النظام العالمي وشكله قد يكونان من أكثر الأمور التي شغلت بال الفلاسفة والكتاب والسياسيين والمنظرين على امتداد تاريخ البشر. فمنذ جمهورية افلاطون وما رافق العصر الأثيني الذهبي، من معارك سياسية وفلسفية حول الشكل الامثل الذي ينبغي ان يأخذه العالم، فإن النظام العالمي دأب على أن يكون الشغل الشاغل للناس خاصة في عصور النهضة والتنوير. وفي العصر الحديث تمثل النظام العالمي بالأنظمة الاقتصادية التي سعت إلى جعل الاقتصاد المحرك الأول للهيمنة على العالم. وكانت الشيوعية والرأسمالية نموذجين بارزين لصورتي نظام مختلفتين تمام الاختلاف بالنسبة لاقتصاد العالم، فأخفقت الاولى تماماً في طرحها للتضارب بين مثالية الطرح ووحشية التطبيق بينما فشلت الثانية لأنها لم تجد الحلول الشاملة ووسعت الهوة بين طبقات المجتمع. وفي ظل الثورة التقنية الهائلة والثورة الاقتصادية المتمثلة بالعولمة وتحرير الاقتصاد فإن ولادة نظام كوني شامل يبدو أقرب إلى التحقق مما كان ممكنا في أي عصر سابق في ظل ظروف عديدة يقف في مقدمتها الاقتصاد الأكثر انفتاحاً، وسهولة الاتصالات وتبني معظم دول العالم رؤى سياسية متشابهة فيما يخص الحروب والسلام وهذه هي الأمور التي يود مؤلفا الكتاب الذي نناقشه هنا الإجابة عنها، والتي نتطرق إلى جوانب شتى منها. نسيج من القوى في هذا الكتاب يسعى فيه المؤلفان ميشيل هارت وأنطونيو نيجري للقول إنه في الوقت الذي اختفت الكثير من ملامح النزعة الاستعمارية القديمة فإن امبراطورية جديدة آخذة بالظهور ضمن الخليط الهائل والمتداخل من التقنية والاقتصاد والعولمة ومن هنا فإن أهمية هذا الكتاب تكمن في شموليته واتساع نطاق تحليله وتصوره للعالم على نحو أكثر واقعية، وليس من خلال مجرد طرح الآراء والأفكار التي ربما لا تنتمي للعالم الواقعي بأية صلة وهو في الوقت الذي يسعى فيه لتصور ولادة الامبراطورية كحالة واقعية وكثمرة للحالة الراهنة من التطور الهائل في شتى جوانب الحياة التي باتت متداخلة بشكل أكبر من السابق، فإن مثل هذه الامبراطورية لا تبدو في الأفق أو قريبة الحصول فالعالم لا يسير وعلى الرغم من العولمة والثورة التقنية صوب سياسة قطب واحد لعدم وجود الدولة التي تتمتع سياستها أو اقتصادها بالشمول أو القدرة على استيعاب الآخرين واكتساب موافقتهم. وينبغي هنا الإشارة إلى أن الامبراطورية ووفقاً لرأي المؤلفين ليست تلك التي تفهم تقليدياً على أنها القوة العسكرية أو الرأسمالية، بل هي في الواقع نسيج من القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شرعت بالظهور في هذه المرحلة من التاريخ بفعل التطور الذي طرق مختلف ميادين الحياة كالتاريخي والعلمي والثقافي والاجتماعي بشكل لم يسبق له مثيل، كأن ولادة مثل هذه الامبراطورية كان نتيجة واقعية تلقائية ولم يطل من خلال البناء أو التشييد المرسوم والمخطط استراتيجيا له من جانب دولة أو قوة عظمى ما. ينطلق المؤلفان، وفي معرض حديثهما عن الامبراطورية، بالقول إن مثل هذه الامبراطورية تتجسد أمام أعيننا وفي الواقع فإن الامبراطورية كما يراها المؤلفان آخذة بالظهور في العصر الحالي على اعتبار أنها مركز لدعم عولمة الإنتاج عبر شبكات العمل الإنتاجية وتلقي بشبكتها الواسعة والشاملة في مسعى لتغليف جميع علاقات القوة ضمن النظام العالمي الخاص بها ـ في الوقت الذي تسعى لنشر عمل شرطي مؤثر