قلت لضابط الجوازات الأمريكي، أفريقي الأصل، إنني أجيء تلبية لدعوة من جامعة جورج تاون، كنت أمسك بخطاب الدعوة في يدي الأخرى، لكنه لم يبد اهتمامه أو الاستفسار عنه، إنما فتح جواز سفري على الصفحة، التي طبعت عليها التأشيرة، الصقها بشاشة الحاسب الآلي، وخلال ثوان ختمها قيل لي فيما بعد أنه لحظة ركوب الطائرة من أي مكان في العالم إلى الولايات المتحدة، يتم إبلاغ أجهزة الأمن الأمريكية بالأسماء ويجرى فحصها ومراجعتها، لم يستغرق خروجنا - أحمد المديني وأنا - إلا الوقت العادي جدا الذي تستغرقه الإجراءات في أي مطار، عند تجاوزنا الباب إلى الخارج أخرجت عنوان الفندق الذي يقع قريبا من الجامعة، غير أنني فوجئت بالروائي والصديق حليم بركات، أستاذ الأدب العربي بالجامعة والمنظم للمؤتمر في انتظارنا، الحقيقة أنني تأثرت لمجيئه، ولترحيبه الحار، قال إن الروائي العراقي فؤاد التكرلي المقيم في تونس لم يركب الطائرة لأنه لم يكن لديه تأشيرة عبور ترانزيت في باريس، لذلك تعذر وصوله، كان المفروض أن يأتي معنا على نفس الطائرة، مضينا برفقة حليم بركات، الطريق من مطار دالاس إلى الفندق طويل، هكذا المسافات في الولايات المتحدة، كان ضوء النهار مازال في الأفق، الساعة هنا الثامنة، أي الثانية صباحا بتوقيت القاهرة، أي أنني على سفر منذ حوالي أربعة وعشرين ساعة، رغم الإرهاق إلا أنني رحت أقلب محطات التلفزيون لأعرف المتاح منها، بالطبع توقفت عند السي إن إن التي كانت تنقل أخبار رحلة كولن باول وزير الخارجية الأمريكي التي بدأت في الشرق الأوسط، بدأ بزيارة المغرب، ومحطة السي إن إن التي تبث من هنا مختلفة عن تلك التي نراها في أي مكان بالعالم، الأخبار العالمية واحدة، لكن العديد من الأخبار المحلية، في محطة أخرى كان ثمة حوار حول أكبر فضيحة تهز الولايات المتحدة، اعتداء رجال الدين الكاثوليك على الأطفال واغتصابهم، الطريف أن هؤلاء الأطفال يعترفون على شاشات التلفزيون بعد مضى حوالي عقدين من الزمان، أي أنهم أصبحوا شبابا، بما في ذلك الصحيفة التي يصدرها الطلبة في جامعة جورج تاون، وبعضهم ممن اعتدى عليه في طفولته. في اليوم التالي بعد الأفطار مضينا إلى مقر إدارة الجامعة سيرا على الأقدام أسترشد أحمد المديني بذاكرته إذ أنه جاء إلى هنا منذ خمسة أعوام، والحق أنها لذاكرة قوية فلم تستفسر إلا مرة واحدة، تعرفنا على السيدة الشابة لين هاريس المنظمة للمؤتمر، تتحدث العربية بطلاقة وبلهجة مصرية إذ أنها تعلمت في القاهرة، بعد التعارف وترتيب الإجراءات الإدارية قررنا أن ننطلق إلى المدينة، أعمال الندوة ستبدأ من الغد، لن تكون هناك فرصة للتجوال، فالندوات ستبدأ منذ التاسعة وتستمر حتى السادسة مساء. عند عبورنا الساحة الفسيحة للجامعة لمحت بعض الشبان يرتدون الكوفية الفلسطينية، كان معظمهم ذو ملامح غير عربية، علمت أن الجامعة شهدت مظاهرتين، الأولى ضمت حوالي ثلاثمائة طالب مناصرين للقضية الفلسطينية، ومظاهرة أخرى أضخم مناصرة لإسرائيل، لقد بدأت فظاعات الجيش الإسرائيلي تحدث أثرا هنا، صحيح أنه أثر ضعيف، مازال شاحبا، لكنه بدأ، خاصة إذا راعينا النفوذ الصهيوني القوي، المتنفذ، وغياب العمل العربي المشترك تماما، يمكن القول إن الحضور العربي لا يتجاوز جدران السفارات العربية، بل ان الخلافات تستشري بين أفراد الجالية الواحدة، ولكن ثمة شخصيات تعمل على لم الشمل ورأب الصدع، من هؤلاء المرحوم الدكتور فوزي هيكل شقيق الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، والذي توفي مؤخرا، ومنهم أيضا الدكتور رشدي سعيد أمد الله في عمره . إلى أين؟ إلى مكتبة الكونجرس اتفقنا على الوجهة، أن نبدأ بالمكتبة ثم نتكشف الأمر فيما بعد، ركبنا سيارة أجرة من أمام إدارة الجامعة، عبرت بنا من جورج تاون إلى واشنطن، جورج تاون تقع على الضفة الأخرى من نهر البوتوماك، العاصمة الفيدريالية لها قانونها الخاص، وتحيط بها، ميريلاند، وفرجينيا، وجورج تاون، لجورج تاون شخصية خاصة في العمارة، إنها منطقة قديمة، وثمة قوانين صارمة تحدد ارتفاع المباني، لا تتجاوز ثلاثة طوابق، باستثناء مبنى ادارة الجامعة الذي يشبه الكاتدرائية، البيوت أنيقة، صغيرة الواجهات، أمامها أحواض الزهور، منافسة في الأناقة، انها أغلى البيوت ثمنا أو ايجارا، معظم العاملين في واشنطن يقطنون بفرجينيا، حيث الايجارات أقل، بمجرد عبور النهر تبدأ البنايات المرتفعة، ومع الاقتراب من مركز المدينة، تتغير العمارة، يختلف الاحساس بها، انها عمارة دولة، دولة قوية، الواجهات شاهقة، اللون الغالب هو الرمادي، والمرجعية المعمارية الطراز اليوناني والروماني، حيث الأعمدة الشاهقة، والمداخل والقباب التي توحي بمشاعر دينية ، هكذا مبنى المحكمة العليا، ومبنى الكونجرس، ومباني الوزارات التي تتوالى في شارع فسيح، به أيضا المتاحف الشهيرة، في وسط واشنطن مسلة ضخمة بيضاء اللون، انها المركز تستخدم كبرج، وداخلها مصعد، يقصدها الزوار والسائحين، مصرية الطراز لكن أخبرني صديق عزيز زارها أنه لا يوجد أي معلومات مكتوبة تشير الى أصل الطراز المصري، ربما لأن المسلة مصرية الأصل، ولا يمكن الا أن تكون مصرية، تعد هذه المسلة مركز المدينة. تتسم العمارة بالقوة، واستدعيت الى الذاكرة موسكو عاصمة الاتحاد السوفيتي، سمة ملامح مشتركة، انه الحرص على اظهار القوة والجبروت، تذكرت بعض مباني مدريد وروما التي بنيت خلال زمن فرانكو وموسوليني، الواجهات المتشابهة والمرتفعة للعمارة قدرة على التعبير، وتبث أحاسيس مختلفة، منها الرهبة والقوة، وقد تشابهت عمارة واشنطن الرأسمالية مع عمارة موسكو الشيوعية في تلك الضخامة. نزلنا أمام مبنى مكتبة الكونجرس، انها مواجهة لمبنى الكونجرس نفسه الشهير بقبته البيضاء، رغم ضخامة المدينة وجبروت معمارها، الا أن الحدائق والأشجار ماتزال كثيفة، وفي كثير من أجزاء المدينة، في وسطها، كنت أشم رائحة العشب قوية، ندية، وتذكرت ديوان الشاعر الأمريكي والت ويتمان الذي ترجمه الى العربية ترجمة رائعة الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف. أستعيد بعضا من أبيات هذا الشاعر الأمريكي الكوني: تعالوا سأجعل هذه القارة خالدة سأخلق عليها أسمى جنس طلعت عليه شمس سأخلق أرضين سماوية رائعة بحب الرفاق بحب الوفاق الدائم مدى الحياة سأزرع الرفقة كثيفة كما لأشجار على أنهار أمريكا وعلى ضفاف البحيرات الكبرى وعلى امتداد السهوب سأبني مدنا متعانقة بالأفرع . بحب الرفاق. استعدت أيضا انسانيته اذ يقول أيها الغرب حين تمر بي، وتريد أن تحدثني لم لا تحدثني؟ ولم لا أحدثك؟ استعدت كونيته اذ يقول: أرحل كالهواء وأهز خصلاتي البيض للشمس الهاربة أحرق لحمى مياها . في جداول مسكرة أوحد نفسي بالتراب، لها نجم من العشب الذي أحب فان اردتني ثانية فابحث عني تحت نعل حذائك انه نفس المعنى الذي أنشده أبو العلاء قبل أكثر من ألف سنة، وعمر الخيام بعده، لم أكن أفكر في والت ويتمان فقط، انما في أسماء عديدة من الشعراء والروائيين الأمريكيين الذين أحببتهم وعشقت ما كتبوا، وأحدهم أعتبره من أعظم الروائيين في تاريخ الانسانية، هومان ميلجيل صاحب موبي ديك، عندما بدأنا صعود الدرج الرخامي العريض المؤدي الى مدخل مكتبة الكونجرس التي تحوي تراث الانسانية، كنت أفكر في ذلك التناقض الصارخ بين انسانية الأدباء العظام للولايات المتحدة، وسياساتها الظالمة، المناصرة لاسرائيل . المعادية للحق.