منذ شهور والشارع السوداني مشغول بأخبار عودة الفنان محمد وردي لوطنه السودان بعد اكثر من عشرة اعوام قضاها بعيدا عن البلد خاصة مع معاناته من مضاعفات الفشل الكلوي وجلسات غسيل الكلى المنهكة. واخيرا اكد وردي نزوله على رغبة جماهيره في السودان وعودته يوم 14 مايو الجاري ومع اقتراب عودته كثفت اللجنة القومية العليا لتكريمه اعلاناتها بالصحف المحلية تحت شعار احدى اغانيه الوطنية «فدى لك العمر» تدعو محبيه للتعجيل بالتبرع بكلية لاجراء عملية الزرع تحت اشراف الطبيب السوداني كمال ابو سن الذي يقيم ببريطانيا ويأتي كل عام لاجراء عمليات زرع الكلى بمستشفيات السودان. وبالرغم من الاقبال الشديد من الجنسين على المراكز السبعة التي حددتها اللجان للتسجيل الا ان بعض الاسباب الطبية حالت حتى الان دون العثور على المتبرع المناسب. تقول عفاف علي عبد الكريم من المنظمة السودانية لرعاية متبرعي وزارعي الكلى «كثير من الذين حضروا للتبرع كانوا لا يعرفون فصيلة دمهم وبعد الفحص يتضح انها مغايرة للفصيلة المطلوبة اما الذين كانت فصيلة دمهم مطابقة لفصيلة الاستاذ وردي فصادفتنا معهم مشكلة عدم تطابق الانسجة والتطابق يكون اكثر حدوثا بين الاقارب اما عدم الصلاحية لاسباب تتعلق بصحة المتبرع فكانت حالة واحدة فقط». وذكرت ان اكثر من سبعة عشر من اقارب وردي قد تقدموا للتبرع قبل اعلان الدعوة للتبرع قوميا وكان الوحيد المناسب من حيث الانسجة ابن اخته ولكن بعد السفر لامريكا لاجراء العملية هناك حسبما كان مقررا تعذر نقل كليته لاسباب صحية. استحق الفنان وردي المكانة السامية في قلوب السودانيين والنجاح الكبير ولقب فنان افريقيا الاول لتميزه كمغن وموسيقار وصاحب موقف. يقول الشاعر المعروف عبد الوهاب هلاوي في تقييم لتجربة وردي نشرته صحيفة الوطن «الحديث عن وردي هو حديث في المقام الاول عن حضارة قديمة عرفها النيل في رحلته التاريخية نحو الشمال.. وردي لم يلج الساحة الفنية كمثله من الفنانين بل جاء مميزا تدعمه ثقافة وحضارة مجتمع متنوع جعلت منه ذلك المغني الشاهد على احداث امته حاملا فنه كرسالة». بدأ وردي الغناء باللغة النوبية المحلية في اواخر الخمسينيات لكنه تنبه مبكرا لاهمية الا يحصر نفسه في هذه اللغة واستطاع بذكاء وعبقرية ان ينجح كفنان قومي يجسد امال وطنه الكبير فالنشيد الوحيد الذي يمجد استقلال السودان ويبث عند الاحتفال به كل عام هو نشيد لوردي «اليوم نرفع راية استقلالنا.. ويسطر التاريخ مولد شعبنا.. يا اخوتي غنوا لنا». وبالمثل تؤرخ اغاني وردي وأناشيده للثورات الشعبية في السودان فتغنى بأمجاد الثورة المهدية وما تبعها من ثورات ناهضت الاستعمار التركي والبريطاني وغنى لثورة اكتوبر 1964 التي اطاحت بحكومة الفريق ابراهيم عبود العسكرية ولانتفاضة ابريل 1985 التي قضت على حكم المشير جعفر نميري الذي عانى وردي في عهده كثيرا فأدخل السجون ومنع من ممارسة أي نشاط فني وحظرت اغانيه في الراديو والتلفزيون. ومن خصائص وردي مقدرته اللحنية فمعظم اغانيه من تلحينه كما قام بتلحين بعض الاغاني لفنانين كبار. وعن اختياره للكلمات قال الشاعر سليمان عبد الجليل «غنى وردي لاكثر من ثلاثين شاعرا باختلاف مدارسهم الفكرية ومذاهبهم ولا نجد في هذا الرصيد الهائل قصيدة دون المستوى وكلها درر ينافس بعضها بعضا.. غنى للتراث وللحبيبة وللوطن ولابطال البلاد». ولجميع هذه الخصائص فاز وردي بلقب فنان افريقيا الاول في حفل بأديس ابابا عام 1994 وشكلت مؤخرا لجنة قومية لتكريمه من بين مشاريعها انشاء مركز في الخرطوم باسمه. ويقول صديقه نور الهدى محمد «ان وردي سعيد بهذا التكريم والرغبة في منحه كلية وقال لي انه لا يملك ازاء هذا الا الحضور وتعفير رأسه عند قدمي الشعب السوداني». ـ رويترز