وفعال بوجه «البرابرة» الجدد والعناصر المتمردة التي تهدف إلى تقويض النظام. وفي العقود الأخيرة وبعد أن انحسرت الأنظمة الاستعمارية وتهاوت القيود التي كانت تقف عائقاً أمام دخول السوفييت إلى السوق العالمي الرأسمالي شهد العالم أجمع تحولاً محتوماً صوب عولمة التبادل الاقتصادي والثقافي ورافق هذا السوق العالمي ودوائر الإنتاج العالمية ولادة نظام عالمي يتمثل بمنطق وهيكل حكم جديدين، وبعبارة أخرى صيغة جديدة من السيادة وهكذا فإن الامبراطورية ما هي الاّ مجرد مخاض سياسي ينظم بشكل فعال عمليات التبادل العالمية وقوة السيادة التي تتحكم بالعالم. ويرى الكثيرون أن عولمة الإنتاج الرأسمالي وعمليات التبادل باتت تعني ان العلاقات قد تحررت بشكل أكبر من السيطرة السياسية، مما افضى إلى غياب السيادة السياسية ومثل هذا الأمر يراه بعض الكتاب، كما يبين المؤلفان، بداية عهد جديد من تحرر الاقتصاد المادي من القيود والعراقيل التي فرضتها القوى السياسية. أما الآخرون فيرون مثل هذا الأمر إغلاقاً للقنوات الهيكلية التي يمكن بواسطتها للعمال والمواطنين أن يؤثروا أو يحتجوا على منطق الربح الرأسمالي. بيد أن هارت ونيجري يشيران الى ان أهم ما أفرزته العولمة هو اضمحلال سيادة الدولة القومية شيئاً فشيئاً على الرغم من من وجود تأثير واضح لها. فالعناصر الرئيسية للإنتاج وعمليات التبادل ـ النقود والتقنية والناس والبضائع ـ قد باتت تنتقل بسهولة أكبر عبر الحدود القومية مما أضعف سلطة الدولة القومية في تنظيم هذه التدفقات وفرض قبضتها على الاقتصاد وهذا الأمر يعني بالمحصلة النهائية أن أقوى الدول القومية هيمنة لا يمكن اعتبارها دولة ذات سلطات مطلقة خارج أو حتى داخل حدودها وإبان هذه التحولات العصرية ظلت أشكال السيطرة السياسية ومؤسسات الدولة وعمليات التنظيم تتحكم بواقع الإنتاج والتبادل الاقتصادي والاجتماعي وبعبارة أخرى فإن فرضية الكاتبين الرئيسية تقوم على أساس ان السيادة قد أخذت شكلاً جديداً مؤلفاً من سلسلة من أجهزة قومية وعابرة للقوميات تتحد جميعها تحت مظلة منطلق حكم واحد، وهو الامبراطورية التي تمثل بالنسبة لهما النمط الكوني الجديد من السيادة. الامبراطورية والنظام العالمي يشير المؤلفان إلى أن النظام العالمي بشكله القانوني يشكل معضلة أمام الامبراطورية، لذلك فهما يعالجان هذا الأمر من خلال الاطلاع على الدستور الموجود حالياً ويرى هارت ونيجري إن مفهوم النظام العالمي الذي اقترحته المدنية الأوروبية وأعادت اقتراحه يمر الآن بأزمة حقيقية. وفي الواقع فإن هذا النظام قد ظل رهن الأزمات على الدوام بحيث كانت تلك الأزمات من المحركات التي دفعت النظام العالمي للانتقال صوب ولادة الامبراطورية وشكلت الحرب العالمية الأولى وظهور عصبة الأمم المرحلة الأولى لولادة فكرة النظام العالمي وما رافقه من أزمات. أما تأسيس الأمم المتحدة عند نهاية الحرب العالمية الثانية فقد كان مجرد إعادة توكيد وتعزيز وتوسيع للنظام الدولي القانوني النامي الذي كان أوروبياً بالأساس فتحول إلى عالمي كليةً. ومن هنا يرى الكاتبان ان الأمم المتحدة في حقيقتها ذروة العملية الدستورية الكاملة التي تفصح عن حدود مفهوم النظام الدولي وتشير من ثم إلى حالة الانتقال صوب مفهوم جديد يتعلق بالنظام الكوني. وكانت حياة الأمم المتحدة منذ تأسيسها وحتى نهاية الحرب الباردة تاريخاً طويلاً