لم يكن شهر ديسمبر الماضي شهراً عادياً في حياة الشعب الصيني الذي عاش الجانب الأكبر من حياته في عزلة متعمدة عن بقية شعوب العالم، فقد شهد ذلك الشهر، تحولاً تاريخياً كبيراً يعد بمثابة نقلة فاصلة في تاريخ هذه الدولة الآسيوية العملاقة التي يتوقع لها الجميع ان تكون المنافس الأوحد خلال العقود المقبلة للقوة العظمى الوحيدة الموجودة في العالم حالياً وهي أمريكا. هذا التحول التاريخي تمثل في انضمام الصين الى منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي نجم عنه حدوث تطورات جذرية على جميع الأصعدة في الصين. أحد أهم تلك التغيرات هو الولع الصيني المتزايد بصناعة السيارات وباقتنائها بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. فقد كان أحد متطلبات الانضمام للمنظمة الدولية هو قيام الحكومة الصينية بخفض التعرفات الجمركية المفروضة على الواردات الصينية من السيارات من 80% الى 25% أو أقل بحلول عام 2005، وتم تنفيذ أولى خطوات هذا الخفض في يناير الماضي عندما انخفض سعر سيارة الـ «بي.ام.دبليو» الفارهة بمقدار 13 ألف دولار دفعة واحدة. هذا الأمر ترتبت عليه قفزة في مبيعات السيارات بشكل عام في شهري يناير وفبراير الماضيين وحدهما بلغت نسبتهما 13.5%. ومنذ هذا التطور الذي شهدته الساحة الصينية، أخذت أسعار السيارات في الانخفاض بشكل ملحوظ، الأمر الذي دفع ابناء الطبقة الوسطى من المجتمع الصيني الى التهافت على اقتناء كل ما هو جديد ومتطور في عالم السيارات المفعم بالمغريات، حيث غدا امتلاك السيارة يمثل للمواطن أحد رموز الاستقلال والحرية التي حرم منها المواطن الصيني طويلاً. فمنذ حوالي تسع سنوات على الأكثر كان أقل من 15% من مشتري السيارات الصينيين أفرادا يشترونها لاستخداماتهم الشخصية، حيث كانت أغلبية السيارات المباعة تذهب للشركات والمؤسسات الحكومية أو توظف لخدمة الاستخدام الجماعي. هذه النسبة قفزت الى 50% بحلول عام 2000، حيث وصل عدد السيارات التي تباع للاستخدام الشخصي الى سبعة ملايين سيارة وحافلة. وتشير الاحصاءات الى ان مواطنا بين كل 100 مواطن صيني الآن يملك سيارة، وهو أمر يدل على تطور هائل مقارنة بالماضي، على الرغم من ان الهوة لاتزال شاسعة في هذا الشأن بين المواطن في الصين ونظيره في أمريكا، حيث يملك فرد بين كل فردين في الولايات المتحدة سيارة. فمنذ 15 عاماً كانت أكثر السلع رفاهية لدى المواطن الصيني هي التلفزيون الملون، وكانت وسيلة التنقل الشخصي الرئيسية هي الدراجة، ولكن الأمر لم يعد كذلك الآن. فبعد 25 عاماً من التحرر الاقتصادي، ظهر ما يُعرف بالطبقة الوسطى الصينية التي سمح لها دخلها السنوي ان تقتحم أبواب الرفاهية التي غدا امتلاك سيارة خاصة أهم مظاهرها. والغالبية العظمى من أبناء هذه الطبقة يتمركزون في الشريط الساحلي للبلاد، وهي المنطقة التي يلاحظ فيها بالفعل هذا الولع الكبير باقتناء السيارات بمختلف ألوانها وأنواعها. وفي فترة التسعينيات بدأت المشروعات المشتركة في صناعة السيارات تعرف طريقها للساحة الاقتصادية الصينية، فقد تمت اتفاقات وعقود عمل بين عدد من شركات تصنيع السيارات العالمية مثل فولكس فاجن الألمانية وجنرال موتورز لتوريد سيارات فارهة الى الصين كي يستخدمها علية القوم، مثل الوزراء ومن ماثلهم. أما الآن فقد تحول التركيز الى تصنيع واستيراد السيارات العائلية. ويقول كيفن جوان أحد كبار المسئولين بشركة جنرال موتورز في الصين: «تشير الدراسات التي أجريت على احتياجات السوق الصيني من السيارات الى ان المشترين يريدون اقتناء السيارة من أجل الوصول الى عملهم وكذلك من أجل استخدامها في التنزه مع أفراد عائلاتهم». وعلى الرغم من التوقعات المتفائلة بشأن نمو سوق السيارات الصيني في الفترة المقبلة، وتأكيدات البعض ان الصين تتمتع بأسرع أسواق السيارات نمواً في العالم، إلاّ أن شركات تصنيع السيارات الأجنبية لم تجد حتى الآن الطريق ممهداً لأن يكون لها وجود ملموس في هذا السوق. فمؤخراً قامت شركة بيجو الفرنسية باستثمار نحو 450 مليون دولار في الصين، ولكن جهودها باءت بالفشل مما أدى الى انسحابها من السوق بعد ان فشلت مبيعاتها في كسب ثقة المواطن الصيني بسبب ارتفاع سعر الوقود الذي كانت تستهلكه السيارة الفرنسية بشراهة. فسعر الوقود في الصين يعد أغلى من نظيره في الولايات المتحدة، إذ يصل سعر اللتر الواحد الى حوالي 28 سنتاً. ففي الوقت الذي تعتبر الأيدي العاملة الصينية رخيصة، مقارنة بنظيراتها في معظم بلدان العالم، فإن صناعة السيارات تحتاج لرؤوس أموال ضخمة في الوقت الذي تعد أسعار قطع الغيار في الصين والمواد الأخرى اللازمة لعملية التصنيع مرتفعة للغاية. لذا فإن الاحصائيات تشير الى ان تصنيع السيارة في الولايات المتحدة الأمريكية يعد أرخص بكثير من تصنيعها في الصين! وفي الوقت نفسه، يعترف القادة الصينيون بأن صناعة ومبيعات السيارات تعد من عوامل التنشيط الاقتصادي المهمة، ولكنهم في الوقت نفسه لا يريدون زيادة مفرطة في مبيعات السيارات لما لها من تأثير على نسب التلوث في البلاد والتي تزيد بمقدار عشر مرات عن المعايير المتعارف عليها في معظم دول العالم. غير ان المواطن الصيني لا يأبه بما قد يحدثه تزايد السيارات من آثار بيئية سلبية، فهو يريد ان يستمتع بالحرية التي حرمت منها الأجيال السابقة، وهذه الحرية متمثلة في السيارة التي لم تعد تمثل أحد رموز الرفاهية، كما هو الأمر في العديد من دول العالم، ولكنها في المقام الأول غدت رمزاً من رموز الحرية التي طال انتظارها. حاتم حسين