وهم آخر في مسلسل اوهامنا الأزلية المعاصرة، هذه الأوهام التي عشنا بها.. وتعايشنا ـ راضين ـ معها.. مقتنعين بصدقها، كل تفكيرنا تجاهها منصب على فلسفتها، لتبريرها لا لتفنيدها، مؤكدين بذلك أننا شعوب ضحكت على نفسها قبل أن يضحك عليها الاخرون، كل ما فعله «الآخرون» أنهم ألقوا إلينا بأكذوبتهم.. تاركين لنا مهمة تصديقها، بل والدفاع بحرارة عن صحتها..! وخلاصة الأمر.. أو الوهم، أن ناساً في الغرب أصدروا ـ بعد المداولة ـ حكما قاطعا لا رجعة فيه، حكم يقضي بحبس كل شعوب الشرق. .. أوسطها وقاصيها ودانيها في معتقل كبير.. أطلقوا عليه مسمى «العالم الثالث»، تاركين فراغا أمنيا يسمى «العالم الثاني» يفصل عالمهم «الاول» عن عالمنا «الثالث» منعا للتسلل او خوفا من العدوى، وهو حكم مشمول بالنفاذ.. لا طعن فيه ولا استئناف، ومشفوع بحيثيات تبدو في ظاهرها منطقية ومعقولة، فهي تؤكد اننا.. حيث كوننا دولا متخلفة.. علميا.. وصناعيا.. وحضاريا.. وحيث كوننا شعوبا تعاني من فقر الدم العلمي والمادي، فإننا تبعا لذلك.. وبناء على ما تقدم ليس لنا ـ حاليا ومستقبلا ـ سوى دور التابع.. او «الصبي» للمعلمين الكبار ساكن «العالم الاول»، لهم ان يجودوا علينا بالهبات او المعونات او السلاح.. او الخبراء..، طالما كنا مؤدبين.. مطيعين..، ولهم ان يوقفوا كل ذلك.. بل ويضربونا.. اذا نحن تجرأنا يوما وأعلنا التمرد والعصيان، كل ما هو مطلوب منا هو أن نشكرهم ونحمد فضلهم، راضين بواقعنا وبنصيبنا، حيث أن «المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين».. حتى وإن كان هذا المكتوب لم يكتب في السماء.. بل كتب بمعرفة «الناس اللي فوق».. أصحاب البشرة البيضاء والأقفية الحمراء من أهل «العالم الاول».. جعل الله كلامنا خفيفا عليهم..! .. و«فلاش باك» الى الوراء بضع عشرات من السنين، يكشف لنا جزءاً من حقيقة الوهم الكبير، حقيقة ان تقسيمة «العوالم» المذكورة ليست إلا تطويراً او تجميلاً للتقسيمة القديمة إياها والتي عانينا منها طويلاً، فدول «العالم الاول» حاليا ليست إلا دول الاستعمار سابقا، ودول «العالم الثالث» الان ليست إلا دول «المستعمرات» في سابق العصر والأوان، ولكي يبقى الحال على ما هو عليه بعد انقراض عصر الاحتلال وتكاليفه وجيوش الاستعمار ومصاريفها.. فقد رؤي ان تأخذ التقسيمة الجديدة شكلا جديداً «مودرن» يلمّع الشكل ولا يمس المضمون.. ويليق في الوقت نفسه بـ «البرستيج» اللازم لدول العالم الابيض.. أقصد العالم الاول.. وقد كان!! .. ولكي يكون الأمر أكثر وضوحا.. والوهم أكثر انكشافا، تعالوا بنا نفترض ـ مجرد فرض ـ ان إحدى دول العالم الثالث منكود الحظ.. انقلب حالها سعداً ووعداً، فأنتجت.. واغتنت.. وتعلمت.. و«تكنلجت» أي أصبحت دولة تكنولوجية، ومن ثم أصبحت في مستوى أي دولة «عالم اولية» علميا وماديا وحضاريا، فهل ستسمح لها مجموعة «مافيا العالم الاول» بالانفلات من معتقل العالم الثالث، والانضمام الى فردوس العالم الاول، تخاطبها مخاطبة الند للند.. وتجالسها في محافلها.. وترفع رأسها «بعد انخفاض» لتقول لزميلاتها دول هذا العالم الهاي.. انا هنا.. رأسي برأسكم.. لا فوق ولا تحت.. و«ما حدش أحسن من حد»،.. هذا مجرد سؤال.. والاجابة عليه ستجدونها حتما لو شغلتم «الفهامة» قليلا، فالحكاية ليست لغزا.. وليست صعبة الفهم الا لمن لا يريد ولا مصلحة له ان يفهم، و«التقسيمة» القديمة لا رجعة فيها، والفرز تم من زمان، وهو فرز تلعب فيه الألوان والأديان أدوار البطولة في كل الأحوال..! .. بقي أن نقول ان الفرض المذكور يبقى مجرد فرض، لأنه في الوقت الذي تدعي فيه دول العالم الاول أنها تأخذ بيد الغلابة من العالم الثالث لكي تخلصهم من غول التخلف، فإنها «وهي الغول الحقيقي» في الوقت نفسه تمد يدها «من تحت لتحت» بين حين وآخر لتقرص قرصتها التي لا ينفع فيها مصل ولا دواء، والتي «تسمّم» دم «المقروصة» من دول العالم الثالث حتى تفقد كراته الحمراء كل قدرة لها على المناعة، فتصبح هذه الدولة او تلك فريسة سهلة لفيروس «الايدز الاقتصادي» أو مصابة بأورام «الفتنة الطائفية»، والنهاية بعد ذلك معروفة.. فقائمة ديون العالم الثالث وفوائدها.. وأقساطها وفوائد أقساطها لا تحتاج الى شرح أو إضافة! .. هل نقول أنه قدر.. ولا مهرب من القدر؟ .. أم نقول انها خيبة ما بعدها خيبة، خيبة ان نصدق الوهم ونغرق فيه، ونبلع الكذبة ونهضمها، ونؤمن أننا «بشوية» تكنولوجيا نستوردها، وببعض الانحناءات الحضارية المصحوبة بـ «ثانك يو» و«هاوآريو».. و«مرسي بوكو»، قادرون على القفز فوق الحواجز لنصل الى فردوس العالم الاول.. او نسقط فتنقطم رقابنا قبل الوصول، والواقع يؤكد انها الخيبة اولا.. والخيبة اخيرا، وانه بأيدينا.. شعوبا وحكومات.. ونُظما وقيادات رضينا بما قسموه لنا.. وسعدنا بمسمى «الثالث» القريب الى حد ما من مسمى «الاول»، والذي لا نعلمه هو أن ترجمة «الثالث» بلغات العالم الاول تعنى «التاسع» او ما فوق ذلك..! ... ولا نقول لإخواننا في «الهم الثالث» اخر الأمر الا.. اصحوا تصحّوا.. وفوقو.. تفوقوا..!