ساهمت امكانية التحكم في جينات الفيروسات، والبكتيريا أو الطفيليات الضارة في مساعدة معامل الابحاث وشركات الدواء من أجل انتاج أنواع جديدة من اللقاحات. وقد أصبح الباحثون قادرين على خلط جينات الفيروسات أو البكتيريا، كما أصبحت لديهم القدرة على ادخال الجينات في بعض الكائنات الفيروسية أو البكتيرية غير النشطة. وبالتالي فإنه يمكن استخدام الفيروس الناقل للعدوى مع عزل المادة المعدية المؤثرة على متلقي اللقاح حيث يتم تطعيمه بعدد معين من جينات عامل آخر. ومما سبق يتضح لنا ان الفيروس أو البكتيريا يتحول الى لقاح يحتوي على جينات مضادة لخدمة جهاز المناعة.وقد تم تسويق أول لقاح بكائنات حية معدلة الجينات وهو لقاح بيطري يؤخذ عن طريق الفم لحماية الثعالب من السعار. وتقوم حاليا خمسة معامل في معهد باستور بباريس باجراء أبحاث لاعداد لقاحات تجمع بين الأمراض التالية: السل والسالمونيلا والادينوفيروس. أما بالنسبة لمرض الايدز، فقامت شركة باستور ميركس بليون باجراء تجربتين حول انتاج لقاحات معدلة الجينات باستخدام فيروسات وذلك لاختبارها على متطوعين اصحاء غير حاملين لفيروس الايدز، علماً بأنه يتم اختيارهم بدقة متناهية. هذا ويتم اجراء تلك الاختبارات بالتعاون مع كل من الوكالة القومية لأبحاث الايدز ومعهد باستور وذلك في اطار دراسة انعدام المناعة وخواص الجهاز المناعي. ساعدت عمليات عزل واستنساخ الجينات الخاصة بمضادات الفيروسات، والبكتيريا والطفيليات على دخول مرحلة التصنيع البيولوجي، وتشرح مهندسة الابحاث قائلة: «انه يتم ادخال الجين الخاص بمضاد معين في كل من البكتيريا، الفطريات أو الخلية الحيوانية من أجل الجين المضاد». ويقوم تيلاس بادارة المعمل حيث تم انتاج لقاح فرعي خاص بمرض التهاب الكبد بي (والذي يعاني منه 300 مليون شخص في العالم). وجدير بالذكر انه تم انتاج هذا اللقاح من خلايا عضو التأنيث لحيوان «الهايمستير» الصيني حيث تم تعديل الجينات. وقد قامت معامل الشركة بتسويق هذا اللقاح عام 1989. ومن المنتظر ان يتم خلال السنوات الخمس المقبلة انتاج لقاحات خاصة بالأمراض التالية: الملاريا (ثلاثة ملايين حالة سنويا)، حمى الضنك والـ «بي.سي.جي» (ثلاثة ملايين حالة وفاة أخرى). وقد استطاع المتخصصون في مجال البيولوجية ايجاد ثلاثة أنواع اخرى من اللقاحات الفرعية وهي لقاحات تحتوي على ذرات غير مركبة، لقاحات متداخلة ولقاحات مهجنة. فنجد انه يمكن التعامل بسهولة مع الذرة غير المركبة والمعزولة عن طريق استخدام مادة مساعدة منشطة من شأنها زيادة معدلات المناعة. ويتمثل هذا النوع في لقاح التيتانوس والذي قامت الشركة بتسويقه منذ 40 عاماً. أما اللقاحات المتداخلة فهي التي تتطلب تدخلا كيميائيا لربط جزيئات الجينات المضادة مع عنصر بروتين حامل. وفي المعهد يتم اجراء تجارب المرحلة الثالثة في السنغال حول لقاح فرعي متداخل خاص بالسعال الديكي. وتهدف هذه التجارب الى المقارنة بين فاعلية اللقاح الذي قامت الشركة بانتاجه واللقاح التقليدي بنظام الخلية الكاملة. وفيما يتعلق باللقاحات المهجنة فلم يتم انتاجها بعد. وهي تعتمد على اجراء لقاح جيني بين جزيئات الجينات المضادة المنتقاة من مختلف الخلايا مع عنصر بروتين حامل، وسيسهم هذا الاجراء بتوفير مناعة في وقت واحد لكل من الايدز والتهاب الكبد بي على سبيل المثال. وفي بداية التسعينيات، تم التوصل الى اكتشافين هامين كان من شأنهما فتح آفاق جديدة لفرق الابحاث في مجال اللقاحات، فقد ثبت ان اجراء حقن عادي في العضل أو قذف لجزيئات على البشرة يسمح بادخال مادة الـ «دي.ان.ايه» في النسيج وتفاعلها داخل خلايا هذا النسيج. ومن جهة اخرى، أثبتت التجارب التي تمت في مركز الابحاث ميرك في الولايات المتحدة ان أي بروتين غريب قادر على احداث مناعة قوية مماثلة للمناعة الناتجة عن حدوث عدوى فيروسية. وتوضح د. ماري لويس قائلة: «لم يعد يتم اجراء عمليات حقن لمضادات الجينات فقط أو للأنواع المحمولة داخل بكتيريا أو فيروس. فالتطور الجديد يعتمد على اختيار بعض خلايا جسم الانسان وبخاصة خلال العضلات للقيام بادخال الجين الخاص بلقاح الجين المضاد. وبالتالي يتم انتاج اللقاح داخل الجسم المطلوب توفير مناعة له. هذا ويقوم فريق الطبيبة ماري بالتعاون مع معمل جامعة أوتاوا من أجل انتاج لقاح بقاعدة «دي.ان.ايه» مجردة لعلاج مرض التهاب الكبد بي. وقد تم تنفيذ التجارب على الفئران والفصائل العليا (القردة، الانسان) حيث أثبتت تلك التجارب امكانية انتاج جين مضاد بطريقة طبيعية، أي انه مماثل للجين الذي يقوم الجسم بانتاجه وقت حدوث العدوى. أما عن الميزة الثانية فهي تعرف خلايا الجسم داخليا على المادة «دي.ان.ايه» مما يجعلها قادرة على انتاج لقاح الجين المضاد بصفة مستمرة. ويبقى هناك اهتمام آخر وهو احتمال حدوث اندماج مفاجيء لمادة الـ «دي.ان.ايه» في جينات المتلقي. وتوضح د. ماري قائلة: ويكمن الخطر في امكانية حدوث تغير في الخواص الوراثية للجينات. فعلى سبيل المثال قد يحدث تنشيط عمليات تكاثر الجينات المؤدية الى الاورام أو على العكس قد يحدث خمول للجينات المضادة للسرطانات، أما بالنسبة لكبرى شركات الصيدلة فهي تنتج اللقاحات باستخدام مادة الـ «دي.ان.ايه» المجردة للحماية من الانفلونزا، الايدز، التهابي الكبد بي وسي، الصرع، فيروسات سرطانات الدم والأورام الحميدة المسئولة عن سرطانات عنق الرحم