كنت أجلس في قاعة التدخين لم تكن قاعة في الحقيقة، إنما هي بهو كبير محاط بالنوافذ الزجاجية العالية التي يبدو العالم خلفها واسعا للغاية من شدة البياض السابغ الذي تنعم به الشمس على هذه البلدة الواقعة على المحيط الأطلنطي. الوقت صيف، ولاروشيل مدينة ملونة. ألوانها من أجساد النساء، والقطع الصغيرة التي قد تجدها عليهن، وأيضا كرنفالات الزهور ومهرجانات الألعاب وفرق الموسيقى. كنت وطدت نفسي أن أبقى بعض الوقت بعد اجراء العملية الجراحية. هذه الألوان التي رأيتها عند وصولي احتاج أن أتشربها بعد شفائي. أن أغسل بها خوفي الذي سبق العملية، وأن تحملني الى الفرح الذي افتقدته منذ وقت طويل. ثلاثة من المرضى كانوا يجلسون معي. أحدهم مغربي السحنة والملامح والآخر يبدو لي غجريا والاثنان في عمر الشباب. الثالث لم يكن يجلس، كان يمشي على عكازين، إنه فرنسي، نحيل أكثر من الفرنسيين، ليس بسبب المرض، لكن بسبب الشيخوخة. من يقترب من وجهه يدرك أنه تجاوز الستين، لكنه كان يتحرك بسرعة شديدة على العكازين، مثل شاب على ساقين حقيقيتين، وكان يبتسم لحظات، ثم يتجهم، يغضب مثل الأطفال، ثم يسرع بالعكازين يختفي في الصالة الموصلة الى غرف المرضى. يعود الى غرفته، لكن لا يمضي وقت طويل حتى يعود الينينا. الى البهو في الحقيقة، فهو فيما يبدو لا يشعر بوجودنا. اليوم نظر لي طويلا. لماذا اختارني أنا بالذات؟ لا أعرف. تقدم نحوي بسرعة وقال.. ـ هل يمكن أن تبيع لي علبة تبغ؟ كان يتكلم بسرعة بالنسبة لي، اني فهمت مراده رغم أن لغتي الفرنسية ليست جيدة. ابتسمت. قدمت اليه سيجارة. التقطها بعد أن احتضن العكاز تحت ابطه، وأشعلتها له وهي في فمه واختفى بسرعة في الصالة، لكنه بسرعة أيضا عاد متبرما جدا. تكلم بسرعة أيضا ولأكثر من دقيقة راح المغربي يبتسم، بينما أتى الغجري بحركة بذيئة من ذراعه ولأنه استمر يتكلم وينظر الي ابتسمت.. هو يكلمني وليس لدي شيء أقوله، فأنا لا افهم الآن ماذا يقصد، وليس لدي أيضا ما أفعله إلا الابتسام ما دام المغربي قد ابتسم.. انتهى من السيجارة وتقدم منها الى المنضدة الحديدية الكبيرة الرديئة الصنع، التي يبدو من شكلها ومكانها أنها وضعت ليكره الناس التدخين. تقدم منها وفكر لحظة ثم ألقى بعقب السيجارة على الأرض الرخامية ودهسه بحذائه الخفيف وأسرع الى الصالة ليعود الى غرفته. وضح لي الآن أنه حين دخل الصالة أول مرة والسيجارة معه منعته إحدى الممرضات وطلبت منه العودة للتدخين في المكان المخصص لذلك. ذلك سبب توتره وسبب الحركة البذيئة من الغجري. بعد أكثر من ثلاث ساعات عدت الى البهو لأدخن سيجارتي الثانية. كان الضوء لا يزال قويا، فالنهار صيفاً طويل هنا، يبدأ في السادسة صباحا، وينتهي في التاسعة مساء.. وهو في المستشفى أطول منه في الخارج، رغم أن الليل يدخل على كل المناطق في الساعة التاسعة.. لم يكن هناك أحد بالبهو هذه المرة. جلست وحدي أدخن، فإذا بي أراه خارجا من الصالة على مهل ينظر الي نظرة أطفال. كأنما يقول لي هاآنذا عدت اليك.. لم يجلس جواري. ألقى التحية وذهب الى النافذة ينظر الى الفراغ وراءها.. انتهيت من السيجارة ونهضت لأعود الى غرفتي لكنه التفت الي وسألني أيضا ما اذا كنت أستطيع أن أبيع له علبة تبغ. ابتسمت. فكرت أن هذه هي طريقته في الحصول على السجائر، فهنا لا أحد يبيع التبغ من المرضى، وكافتيريا المستشفى أيضا خالية من السجائر بكل أنواعها.. ناولته السيجارة التي ينتظرها وأشعلتها له. فكرت أقول له أن أصدقائي الذين يزورونني يستطيعون شراء السجائر التي يريدها له اذا أراد، ثم عدلت. فكرت أنه أيضا له أصدقاء لابد يزورونه. ثم رأيته يبتسم ويهز كتفه ويسألني: هل تتحدث في التليفون؟ - أجل.. هل يسمحون لك؟ - طبعا.. لقد قطعوا الاتصال بتليفوني. على الفور فكرت أنه سوف يطلب الحديث من تليفوني ليوفر على نفسه ثمن المكالمات. لكنه لم يفعل ذلك، رغم أنني تهيأت لأن أرفض. هل أدرك أنني تهيأت لأن أرفض. ربما.. قلت لا تبعد به عن الموضوع.ـ الشمس جميلة في الخارج. مط شفتيه وأصدر صوتا كأنما يقول بالعربية «طز» مثلا.. ثم تركني وذهب لينظر من خلف النافذة. وقفت لحظة مندهشا، وعدت أجلس أدخن سيجارة أخرى، ليس لرغبتي، لكن لأجد سببا للبقاء ومتابعة هذا الشخص. كان يبدو سعيدا مبتسما وهو ينظر من خلف النافذة ثم فجأة تجهم وعاد الي قبل أن يصل الى المقعد المجاور لي انحرف وأسرع على العكازين داخلا الى الصالة المفضية الى الغرف.. قبل أن يختفي في الصالة عاد وألقى بعقب السيجارة على الأرض.. نهضت أنا الى النافذة. تطلعت فوجدت العالم جميلا جدا في الخارج. حركة الشباب لا تنقطع على الأرض، كنا في الدور الثالث، والقنال الصغير تتحرك فيه قوارب ملونة، وكل شيء مجلو بالضوء والبهجة.. وقفت أكثر من نصف ساعة خلف النافذة ثم فجأة حطت على الدنيا غمامة كبيرة، سحب سوداء ظهرت، أظلم الجو للحظات، بل وأمطرت، واختفى الناس في الأزقة وتباطأت العربات في الطرقات.. ذلك لن يستمر طويلا. هكذا قيل لي عن هذه المدينة.. وسوف يعود الضوء من جديد بعد قليل، ما دمنا في الصيف. الشتاء هو المخيف هنا. عواصفه شديدة ورياحها تأتي من خلف الأطلنطي عابرة مسافة تقطعها الطائرات في ثماني ساعات فانظر كم من بخار الماء تحمله الرياح وكم من السحب تسوقها أمامها.. هكذا قال لي صديقي الذي هاجر من مصر من ربع قرن ويعيش هنا، والذي اقترح علي أن أجري العملية الجراحية في هذه المدينة حيث يعرف أهم أطبائها. العواصف هنا تقتلع الأشجار في الشتاء.. هكذا قال أيضا وتعجبت لماذا حقا يكلمني عن ذلك مع أننا في الصيف. ومن المؤكد أنني لن أبقى حتى الشتاء.. في الطريق الى غرفتي كانت الخادمة تمر بعربة الطعام. طعام العشاء.. تلكأت في المشي حتى تصل الى غرفتي. سمعت صوتا يقول «مسييه» من الباب الذي على يساري.. لمحته داخل الغرفة ينظر الي. دخلت مندهشا من جلسته فوق السرير.. كان شبه مقعي ليس نائما ولا مستلقيا وكان ينظر من النافذة الى الدنيا في الخارج. ـ منظر جميل. قلت ابتسم ثم ضحك بلا صوت ثم عاد الى حالة عدم الاكتراث وأصدر صوتا بشفتيه يعني طز، تماما مثلما فعل من قبل. كانت الخادمة قد دخلت الى الغرفة من قبل ووضعت صينية الطعام على المنضدة القريبة. مد يده وأمسك بالصينية وقال لي.. ـ افتح النافذة.. ـ لماذا؟ - افتح النافذة بسرعة.. ـ فتحت النافذة فاندفعت نحوي كتلة هواء بارد فكرت أغلقها لكن صرخ ينهرني فظللت أمسك بالضلفة المفتوحة بقوة وهو راح يضحك بلا صوت وهو يؤرجح صينية الطعام في الهواء ثم يقذف بها بقوة الى الخارج. لقد فعل ذلك بحركة سريعة مدهشة وظلت الصينية في يديه بينما اخترق الزبادي والجبن والخبز والمربة الهواء والمطر واستمر يضحك وأنا أغلقت النافذة في غاية الدهشة في لحظة وجدت معنا الممرضة الشابة في غاية الغضب تتحدث بسرعة فائقة اليه. وهو ينظر اليها باستنكار طفولي عذب ولا يتكلم. فقط تتحرك شفتاه وأنا صرت في غاية الخجل. ماذا يحدث لو كلمتني أيضا تلومني على فتحي النافذة. لو لم أفتحها لم قذف بالطعام. كيف عرفت أنه فعل ذلك في نفس اللحظة، ذلك ما شغلني، ربما كي لا أهتم بما تقول إذا كلمتني. لكنها خرجت فابتسم وأتى بالحركة البذيئة التي فعلها الغجري من قبل وأنا خرجت بهدوء ودون كلمة آخذا طريقي الى غرفتي. على سريري استلقيت ورحت أفكر في هذا الرجل.. لماذا يشحذ مني السجائر. لماذا ينظر دائما من النافذة، ولماذا قطعوا عنه الاتصال التليفوني؟.. لم أصل الى أي سبب، لكني فكرت أني دائما أراه وحده في غرفته، حتى في ساعات الزيارة حين أصطحب أنا صديقي الى البهو لندخن السجائر معا أراه في غرفته وحده. أجل. كنت أنظر الى الغرف المفتوحة رغما عني وأراه جالسا فوق السرير، مقعيا ينظر الى الدنيا خلف النافذة. لابد أن أحدا لا يزوره. لماذا إذن لا يغادر المستشفى، الكثيرون ممن أصيبوا في الحوادث يغادرونها على عكاز أو عكازين، يكملون العلاج في منازلهم، لم أصل أيضا الى سبب واضح لبقائه، وتناولت عشائي وجلست أقرأ في الصحف العربية التي يحضرها لي صديقي، ولم أشعر إلا وكل شيء حولي صامت. لقد انتصف الليل إذن. ووجدت نفسي أنهض وأترك الغرفة وأمشي الى حجرته. ترددت لحظة ثم فتحت الباب بهدوء، ونظرت فوجدته جالسا فوق السرير يتأمل الظلام خلف النافذة، لم يشعر بحركة الباب وهو ينفتح ولا بأنفاسي. أغلقت الباب بهدوء وعدت الى الغرفة. راودتني رغبة أن أذهب اليه مرة أخرى. أدخل وأجلس معه واتحدث معه ببطء وأطلب منه أن يحدثني ببطء لأفهم لكني فكرت في جدوى ذلك لي. فبعد غد سوف أغادر المستشفى وأنساها كلية. وسحبني النوم وتركت نفسي له يسحبني في الحقيقة لتوقظني الممرضة الحسناء في الصباح تعطيني الدواء. قالت بون جور فقلت بون جور أيضا ثم سألتها عن اسم الرجل الفرنسي الذي ألقى بالأكل من النافذة أمس. ابتسمت وقالت «تيري». اندهشت لنفسي وأنا أسالها عنه في هذا الوقت المبكر كأنما كان الأمر يشغلني طول الليل وأنا نائم. ـ هل يفعل ذلك دائما؟ - تقريبا. سألتها وأجابت، وقبل أن أسألها عن شيء آخر خرجت.. لم أنتظر حتى أتناول طعام الافطار، لم أدخل الى الحمام، لم أغسل وجهي، خرجت من الغرفة الى الصالة قاصدا بهو التدخين، كنت حافيا ولا أدري، وكان البلاط الرخامي باردا ولا أدري أني حاف، وفي البهو وجدت تيري يقف ينظر من خلف النافذة. كان الضوء يغمر الدنيا في الخارج، وينسكب من الزجاج ليغمر البهو أيضا. بون جور تيري.. قلت. فالتفت اليّ مبتسما.ـ بون جور ميسييه. ابتسم وتقدم نحوي على عكازيه. فكرت أن اقدم اليه سيجارة لكنه فجأة توقف ونظر الي لحظات طويلة ثم رفع ذراعيه عن العكازين فسقطا الى جواره على الأرض وأحدثا صوتا متقطعا حتى استقرا وظلت ابتسامته هو مستمرة وأنا أخذني الخوف أن يقع لكنه فاجأني ومشى؟ ثم جرى عدة خطوات، ثم عاد، ثم انحنى وأخذ العكازين ووضعهما في مكانهما تحت ابطيه وتحدث بفرنسية سريعة أدركت منها أنه قد ضاق ذرعا بهما وأنه لا يدري لماذا هو هنا حتى الآن، وتركني ودخل الى الصالة في اتجاه غرفته. ظللت أنا في مكاني لا أجد تفسيرا لأي شئ ولمحت في الصالة الممرضة الحسناء خارجة من غرفته تتحدث بعصبية. فيما يبدو ألقى بطعام الافطار من النافذة.. ـ قاص وروائي مصري