر ونجوم من خلال الوسائط الضوئية الطبيعية المتمثلة في ضوء الشمس أثناء النهار وسنا القمر والنجوم اثناء ساعات الليل. وقد بدأ تيريل حياته المهنية في أوائل الستينيات من القرن الماضي في ولاية كاليفورنيا كأحد قادة مجموعة جديدة من الفنانين التشكيليين والمعماريين الذين يستخدمون الضوء والفضاء كأدوات أساسية في أعمالهم النحتية والمعمارية. وقامت معظم أعمال تيريل على توضيح وابراز الوجود المادي للضوء والارتقاء بالادراك المرئي للانسان المتذوق للفن خلال العقدين الماضيين انتشرت أعمال هذا الفنان التي تحمل هذه الرسالة ولاقت ترحيباً كبيراً في أكبر المتاحف الفنية في مختلف أرجاء المعمورة، وعلاوة على ان بعض المدن قامت بشراء أعماله لتكون جزءا لا يتجزأ من المعروضات الفنية بمتاحفها. والآن يقيم تيريل في مدينة فلاستاف بولاية اريزونا الامريكية ليشرف على تنفيذ الانتهاء من أهم مشروعاته الفنية، والذي اطلق عليه «مشروع رودن كريتر». ويعتمد هذا المشروع على بناء صرح معماري على فوهة بركان يحتوي بداخله على مجموعة من الغرف والممرات والأنفاق والفتحات تتصل مباشرة بالسماء من خلال الفوهة التي يبلغ ارتفاعها حوالي 400 قدم. وتتميز المساحة الموجود بها البركان بأنها منطقة ثرية للغاية من الناحية التاريخية، حيث كانت تمثل نقطة التقاء بين قبيلتين عاشتا هناك منذ قديم الأزل وعمرتا مساحات شاسعة من الغرب الأمريكي في مرحلة ما قبل التاريخ. ومن الناحية الجيولوجية تعتبر هذه المنطقة احدى المناطق القليلة التي تحتوي على براكين خامدة في الولايات المتحدة، وتعد ايضا من أكثر المناطق وعورة، إذ تقع على ارتفاع ميل عن سطح البحر وفي أحضان مساحة صحراوية ترتفع فيها درجة الحرارة في ساعات النهار الى 104 فهرنهايت، في حين تنخفض الى ما دون الصفر اثناء الليل. وفي ظل كل تلك الظروف الصعبة، قرر تيريل ان يبدع تحفته الفنية التي من المنتظر ان ترى الضوء وتستقبل الزوار مع بداية عام 2004 لتكون احدى الروائع الخالدة التي قد تقف في نظر البعض على قدم المساواة مع الآثار العظيمة التي بنيت منذ ألوف السنين مثل الأهرامات المصرية، لاسيما وان تيريل راعى ان تنسجم تصميمات هذا العمل الفني مع المقاييس الفلكية بعد استعانته بخدمات عدد من علماء الفلك البارزين في العالم. فقد راعى الفنان ان يلعب كل جزء من أجزاء هذا العمل الفني دوراً بارزاً في اظهار الانسجام والتناغم مع الظروف الفضائية والكونية المحيطة، فالسلالم الموجودة في المبنى تم توظيفها لتكون بمثابة رئة ينفذ من خلالها الضوء الى الأجزاء الداخلية من الصرح، في حين تعمل أحواض الماء التي سيتم وضعها في الداخل كعدسات تعكس هذا الضوء، سواء أكان ضوء الشمس أو سنا القمر أو النجوم، وتعمل الانفاق دور الكاميرا التي تقوم بتضخيم وتكبير صورتي الشمس والقمر، وتم تصميم الاجزاء الداخلية من هذا الصرح الفني بشكل دقيق للغاية كي تسمح بمرور الضوء الطبيعي الصادر عن الشمس والقمر والنجوم بشكل وافر ينير جميع اجزاء المبنى، وكلما تغير الضوء بمرور ساعات اليوم سيتغير تبعاً له شكل وألوان المساحات الداخلية للمبنى حتى يظهر التناغم والتناسق بين مداخل ومخارج المكان. ولم يكتف تيريل بذلك، ولكنه عمل عن طريق استخدام تقنيات فنية متنوعة على ايجاد ما يعرف بالخداع البصري بين ثنايا المبني، وهو بذلك يأمل في ايجاد تفاعل أكثر بين الزائر أثناء وجوده في المبني من الداخل والسماء المحيطة بالمبنى من الخارج، حيث يعمد الى ان يجعل الزائر يشعر ان المسافة الموجودة أمام عينه عبارة عن سراب، ومن ثم وضع الزوار في قالب واحد وبوتقة واحدة مع الشمس أو القمر مما يجعل الزائر يشعر بأنه قريب للغاية من الشمس أو القمر لدرجة انه يستطيع ان يمسك بهما بيده. هذا العمل الأثري الغريب من نوعه يقوم على مخاطبة الادراك الحسي للانسان وبيان كيف يلعب هذا الادراك دوراً حيوياً في تحديد ورسم معالم الخبرات التي يكوّنها الانسان على مر السنين، فعندما يشعر الزائر بأن السماء هي سقف المكان الذي يقف فيه، فإن الأمر، من وجهة نظر الفنان، يعطي انطباعاً مختلفاً عن السماء المعتادة رؤيتها من قبل الشخص نفسه كل يوم. لذا فإن هذا العمل الأثري ليس أثراً بالمعنى التقليدي المعروف، والمعروف لكلمة أثر، فهو لا يرتبط باحياء ذكرى معركة أو يدور حول سرد تاريخ شخصية مشهورة، ولكنه أثر يخاطب حدس الانسان وحواسه. ويجري الآن العمل على الانتهاء من الجزء الأكبر من المشروع الذي سيتم استخلاص النسبة الأكبر من المواد الخاصة ببنائه من المنطقة التي يقع بها من أحجار رملية وبازلت ورماد وغيرها. ويبعد المشروع مساحة 50 ميلاً عن مدينة فلاستاف، وهو الأمر الذي لا يجعل الوصول اليه سهلاً إلا لمن يتحلون بالصبر ولمن لديهم الامكانات اللازمة للتغلب على وعورة المكان. وليست هناك حتى الآن اقتراحات لبناء طريق ممهد يصل بالمكان الى العمران، الأمر الذي يهدف الى جعل المشروع مميزاً في كل شيء وجعل زيارته مقصورة على من يتكبد مشقة الوصول اليه والاستمتاع بما فيه من تقنيات بنائية ومعمارية وفنية فريدة. حاتم حسين