ثمة علاقة مركبة وشائكة تقوم على الجدل والشك، تنشأ عادة بين المبدع وجمهوره من جهة، وبينه وبين العوالم التي يقوم بتخيلها من جهة أخرى، وهي العلاقة ذاتها التي تناولتها واكتملت بها تفاصيل مسرحية «الممثل» التي قدمت من الساحل السوري ضيفة على دمشق لمدة ثلاثة ايام، حيث تم عرضها مؤخرا على مسرح اتحاد نقابات العمال ضمن عروض المسرح القومي. المسرحية ذات فصل واحد، وفكرتها الاساسية مستوحاة من احدى قصص الكاتب الروسي تشيخوف، قام بمسرحتها بشكل جماعي كل من مخرج العرض لؤي شانا، وبطله حسين عباس، والمخرج المساعد احمد قشقارة، وتدور الاحداث حول ممثل يقف على الخشبة ويستعد لاختيار وتحضير مقطع تمثيلي، ليقدمه في حفل تكريمه، وانطلاقا من هذه اللحظة القلقة ينقسم العرض الى حواريتين، احداهما تنشأ بين الممثل وعامل التنظيفات في المسرح، والاخرى تنشأ بين الممثل والشخصيات التي يحار باختيار واحدة منها. الحوارية الاولى تمدنا بمعلومات حياتية عن وضع الممثل فهو رجل خمسيني يعيش وحيدا بلا اسرة، ويعمل في المسرح منذ اكثر من ثلاثين عاما، خلالها قدم الكثير من الادوار التراجيدية والكوميدية التي أعجب بها الجمهور كثيرا وصفق لها طويلا، لكنه حين أحب واحدة من معجباته ورغب في الزواج منها، اشترطت عليه ان يترك المسرح كي تقبل به، وفي هذه الحوارية نقرأ غربة المبدع وعزلته الداخلية، وعلاقة التشكيك وعدم الاحترام الضمني لمن وهبهم فنه وحياته. أما في الحوارية الثانية حيث يظل الممثل حائرا وسط شخصيات أدبية عملاقة تأتيه وتقنعه بأن يقدمها في حفل التكريم، وهي: نيرون، الملك لير، عطيل، هاملت، طارق بن زياد وعنترة لكن الممثل يختار شخصية أوديب لانها تشبهه على الرغم من ممانعتها اختياره لها، ومنذ تلك اللحظة يبدأ المنحى الفلسفي الذي يغوص من خلاله العرض بمسائل وجودية تتعلق بعلاقة المبدع بأناه وعالمه الداخلي وقدره. وانسجاما مع طبيعة العرض المركبة والمتعددة المستويات، أتت اللغة كذلك متعددة بمستوييها الحياتي والثقافي، ففي الحوارية الاولى جاء الحديث بسيطا وعفويا وباللهجة المحكية بمستواها الحياتي المعاش، أما في الحوارية الثانية فقد جاء الكلام فصيحا ورفيعا، متعدد الدلالات ويحمل في تضاعيفه خبرة ثقافية راكمتها السنون، وانسجاما ايضا مع هذه التعددية اتبع المخرج اسلوب المسرح داخل المسرح، لينتقل بيسر بين عالم الشخصية الخارجي وعالمها الداخلي، وابتكر الكثير من الحلول الاخراجية الداعمة لهذا التداخل والتراكب الذي فرضته طبيعة النص. في هذه المسرحية التي تطابق زمن عرضها مع زمن الكتابة، ولم يتجاوز الساعة من الزمان، سار العرض وفق اصول المسرح الكلاسيكي، بمعنى رفع الستارة في البداية واسدالها في النهاية، وهو أمر نادر حدوثه في العروض السورية، وسار في فضاء مسرحي تحده الستائر السوداء ويقع في زاويته الخلفية كرسي ملكي، تحده من الجانبين اشكال خشبية تشبه الصبان، علقت عليها ملابس الشخصيات في نهاية الحوارية الاولى كأنها روح الممثل، وحين جلس الممثل في نهاية الحوارية الثانية على الكرسي، بدا وكأنه يجلس على عرش من الاوهام والاخيلة، وفي هذا كله كان للعبة الاضاءة والموسيقى دور درامي مهما في رفد الممثل بمناخات نفسية خصبة وايحاءات بصرية موازية للأداء. الأداء التمثيلي سار بحدوده الوسطى التي استطاعت ان توصل الفكرة والحالة بشكل لائق ومقبول، ولكن دون بصمة ابداعية خاصة أو توصيل لافت لبعض اللحظات النفسية الشديدة التعقيد والغنى التي وقف على أعتابها «الممثل». دمشق ـ تهامة الجندي