بعد سنوات من وضع الفيصل بين الحقيقة والخيال وبين الأمير الروماني فلاد تيبس ومصاص الدماء وبين التاريخ والهوس في كل ما قيل عن أسطورة دراكولا، أصبحت السلطات السياحية الرومانية على وشك ان تعيد احياء ذلك الخلط بين الأمير وخفاش الليل في غابات مقاطعة ترانسلفانيا الرومانية، فبين أشجار السنديان الشاهقة على أطراف المنطقة لا تخطئ العين لوحاً إعلانياً ضخماً يؤكد بحروف حمراء بلون الدم: «هنا سيتم بناء حديقة دراكولا ـ وزارة السياحة». وبدأت الجرافات في 15 مارس الماضي بأعمال التسوية في المكان الذي سيبنى فيه ملهى دراكولا والذي سيتضمن نموذجاً لقلعة دراكولا وحديقة ملاه ومسرح ومجمع رياضي ومرقص ديسكو ومطاعم ومقاه، وحينما تفتتح الحديقة عام 2004 ستصبح تتويجاً لاكتشاف الرومانيين المتأخر للكونت دراكولا. وقد اختير موقع الحديقة بحيث يكون بجوار بلدة سيجيسوارا مسقط رأس المفترض للأمير «فلاد» فقد افترض الكاتب البريطاني برام ستوكر الذي اطلق اسطورة دراكولا في الغرب حينما ألف روايته الشهيرة «دراكولا» عام 1890 ان بطلها هو هذا الكونت الذي عاش في القرن الخامس عشر، والذي اشتهر خارج رومانيا بأنه طاغية متعطش للدماء، ويحب ان يعلق جثث أعدائه الداخليين والخارجيين على عصي خشبية طويلة ليراها الجميع. يقول نيقولاي بادورارو، رئيس جمعية دراكولا في تراتسلفانيا: «حينما انفتحت رومانيا أمام السياحة الدولية عام 1960، كان ما فاجأنا حقاً هو اننا نتعرض للسؤال باستمرار من جانب السياح عن موقع قلعة دراكولا، ولم نكن نعرف حينها عم يتحدث هؤلاء الناس الى ان ترك لنا بعضهم بعض النسخ عن رواية دراكولا، وقرأنا الرواية وحينها فقط فهمنا ما يقصدونه، وعرفنا اننا أبناء رومانيا لا نعرف شيئاً نهائياً عن الموضوع، بينما مئات الأفلام والكتب والجمعيات والمنظمات والنوادي ظهرت في الغرب وكلها تدور حول موضوع واحد هو الكونت دراكولا». في ذلك الوقت وافقت وزارة السياحة الرومانية على تنظيم جولات سياحية للأجانب تقدم لهم الأمير فلاد، أو دراكولا كما يعرفه الرومانيون، وليس كما يريد الغربيون رؤيته، فالرومانيون ما كانوا قادرين على تخيل كونت دراكولا من نوع آخر، ولم تنشر رواية برام في رومانيا إلا عام 1992، وهو العام الذي عرضت فيه صالات السينما في البلاد أول فيلم عن شخصية دراكولا. كان دراكولا الوحيد الذي يعرفه الرومانيون هو الشخصية التاريخية التي يحترمونها، فيما لا يعرف الاجانب إلا دراكولا مصاص الدماء، الشخصية الروائية، وكان هناك خلط كبير بين الكونت الروائي والرجل الحقيقي الذي قلبه الروائي ستوكر رأسا على عقب. ومما زاد من حدة هذا الخلط ان لدى أبناء رومانيا صورة مختلفة عن هذا الأمير الذي يسمونه «فلاد تيبس» مقارنة بسمعته الغربية كمصاص دماء ومتعطش للقتل. فهم يعتبرونه أميراً وحاكماً عظيماً. وتعتبر قلعته التي يمكن بلوغها بعد صعود 1400 درجة محطة لا غنى عنها لأي رحلة سياحية عن دراكولا. وتفيد الوثائق التاريخية ان دراكولا اعطى فلاحي مقاطعته 16 جبلاً