بالأفكار والتسويات والتجارب المحدودة الموجهة تقريباً صوب بناء مثل هذا النظام العابر للقوميات. وأفضت هيمنة الأمم المتحدة على إطار العمل العام للمشروع العابر للقوميات بين الأعوام 1945 و1989 إلى بعض النتائج النظرية والعملية الأشد حماقة وكل ذلك لم يكن كافيا لكبح جماح تكوين دستور السلطة العابرة للقوميات وفي غمرة التجارب الغامضة للأمم المتحدة خرج المفهوم القانوني للإمبراطورية. وفي المقابل يرى المؤلفان إن المفهوم القانوني للإمبراطورية قد تم تناقله عبر تقليد طويل أصله أوروبي حيث يرجع في الأساس إلى روما القديمة التي ارتبطت فيها شخصية الإمبراطورية المعاصرة وليست الرومانية بأصول الحضارات الأوروبية المسيحية. واستطاع مفهوم الإمبراطورية هناك أن يوحد الصيغ أو الأنماط القانونية والقيم الأخلاقية العالمية مما جعلها تعمل كعضو واحد. ويرى المؤلفان أن غياب سيادة الدول القومية وعجزها المتنامي عن تنظيم عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي هو بالأساس أحد الملامح الرئيسية لولادة الامبراطورية لقد كانت سيادة الدولة القومية الحجر الأساس للأنظمة الاستعمارية التي شكلتها القوى الأوروبية خلال العصر الحديث. لذلك كانت الحدود الذي عرفّها النظام المعاصر للدول القومية جزءاً أساسياً وجوهرياً من النزعة الاستعمارية الأوروبية، والتوسع الاقتصادي بيد أن هارت ونيجري يطالبان باستخدام مصطلح الإمبراطورية لنعني به شكلاً مختلفاً تماماً عن الإمبريالية. وفي حقيقة الأمر كانت الإمبريالية امتداداً لسيادة الدول القومية الأوروبية إلى ما وراء حدودهم بحيث بات من اليسير في نهاية المطاف أن تقسم جميع مناطق العالم وأن تصاغ خريطة العالم وفقاً للألوان الأوروبية، الأحمر للنفوذ البريطاني والأزرق للأقاليم الفرنسية والأخضر للبرتغال وهلمجرا وهكذا كلما أرست السيادة المعاصرة جذورها أمكن لها أن تفرض حدوداً إقليمية سلطوية من شأنها أن تحافظ على نقاء هوية تلك الدولة وأن تعزل عنها كل ما ليس له صلة بها. ومن هنا يشير المؤلفان إلى أن الطريق إلى الإمبراطورية يظهر بفعل غياب السيادة المعاصرة. وعلى النقيض من الإمبريالية فإن الإمبراطورية لا تشيد لها مركز قوة إقليميا ولا تعتمد على حدود أو حواجز ثابتة وهي نظام حكم لا مركزي يُدخل على نحو مستمر العالم الكوني برمته صوب حدوده المفتوحة والمتوسعة. وبوسع الإمبراطورية إدارة هويات متعددة وسلطات مرنة وسلسلة متعددة من شبكات عمل قيادية وهكذا فإن الألوان القومية المميزة لخريطة العالم الإمبريالية قد اندمجت واختلطت داخل قوس قزح الإمبراطورية الكوني بالإضافة إلى ذلك فإن تحول الجغرافية الإمبراطورية المعاصرة للعالم وتحقيق السوق العالمية يعتبر مؤشراً ضمن الشكل الرأسمالي للإنتاج والأهم من ذلك إن التقسيمات الفضائية للعوالم الثلاثة الأول والثاني والثالث قد تم إلغاؤها بحيث يستطيع المرء أن يرى على الدوام العالم الأول ضمن الثالث والثالث ضمن الأول في حين لا يكون ثمة حيز للعالم الثاني. أفضى كل ذلك إلى مواجهة الرأسمالية بعالم لطيف تعّرفه أنظمة جديدة ومعقدة من الاختلاف والتجانس ورافق تكوين ممرات وحدود لعمليات التدفق العالمية الجديدة تحول في العمليات الإنتاجية المهيمنة ذاتها، بحيث انخفض دور عمل المعمل الإنتاجي بينما منحت الأولوية للعمل الإتصالي التعاوني الفعال وفي مرحلة ما