هل ثمة فعل إنساني أقدر من الفن بكل تعبيراته، على إيقاظ الذاكرة والحفاظ على الهوية؟ تساؤل مشروع ونحن نقف على أعتاب مرحلة خطيرة أخرى من مراحل تصفية القضية الفلسطينية، والجواب حاضر ببداهته، الفن قادر إذا التزم بهموم وهواجس المعاش وتم توظيفه لصالح قيم الجمال والحق، وهذه إجابة يؤكدها المعرض التشكيلي «فلسطين- السيرة والمسيرة» الذي افتتح مؤخرا في المتحف الوطني بدمشق للفنانين الفلسطينيين الضيفين اسماعيل شموط وتمام الأكحل. ما يقارب سبعا وعشرين جدارية باستطالات كبيرة 200X165 تم إنجازها خلال السنوات الأربع الماضية، إثر زيارة الفنانين لفلسطين، والجداريات تحكي مأساة شعب تعرض لكل صنوف العذاب، ومازال يقاوم ويحلم بالنصر، رغم تخلي كل الأنظمة والشرائع الدولية عن حقه في أرضه والحياة. وإذا كان الهم الفلسطيني قد تسرب إلى الكثير من اللوحات والمعارض التشكيلية السابقة، فهذه هي المرة الأولى التي يتمظهر فيها بهذا الزخم الكثيف فنحن هنا أمام ملحمة قوامها الخطوط والألوان تتابع اللوحات فيها تفاصيل المأساة الفلسطينية والمقاومة، منذ ما قبل النكبة وحتى انتفاضة الحجارة الأولى والثانية، مرورا بواقع الاقتلاع والتشريد والمخيمات وولادة الكفاح المسلح، فالمجازر الكثيرة التي تعرض لها الفلسطينيون، وإلى جانب كل لوحة عنوانها ونص أدبي قصير كتبه الفنانان، يدون ويؤرخ للحدث الخاص بالمشهد، حيث نقرأ مثلا عناوين: الربيع الذي كان، العطش على طريق التيه، بين الكابوس والحلم، عرس المقاومة، وتحت هذا الأخير نقرأ: «في أوائل الستينيات بدأت منظمات وجبهات فلسطينية عديدة تتشكل من أجل الكفاح لتحرير فلسطين المحتلة، كان من أكثرها امتدادا وشهرة حركة فتح». اللوحة تسلك سلوك المدرسة الواقعية التعبيرية لبناء عوالمها، وتنهض على حس درامي عال، يحتفي بالكثير من الصراعات وقيم التضاد بين مفرداتها ومضامينها وألوانها، وإن كانت في نهاية المطاف لا تهمل البعد الجمالي، فاللوحات على قسوة الموضوع الذي تصوره تحتفي بجماليات عدة تؤكدها اللمسة الرشيقة للفرشاة، الخطوط اللينة، والقوة التعبيرية التي تطفح بها مفردات المشهد والخلطة اللونية الحارة. الفنان إسماعيل شموط من مواليد اللد عام 1930، وقد شردته نكبة الـ 48 إلى مخيم اللاجئين بغزة، درس الفن في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وتخصص بروما، وكان منذ الخمسينيات من الرواد الذين أسسوا القواعد الأولى للفن الفلسطيني المعاصر، التي تؤكد الخصوصية و الهوية الثقافية والفنية لهذا الشعب، أما الفنانة تمام الأكحل فهي من مواليد يافا عام 1935، شردتها النكبة إلى بيروت ودرست الفن في القاهرة، وفي أواخر الخمسينيات التقت بزميلها اسماعيل وأحبته وتزوجا، ومنذ ذلك الحين أصبحا شركاء في الحياة وفي كافة المعارض التي أقيمت لهما في الكثير من البلاد العربية والأجنبية، والجوائز التي منحت لشراكتهما الفنية التي التزمت دائما بمأساة الشعب الفلسطيني وتطلعاته، ومع ذلك فباستطاعتنا في هذا المعرض المشترك، أن نقرأ التمايزات بين الشريكين، ففي حين يكتظ المشهد بمفرداته ويلتصق أكثر بالحدث والواقع، تترك تمام للون مساحات أكبر للتعبير وتحاور مفردات تشكيلية أقل لكنها دلالات رمزية تتعلق بالحلم والروح كشجرة الزيتون المقدسة أو الحصان العربي الأصيل المتروك وحيدا. دمشق ـ تهامة الجندي