من مدينة حلب السورية الشهباء انطلق مصطفى العقاد منذ أكثر من ربع قرن من الزمان كمغامر من نوع خاص جدا يرتاد البر والبحر ويخترق الأجواء ليصنع لنفسه اسماً مهماً في عاصمة السينما العالمية «هوليوود» وقد تسلح العقاد كمخرج واتكأ على مقومات شخصيته العربية والاسلامية التي منحته القدرة الابداعية على محاكاة السر السحري الآمر في الفن السابع وفي السينما الأمريكية التي تسود وتسيطر عالمياً كما استطاع ان يؤكد على حضوره الفني اللافت في بلاد العم سام لأنه تمكن من أدواته ومن لغته السينمائية كفن وكصناعة تتأصل على الفكرة والموضوع الذي يستحضره ويستدعيه ويستنطقه من بيت التاريخ وذاكرته الحية كما في فيلميه: الرسالة وعمر المختار الذي يعبر بصفة خاصة وبمصداقية شديدة عن الوضع المأساوي الراهن في فلسطين! ولو لم يقدم العقاد في حياته شيئا سواهما فلا أحد يمكنه أن يشكك قط في تفوقه في استخدام أحدث آليات هذا الفن والتعامل بذكاء ايديولوجي واع مع تقنياته التي يعتبرها الشكل المعاصر والمناسب والضروري والذي يطوعه لخدمة قضاياه وقيمه وأفكاره العربية والاسلامية التي تتمحور حولها كحضارة انسانية عامة شغلت العالم خمسة عشر قرنا من الزمان وشكلت في حقب زمنية معينة مثالا مثيرا للجدل والصخب بل ودافعا أساسيا لقيام الصراعات والحروب بين الشرق والغرب ـ وفي دبي مؤخرا شارك العقاد في الحملة الإماراتية لتلفزيون دبي: كلنا فلسطين. ومعه التقينا حيث دار هذا الحوار: ـ كمخرج عربي وعالمي تعيش في هوليوود قلب الحدث السينمائي والسياسي منذ اكثر من ربع قرن كيف ترى السينما العربية بشكل عام؟ ـ السينما العالمية هي السينما الأمريكية والسينما العربية هي السينما المصرية ليس لأنهم عباقرة في مصر وجهلة في الدول العربية الأخرى ولكن التجربة المصرية هي الأقدم واللهجة المصرية أصبحت هي المنتشرة في العالم العربي كله وفي سوريا مثلا خصوصاً بعد انتشار الفضائيات صارت الصورة أفضل انتاجياً لكن يظل الفيلم العربي بدون اللهجة المصرية انتشاره محدوداً وقد كنت في مهرجان السينما بالبحرين وقام أحد المنتجين التونسيين يحتج على المصريين قائلاً صار لي فيلم من سنتين في مصر ولم يوزع او يعرض لأنهم كما يقول في مصر يحاربون السينما التونسية فقلت له بأي لهجة هذا الفيلم قال لي بالتونسية قلت له من في العالم العربي سيفهم هذه القيمة الفكرية وبهذه اللهجة؟ قد يكون هذا الفيلم او ذاك من أفضل وأجود الأفلام لكن المسألة متعلقة مباشرة انتاجياً وتوزيعياً بالجمهور فهو الأساس الأول والأخير وهو الحكم الوحيد بيننا واذا وصلت لهذا الجمهور مهما قلت او قدمت معناه أنك نجحت ولا شيء آخر! جماهيرية الافلام ـ لكن هذا الكلام يتعارض مع الواقع بدرجة كبيرة فهناك الكثير من الأفلام التي نجحت جماهيريا وحققت أرباحا طائلة لكن قيمتها الفنية والفكرية متواضعة جداً وضعيفة ولم يصفها النقاد والكتاب والصحافيون الا بالمبتذلة فماذا تقول؟ ـ اسمعني جيداً يقولها العقاد بحزم وحسم لا أوسكارات ولا جوائز كان ولا نقاد ولا أوسمة تساوي أي فيلم ناجح جماهيرياً وإذا استطعت ان تصنع فيلماً جيداً جداً يصل الى حد أنه تحفة فنية ولم يصل للجمهور فهو فيلم فاشل جدا ويضحك العقاد بصوت عال اتفرج عليه أنت وأمك!! ونحن كإعلاميين سينمائيين نعتبر أنفسنا همزة الوصل بين الفكرة والفن وبين الجمهور! ـ وهل هذا الرأي ينطبق أيضاً على المخرج المشهور يوسف شاهين؟ ـ يوسف شاهين مخرج قدير فعلا وأفلامه عالية المستوى لكنه في معظم اعماله يفتقد الجمهور وهذه مشكلته الأساسية ومهما حاز على جوائز تبقى جائزة الجمهور الأهم والأكبر! وهنا يقال لابد انك إما أن تنزل لمستوى الجمهور او ترفع الجمهور اليك وأنا أقول نعم أنزل الى مستوى الجمهور ثم أحاول أن أرفعه بطريقة غير مباشرة وليس بالغموض او التعالي عليه والحذلقة في اللغة السينمائية التي أراها كصناعة اداة تسلية بالدرجة الأولى وليست كما تقول اداة تثقيف وإلا فليس هناك أي مشاهد سيذهب لرؤيتك لأن الثقافة والمحاضرات ليست في دور العرض ثم يستدرك العقاد فيقول لكن لابد للمخرج الجيد أن يتسلل من هذه التسلية والتشويق الى الأفكار التي يريد ان يطرحها وهنا يكمن الذكاء الفني للمؤلف والسينارست ثم يعود العقاد لمهرجان البحرين ويقول هناك مخرج سوري آخر غير التونسي يشكو لي من أن فيلمه صار له اسبوعان بدار العرض ولكن لا أحد يذهب ليشاهده فقلت له ولا يهمك غداً سأذهب وأحضر لك القوات المسلحة وعدداً من الباصات ونجمع الشعب بالقوة ليتفرج على فيلمك هذا... ياعم اذا ما أحد يريد يشوفه معناه انك ما عندك شيء يجذب الجمهور وهذه مشكلتنا الرئيسية في السينما العربية نحن نحتاج للتسويق للدعاية للتشويق وهذا ما يجلب الجمهور!! ـ غريب هذا الرأي من مخرج دارس دراسة علمية متخصصة فأين الأكاديمية في الفن السينمائي إذن ونحن نجد: الصعيدي وكمننا والود بيليه وغيرها تحقق الملايين بينما الأفلام الجادة قد لا تغطي تكاليفها؟ ـ لا توجد اكاديمية في السينما ولا في الفن عموماً ومن هذه الأفلام الهابطة والرديئة يمكنك التسلل لهذا الجمهور كما حدث فعلا حيث يتم حرق العلم الأمريكي والصهيوني في مظاهرة ما أو أي موقف ايجابي اخر يمكن أن ينمو الى أن يصعد الجمهور ويعلو معك لأن الجمهور نوعان اما متفرج او مشارك والمتفرج هو الذي يريد التسلية اما المشارك فهو الايجابي المتفاعل مع الفيلم يبكي ـ يضحك ـ يتألم ـ يتحمس وعلينا تحويل المتفرج الى متفاعل لكن مثلا بيكاسو هذا يرسم لي «شخوط، شخوط، شخوط» لكن ما وصلت هذه الرسوم للجماهير وصلت لطبقة نخبوية معينة ولهذا ليس لها تأثير والفنان مفروض يوصل للجمهور. ـ وما هي الموضوعات السينمائية التي يقبل عليها الجمهور في هذا العصر كما تعتقد؟ ـ ياعم.. ياحبيبي لا تنس الان ان التلفزيون والفضائيات أثرت سلبا على السينما والمسرح وعلى الكل لان وسائل التسلية البيتية راقية جدا: شاشة كبيرة واستيريو وستالايت وهذا يجعلك تجلس وتدخن وتشرب وتستمتع في البيت وبهذا فان رواد السينما الان في امريكا وباقي دول العالم من الشبيبة لانهم يلتقون ويحبون ويتواعدون ولهذا فان 80% ممن يدفعون تذاكر السينما شباب ولهذا فرضت موضوعات الشباب نفسها سينمائياً الجنس، الخوف، الحب وهكذا وأنا حاليا أعمل في أمريكا سلسلة خوف ناجحة جدا لانه هذا هو الجمهور الذي يدفع ثمن البطاقة!! ونحن تحت رحمة هذا الجمهور حتى لو كنت من أكبر الفلاسفة! ـ فيلماك «الرسالة» ثم «عمر المختار» جلبا لك شهرة كبيرة في العالم العربي... ما هي أعباء هذا النجاح الذي كما نعرف أنك توقفت تماماً عن تقديم ما يوازي هذه القيمة الفنية والفكرية والسياسية عربياً وإسلامياً؟ ـ يهز رأسه تعبيراً عن الأسى والأسف ثم يقول هذه هي المشكلة بعد الفيلمين صارت الأوسمة والتكريم من كل رئيس عربي أو ملك ثم جاء السؤال التالي: أفلام عن أنفسهم هم يريدون ذلك وهذا عندي لا يمكن لانك لابد أن تهاجم نظاماً وتخدم نظاماً وأنا عندما أعمل لابد أن أشعر بالحرية وكما يقول القذافي «في الحاجة تكمن الحرية» وفعلاً اذا انا محتاج فأنا لست حراً وبالصدفة انا لست محتاجاً ولهذا فأنا حر وأستطيع أن أقول لا وهذا يعجبني وهذا لا يعجبني!! المهم إنني لا أصنع اي سينما تدخل بالسياسات المحلية والاقليمية لأنها اختصاصات وزارات الاعلام العربية أما أنا فأريد أن أخدم الأمة العربية وتراثها وطالما أنا انطلقت للعالمية وليس العليائية لان العالمية لغة وتقنية وكفن ابداع ما في فرق بين عبدالله غيث وانطوني كوين ولهذا اريد أن اتخصص كمخرج عربي أن اخاطب العالم بنفس منهجهم وتفكيرهم ومنطقهم مثلا في فيلم الرسالة هناك مشهد النجاشي والاسلام والمسيح ومريم هذه تجلب الجمهور الغربي خصوصاً مثل هذا المقطع الحواري الحضاري خصوصاً اذا كنت تعرف عاداتهم ومنطقهم ولغتهم وهكذا!! الاسلام والارهاب ـ ونظرا للوضع العالمي الراهن وبعد 11 سبتمبر ما هي الأفكار التي يمكنك تصنيعها سينمائياً لهذا الجمهور الغربي؟ ـ نتيجة سبتمبر أنه أصبح هناك ربط بين الاسلام والارهاب والاعلام الصهيوني نجح في وضع اليهودية والمسيحية في كفة واحدة ضد الاسلام والان اصبح صلاح الدين مهم جداً لأنه يوضح انه اذا كان هناك اي ارهاب باسم الدين فهي الحروب الصليبية ولكن لا نتهم المسيحية كما يفعلون بالارهاب ولكن اشخاصاً معينين منهم فقط وبهذه المقارنة نستطيع ان نخاطب العالم لأنهم ومن مصادرهم جاء قادتهم وذبحوا الرهبان وأشعلوا الكنائس ولو أن مئة قس حملوا الصليب وذهبوا الى عرفات وخرجوا به من هذا الحصار أعتقد لا يجرؤ اي جندي صهيوني باطلاق الرصاص لان مثل هذه الصورة تحدث في أمريكا والغرب الزلزال!! ـ أنت تحمل الجنسية الأمريكية منذ سنوات طويلة لكنها الان ماذا تعني لك كعربي متهم بالإرهاب من وجهة نظرهم؟ ـ الجنسية الأمريكية هي مجرد وثيقة فقط وليست وثيقة قومية مثل البريطانية، الفرنسية، الايطالية، الهندية كل هذه قوميات اما الأمريكية فهي تعني تجمع شعوب العالم كشركة مساهمة والمجتهد يدخل للمشاركة حسب نص الدستور وليس حكم الأغلبية وهناك قصة قصيرة جداً في أمريكا مشهورة للغاية حيث أن أمرأة ملحدة كان ابنها يومياً في المدرسة يدرس ويذكر اسم الله وهي لا تؤمن بالله فرفعت دعوة على الحكومة الأمريكية وربحتها وتحكم المحكمة ثاني يوم بمنع ذكر الله في كل مدارس امريكا لان هناك فصلاً تاماً بين الدين والدولة ولهذا أنا أمارس الطقوس الاسلامية بكل حرية في أمريكا أكثر من أي بلد عربي أو اسلامي!! ـ قدمت «عمر المختار» بينما يحبذ ويفضل الاخرون تقديم شخصيات من التاريخ المعاصر مثل عبدالناصر وأم كلثوم وغيرهما فما رأيك بهذا الاتجاه؟ ـ التاريخ المعاصر ليس به أي شيء مشرف ماعدا عبدالناصر الذي أعطاني الكرامة والعزة التي لم أرها من بعده كعربي وللان لم استطع قط ان أنسى حديثه عن الباخرة كليوباترا المصرية التي أتت الى نيويورك أثناء حرب الاستنزاف حيث رفض العمال تفريغ الباخرة بتأثير من اللوبي اليهودي واذا بعبدالناصر يخطب في العمال العرب من المحيط للخليج ويطلب منهم عدم تفريغ أي بواخر أمريكية في موانيء الدول العربية وتجاوب العمال مما اضطر الجيش الأمريكي الى القيام فوراً بتفريغ شحنة الباخرة المصرية كليوباترا لكنني لست من المدرسة التي تأتي بممثل يشبه عبدالناصر ويقلد صوته ونعمل فيلماً بهذه الطريقة ورغم جودة المخرج محمد فاضل والممثل احمد زكي لكن الموضوع هو المهم والكاتب والفكرة والرسالة وبالمناسبة انا قمت بعمل فيلم وثائقي عن حياة عبدالناصر باللغة الانجليزية لمدة أربع ساعات للعالم الغربي مع محمد حسنين هيكل كراوٍ وأنا استخدمت الخلفية بالصور وما الى ذلك لكنه منع من جميع المحطات في الدول العربية وفي أمريكا رفضوا عرضه بسبب وجود حدثين الاول تفجير اليهود لأشياء أمريكية في القاهرة مثل سينما لافون لاتهام المصريين وهي ما عرفت باسم فضيحة لافون والباخرة ليبرتي الأمريكية والتي ضربها الاسرائيليون في البحر المتوسط ليتهموا المصريين أيضاً! فانتازيا مهزلة ـ نأتي الى الدراما السورية ما رأيك بهذا التطور وخصوصا الفانتازيا التي قدمها نجدة أنزور؟ ـ هذه الفانتازيا «مهزلة» ولا أفهم ماذا يعني وجود فتيات شبه عاريات في الصحراء ذوات اشاربات أحمر، أخضر، أصفر وحرير وما إلى ذلك ما هو الغاية منها؟ وماذا سيفهم اطفالنا العرب من هذه المشهدية التي تصور له شخصياتنا التاريخية في محاولة ابهار بالصورة على حساب الموضوع وأنت كمخرج اذا شعرت حتى بالموسيقى التصويرية أنها ستؤثر سلبا على الفكرة والموضوع وتركتها فإن العمل كله سيضيع فما بالك بالملابس والصورة وزاوية من بين رجليك وصرخة هنا واثارة هناك فالعمل كقصة ضاعت من بين ايديك!! ـ أخيرا هل من إضاءات عن الوجه الآخر لمصطفى العقاد: اجتماعياً، سياسياً او أية معلومات عن حياتك الخاصة؟ ـ والدي كان قاسياً جداً في تربيتي الأخلاقية والدينية والبيئية في مدينة حلب ولكن الان اتذكره فأشكر الله على هذا الأب الذي جعلني أذهب لأمريكا فقيراً معدماً مالياً لكنني غني دينياً وأخلاقياً وتراثيا وهذا ما جعلني أحافظ على شخصيتي بسبب هذه التربية الجادة أما بيتي في ولاية لوس انجلوس أو بهوليوود اذا دخلته تشعر تماماً انك تعيش في حلب المأكولات، الموسيقى، اللغة، الدين وعندما اخرج من البيت وأغلق الباب تجدني أمريكياً 100% في التفكير والطريقة العملية والمنطقية ونظام العمل وكل شيء ولكن باسم: مصطفى العقاد رفضت تماما تغييره كما طلبوا مني مراراً في هوليوود!!!