بعد الحداثة للاقتصاد العالمي فإن تكوين الثروات يميل صوب إنتاج الحياة الاجتماعية ذاتها التي تتداخل فيها الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية ويستمر كل واحد منها في الجانب الآخر. وعند التطرق إلى النظريات التي تم عرضها في هذا المضمار والتي تتحدث عن واقع العالم الإقتصادي يرى المؤلفان إن الكثير من النظريات المعاصرة لا تكترث بالاعتراف إن عولمة الإنتاج الرأسمالي وسوقها العالمية هي في جوهرها موقف جديد وتحول تاريخي عظيم الأهمية ومرد ذلك إلى أن معظم النظريات المتعلقة بأنظمة العالم ترى في الرأسمالية ومنذ صيرورتها أنها ما كانت الاّ تجسيداً لاقتصاد عالمي وإن الذين تعصبوا لشمولية عولمتها قد أساءوا فهمها وفي الحقيقة فمن المهم التأكيد على علاقة الرأسمالية الجذرية المتواصلة مع السوق العالمي وحلقات التقدم المتوسعة للرأسمالية من دون اعتبار إن الأبعاد العالمية للتطور الرأسمالي لا تسمح لنا أن نرى التصدع أو التغيير الحاصل في الإنتاج الرأسمالي المعاصر أو علاقة القوة العالمية. ومن هذا المنطلق يعتبر هارت ونيجري إن عمليات العولمة ضمن المفردات الدستورية لم تعد مجرد حقيقة، بل مصدر التعاريف القانونية التي تميل إلى أن تلقي بشخصية عابر للقوميات واحدة للسلطة السياسية. أما النظريات الأخرى، وكما يبين الكتاب، فلا ترى تحولاً كبيراً في علاقات القوة العالمية لأن الدول القومية الرأسمالية في نظرهم قد استمرت في فرض هيمنتها الإمبريالية على دول ومناطق العالم الأخرى وضمن هذا السياق يشير المؤلفان الى إن الاتجاهات المعاصرة صوب الإمبراطورية لا تمثل ظاهرة جديدة جوهرياً بل عملية إكمال للإمبريالية بشكل ونمط جديدين وبعبارة أخرى فإن ما كان يمثل في السابق صراعاً أو تنافساً بين القوى الإمبريالية المعدودة قد أحلت محله فكرة قوة واحدة تستوعب أفكار هذه القوى وتعيد تركيبها ضمن أسلوب متكامل وتعاملها ضمن مفهوم حقوق واحد مشترك يمثل في واقعه صيغة ما بعد الاستعمار والإمبريالية وهذا هو جوهر القضية التي يود الكتاب الإفصاح عنها، فيما يخص دراسة الإمبراطورية لأن في مقدور مفهوم جديد عن الحق أو رسم صورة جديدة للسلطة أو حتى تصميم جديد للإنتاج من شأنها جميعاً أن تحافظ على الروابط بين الدول وتحسم الصراعات. وعند الحديث عن المثال أو النموذج بين دول العالم المعاصرة يرى المؤلفان إن الولايات المتحدة تستحق أن تكون كذلك بفعل تاريخها الدستوري ونظامها الإقتصادي من دون أن يوضحا إن كان النظام الرأسمالي في حقيقته هو النموذج الأمثل لإقتصاد العالم أو إن السياسة الأمريكية هي السياسة المثلى، على الرغم من ان من الواضح فشل النظام الرأسمالي كنموذج اقتصادي واتسام السياسة الأمريكية بالنفاق والمراوغة وعدم نزاهتها لتتبوأ مثل هذا الموقع الرفيع وعلى خلاف ذلك يشير الكاتبان الى إن الولايات المتحدة تحتل موقعاً متميزاً في الإمبراطورية، وهو امتياز لا ينهل من تشابه الولايات المتحدة مع القوى الإمبريالية الأوروبية القديمة، بل من خلال الاختلاف بينهما وهذه الإختلافات يمكن ملاحظتها على نحو أكثر وضوحاً من التركيز على الأساسات الإمبراطورية وليست الإمبريالية للدستور الأمريكي. ويقصد المؤلفان بالدستور الصيغة الرسمية المكتوبة بشكل وثائق إلى جوار صلاحياته المتعددة وأجهزته القانونية، وكذلك الدستور المادي الذي يستوعب عمليات