بعد ان هربوه من حصار القوات العثمانية لقلعته. ويقول بادورارو: «الصورة السائدة عن فلاد هنا هي انه أمير يكره الجريمة واللصوص والفساد في بلاده وأقام العدل فيها. وتقول احدى القصص ان فلاد ترك ذات مرة كأساً ذهبية عند أحد الآبار ليشرب الناس بها لأنه يعرف ان أحداً لن يتجرأ على سرقتها. لقد كان حاكماً قاسياً لكن عادلاً. وعقوبة السارق هي قطع يديه أو قتله على الخازوق. لقد كان يأخذ من الأغنياء ليعطي الفقراء. كان بطلاً». ويلخص بادورارو تحول فلاد الى بطل في رومانيا: كانت البلاد منكوبة بالفساد والجريمة. لكن بعد ست سنوات من حكمه الذي لم يعرف التسامح نهائياً مع الجريمة أعاد الثقة بالبلاد الى نفوس التجار والمسافرين من الأجانب والمواطنين فانتعشت البلاد. ولهذا ليس من المستغرب ان يركز الرومانيون على دراكولا التاريخي، ويركز الأجانب على دراكولا الروائي. «الجميع يريد أن تكون قلعة بران هي قلعة دراكولا لأنها تشبه ما رسمته هوليوود عنها». وبران هذه هي حصن عسكري يعود للقرن الرابع عشر. وهو حصن جميل، لكنه ليست له أي علاقة سواء بفلاد أو بدراكولا ستوكر. لقد اختار ستوكر ترانسلفانيا مسرحاً لروايته لأنها كانت توصف بأنها موحشة ومليئة بالخرافات وتقع على حافة أوروبا من جهة الشرق. ولم يزر ستوكر ترانسلفانيا أبداً. وأخذ كل أوصافها التي استعملها من دليل للمسافرين وقع بين يديه. ومع ان شخصية الراوية في الكتاب يعترف بأن قلعة دراكولا غير موجودة على الخريطة أصلاً، فإن كل السياح يتوقون لرؤية القلعة. وهذا ما دفع الحكومة الرومانية ان تقرر بناء فندق على هيئة قلعة في الموقع الذي تحدده الرواية. لكن هؤلاء المسئولين اصابهم الرعب في الثمانينيات حينما رأوا انهم سيدفعون هذه الاموال الطائلة لبناء آثار قلعة خمس نجوم. واحتاج الأمر الكثير من التطمينات لإقناعهم بأن هذا هو بالضبط ما يريد السياح رؤيته. ولأن الكثير من فلاحي ترانسلفانيا الفقراء كانوا لا يزالون يستخدمون العربات التي تجرها البغال للتنقل المكومة بهم وبأسمالهم البالية وهو ما أحرج الحكومة حينها، وما دفعها ايضاً لاستثمار خرافة دراكولا والقول لكل الاجانب بأن هؤلاء اناس من المؤمنين بالخرافات ويؤمنون فعلاً بمصاصي الدماء وهو ما يحيلهم على هذه الحال. ويقول دان ميتاجاثون وزير السياحة الروماني: «في عام 1995 نظمنا أول مؤتمر دراكولا في العالم، وذلك في رومانيا لاستثمار الاسطورة سياحياً. وقد أذهلني نطاق الاهتمام الاعلامي بهذا المؤتمر. فقد حضره عدد من الصحافيين ومراسلي محطات التلفزة والإذاعة وكأنه ثورة عام 1989 على نظام تشاوتشيسكو. و قد حضر بعد المؤتمر مباشرة أكثر من 10 آلاف سائح لرومانيا. سواء كنت أريد وجود دراكولا أو أرفضه، فالحقيقة الواقعة هي أن هناك أكثر من 250 فيلماً صنعتها هوليوود حتى الآن عن هذه الشخصية. ونشرت أكثر من 1000 رواية عنها، بل ان هناك صناعة دراكولا في الصين، لهذا رأيت من الغباء أن نبقى متفرجين. وقررت أن أدخل التيار الدراكولي وأبني حديقة دراكولا».