التشكيل وإعادة التشكيل المتواصلة لتأليف القوى الإجتماعية ومن هنا تظهر وفقاً لرأي المؤلفين مقارنة يعتبرانها منطقية أو ملائمة بين توماس جيفرسون وغيره من المؤسسين الفكريين الأوائل للولايات المتحدة وبين النموذج الأوروبي القديم ويقولان إن تلك الشخصيات قد ألهمها النموذج الإمبراطوري القديم وادركت انها تقيم على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي جمهورية ذات حدود مفتوحة متوسعة تنتشر في القوة خلال شبكات العمل وهكذا ظلت تلك الصورة الإمبراطورية نابضة بالحياة وازدهرت خلال تاريخ دستور الولايات المتحدة وأخذت الآن بالظهور على نطاق عالمي بشكل حقق أكبر صورة وحضور له. الصيغ القانونية للإمبراطورية يوضح المؤلفان عند الحديث عن المفهوم القانوني للإمبراطورية أن هذا المفهوم يعود إلى تقليد قديم أوروبي الأصل ربما يتجذر في روما القديمة التي ارتبطت فيها الشخصية القانونية ـ السياسية بالأصول المسيحية للحضارات الأوروبية وهناك استطاع مفهوم الإمبراطورية أن يوحد بين الانماط القانونية والقيم الأخلاقية العالمية مما جعلها تعمل كجسد أو عضو واحد وعملت هذه الوحدة على الدوام وفقاً للفكرة أو المفهوم فكان كل نظام تشريعي تجسيداً أو انعكاساً لمجموعة من القيم لأن الأخلاق في حد ذاتها شطر من مادية كل أساس قضائي. وبالنسبة للإمبراطورية الحالية يرى المؤلفان أنها متميزة لأنها تسعى إلى نشر كل ما يمت بالقضاء والأخلاق إلى أقصى مدى ممكن وفي تلك الإمبراطورية ثمة سلام وضمان للعدل لكافة الشعوب. ويشبه المؤلفان مفهوم الامبراطورية بحفلة موسيقية عالمية تقوم فيها قوة واحدة تحت قيادة عازف منفرد بالمحافظة على السلام الاجتماعي والوصول إلى الحقائق والغايات الأخلاقية ولتحقيق مثل هذه الغايات فمن الواجب أن تتمتع هذه القوة الواحدة بالسلطة أو القدرة الكافية لشن «حروب عادلة» عند الضرورة وعلى الحدود بوجه البرابرة والمتمردين. ويتمثل الدور القانوني الأكثر أهمية للامبراطورية التي يتحدث عنها المؤلفان بحقها في التدخل وحسم النزاعات ويشمل إطار العمل الجديد من الشرعية أنماطاً جديدة وأحكاما جديدة لممارسة القوة الشرعية. وينبغي للقوة الجديدة خلال تشكيلها أن تفصح عن فاعلية قوتها في الوقت ذاته الذي يتم فيه تشييد أو إنشاء شرعية لتلك القوة. وفي الحقيقة فإن شرعية القوة الجديدة تقوم جزئياً على أساس فاعلية استخدام القوة ولا يمت الأسلوب الذي تظهر فيه فاعلية القوة الجديدة بأية صلة للنظام العالمي القديم الآخذ بالزوال، ولا يجدي نفعاً مع الوسائل التي تركها العالم القديم وراء ظهره. فعملية نشر وسائل الماكينة الإمبراطورية سيتم تعريفها من خلال سلسلة متكاملة من المزايا الجديدة كمساحة غير محدودة لنشاط وممارسة وفردية أفعالها والربط بين العمل الرادع مع جميع مجالات الهيكل الإحيائي السياسي للمجتمع. وينبغي التنويه هنا أن «التدخل» الذي يشير إليه المؤلفان في معرض حديثهما عن أهم دور تلعبه الامبراطورية ليس بالتدخل الحقيقي في المناطق والأقاليم المستقلة والمتمتعة بالقانون والدستور، بل هو سلسلة إجراءات ضمن عالم متوحد بواسطة الهيكل الحاكم للإنتاج والاتصال ومن هنا وبالإضافة إلى دور الإمبراطورية كهيكل حاكم فإن أنماط التدخل الجديدة التي بوسعها القيام بها تنطوي على ممارسة القوة المادية على أراضيها الإقليمية. أما الأعداء الذين يواجهونها فقد يمثلون تهديداً عقائدياً وليس تحدياً عسكرياً ومع ذلك فإن قدرة الإمبراطورية التي تفرضها من خلال استعراض القوة ومن خلال كافة الوسائل الأخرى التي تضمن فاعلية العمل هي في الحقيقة متقدمة تكنولوجياً على نحو شديد وتحظى بدعم سياسي راسخ. وتتسم ترسانة القوة المشروعة للتدخل الامبراطوري بحجمها الهائل ولا تقتصر على التدخل العسكري، بل تستوعب التدخل الأخلاقي والقانوني ومن هنا يرى المؤلفان ان سلطات التدخل التي تتمتع بها الامبراطورية يجب أن تتجلى أولاً عبر وسائل الإمبراطورية الأخلاقية وليس من خلال أسلحة قوتها المهلكة. ووسائل التدخل الأخلاقية المقترحة في هذا السياق تمارسها في الوقت الحاضر العديد من الهيئات بما فيها وسائط الإعلام والمنظمات الدينية، ولكن الأجدر من كل تلك المؤسسات هو وجود منظمات غير حكومية يفترض منها، ولأن الحكومة غير معنية بإدارتها مباشرة، العمل على أساس الدوافع الأخلاقية والإنسانية وبالرغم من ان هذا التعريف أو المصطلح يشير إلى عدد واسع من المجموعات أو المؤسسات، فإن ما يقصد به هارت ونيجري منظمات عالمية وإقليمية ومحلية تكرس بالأساس عملها للقيام بنشاطات الإغاثة وحماية حقوق الإنسان وفي مقدور المنظمات غير الحكومية أن تشن «حروباً عادلة» من دون سلاح أو عنف أو حدود، حيث تسعى أولاً للتعريف بالحاجات الإنسانية وحماية حقوق الإنسان وعليها بعد ذلك أن تشخص العدو للحيلولة دون حصول دمار كبير ومن ثم اعتبار مثل هذا العدو مذنباً. ويهدف التدخل الأخلاقي كما ينوه المؤلفان، إلى أن يكون الخطوة الأول التي تهييء للتدخل العسكري وفي مثل هذا الوضع يتمثل الانتشار العسكري بعمل بوليسي على اعتبار أنه عقوبة دولية. وبالنسبة للعصر الحالي فإن التدخل العسكري يميل بشكل أكبر لفقدان هويته كقرار نابع من النظام العالمي القديم أو حتى من هيكل الأمم المتحدة. ففي أغلب الأحيان تقوم الولايات المتحدة بإملاء هذه القرارات بشكل فردي، حيث تعتبر أمريكا نفسها المسئول الأول عن القيام بهذه المهمة ومن ثم تطلب من حلفائها الشروع بعملية الاحتواء المسلح أو كبح العدو الحالي للإمبراطورية. وهؤلاء الأعداء يشار إليهم بالإرهابيين، وهو المصطلح أو التسمية التي تتأصل في عقلية وتفكير الشرطة. وتتضح العلاقة جلية بين المنع والكبح في قضايا التدخل في ما يتعلق بالاضطرابات أو النزاعات الأخلاقية وهذه النزاعات من شأنها أن توهن العلاقات العالمية بحيث تجعل من السيطرة عليها أمراً أكثر حاجة أو إلحاحاً وفي مثل هذه الحالات يمكن التعريف بالردع خلال إجراء وقائي يشيد علاقات جديدة يمكن تعزيزها في فترة السلام التي تعقب الحروب، ومن خلال تشكيلات سياسية وإقليمية تعمل لصالح دستور الإمبراطورية. أما المثال الثاني لعمليات الكبح التي يتم الإعداد لها من خلال عمل وقائي فيتم توجيهه صوب مجموعات العمل التعاونية أو «المافيا»، خاصة تلك التي تعمل في مضمار تهريب وتجارة المخدرات وحسب ما يراه هارت ونيجري فإن عمل الكبح الحقيقي لهذه المجموعات ليس بذي أهمية بالمقارنة مع تجريم نشاطاتهم ونشر برنامج توعية اجتماعي يتعلق بتواجد مع هؤلاء، مما يسهل في النهاية عملية السيطرة عليهم ومع ان مثل هذا العمل المنطوي على ردع «الإرهابيين الأخلاقيين» و«مافيا المخدرات» هو في واقعه، وكما ينوه المؤلفان، مركز أو بؤرة نطاق واسع من عمل الشرطة الذي يتحتم على سلطة الإمبراطورية توجيهه، فإن مثل هذا النشاط طبيعي ونظامي». والحروب العادلة لا يقوم بها أو يساندها سوى «الشرطة الأخلاقية» تماماً كما إن شرعية الحق الإمبراطوري وعملها القانوني تسانده الممارسة الضرورية والمستمرة لسلطة الشرطة. نهاية نفق الإمبراطورية ومن جانب آخر فإن المحاكم الدولية والعابرة للقوميات ملتزمة ومنقادة لهذا الاتجاه وتتوقع الجيوش والشرطة وجود مثل هذه المحاكم حيث تتوقع الجيوش سلفاً قوانين العدالة التي يتحتم على المحاكم تطبيقها بعدئذ. أما الدرجة الكبيرة من المباديء الأخلاقية التي يمكن لهيكل النظام العالمي الجديد الوثوق بها لا تلغي حقيقة أن ذلك في جوهره حالة انعكاسية للنظام التقليدي الخاص بالمنطق الدستوري وتتمتع الأطراف التي تساند الدستور الإمبراطوري بالثقة في أن هيكل الإمبراطورية وعندما يغدو متقدما بشكل فعال سيكون في مقدور المحاكم الاضطلاع بدورها القيادي في تعريف العدالة ويضرب لنا المؤلفان حالة المحاكم في الوقت الحالي ويقولان إن المحاكم الدولية على الرغم من عدم تمتعها بالسلطات الكافية فإن العروض العامة لنشاطاتها ذات أهمية كبيرة عند الشعوب والدول على حد سواء وعندما يتحقق ذلك ستكون المرحلة الأخيرة في تشكيل عمل قضائي جديد يتواءم مع دستور الإمبراطورية وعندئذ سيكون من الواجب تحويل المحاكم تدريجياً من مجرد هيئة لاستصدار الأحكام ضد المذنبين إلى هيئة قضائية أو نظام هيئات تملي وتعاقب الخروقات الحاصلة في القضايا الأخلاقية وتؤدي عمل الشرطة ومن ثم تقوم بالتعريف بالماكينة التشريعية لسيادة الإمبراطورية. وأخيراً وليس آخراً فإن هذا اللون من التدخل المتواصل بنوعيه الأخلاقي والعسكري في واقعه شكل منطقي لممارسة القوة التي تنهل من نموذج الشرعية القائمة على أساس حالة الاستياء الدائمة والعمل البوليسي وتعتبر عمليات التدخل استثنائية على الدوام، فهي تأخذ شكل الأعمال البوليسية طالما كان مسعاها الأول والأخير استتباب الأمن الداخلي لذا ومن هذا المنطلق فإن التدخل آلة فعالة تسهم بشكل مباشر ومن خلال عمليات نشر الشرطة في بناء نظام أخلاقي طبيعي ودستوري للإمبراطورية. ولا يغفل المؤلفان الحديث عن الأمور السلبية أو الصعاب التي تواجه تلك الإمبراطورية ويقولان إن تلك الصعوبات هي حتمية لأن الإمبراطورية تولد وتظهر نفسها على الدوام كأزمة وفي ظل عدم الفهم الكامل لتعريف العدالة والسلام فإن قوة الدستور الجديد للإمبراطورية لن تتجسد من خلال الاجماع الذي يحصل بفعل العديد من الآراء زد على ذلك فإن الخطر الآخر المحدق بها يتمثل بانتشار الفساد الذي لا يشمل المصطلحات الأخلاقية في المقام الأول، بل يتعدى إلى المفردات القانونية والسياسية لأن أشكال الحكومة المختلفة، وفقاً لما يذكره المؤلفان، إن لم تؤسس بشكل راسخ في الجمهورية فإن دائرة الفساد ستسير من دون توقف وسيصاب المجتمع بالتشتت والتشرذم. ومن الجانب الآخر فإن الفساد الذين يقصده هارت ونيجري أكثر من غيره هو ذلك اللون التشبيهي الذي تكون فيه الكيان والجوهر والفاعلية والقيم عاجزة عن ايجاد أرضية مشتركة، مما ينذر بولادة فساد وليس جيلا جديدا. في العصر الراهن شرع ظهور تلك الإمبراطورية تلقائياً وليس من خلال العمل المقصود. أهم عدو للإمبراطورية يتمثل بالخارجين على القانون أو المعدمين أخلاقياً لأن بوسعهم تحقيق أكبر درجات الفساد الأخلاقي.