يبدو ان المقولة الرائجة في اليمن «السلاح جزء من شخصية اليمني» والتي ما برح كبار المسئولين في البلاد يرددونها دوما، هذه المقولة تغدو اليوم اخذة في التحول الى «السلاح جزء من معاناة اليمنيين، » هكذا تبدو في الوقت الحالي خاصة مع تزايد اعداد القتلى الذين يسقطون يوميا بفعل استخدام السلاح والعبث به. العبث بالسلاح واذا كان من المألوف لجوء البعض الى تصفية حساباتهم مع خصومهم باستخدام السلاح عن سبق اصرار وترصد فهناك كثيرون يقضون دون ان تكون لهم خصومات مع الغير وانما على ايدي اقرب المقربين لهم فيكون الضحية صاحب السلاح نفسه الاب، الام، الزوجة، الابن، الاخ، او الصديق، او الجار بسبب العبث بالسلاح الذي ينجم عنه سقوط قتلى وجرحى عن طريق الخطأ الناتج عن العبث بالسلاح الناري الذي اودى مرارا بحياة الكثيرين واعاق العديد منهم فالموت بفعل هذه الظاهرة وصل الى درجة مقلقة كما توضح ذلك المعطيات والمؤشرات المتوافرة وكما تؤكده الحالات المفجعة الماثلة للعيان في المستشفيات والمدن والقرى اليمنية، والزائر الى اي مستشفى يمني لمعايدة صديق او قريب سيلحظ ان شخصا او اكثر يرقد بسبب اصابته بطلقة نارية عن طريق الخطأ وهذا امر شائع في المستشفيات الحكومية والاهلية على حد سواء. امثلة واقعية تقول المرأة العجوز هذه ابنتي اصابها زوجها بمسدسه عندما كان ينظفه امامها فاستقرت الرصاصة في نخاعها الشوكي بعد ثمانية اشهر على زواجها ولا أمل في شفائها كما اكد لنا الاطباء في الاردن وتستطرد المرأة شرح مأساتها وكيف ان اصابة ابنتها قد أتت على كل ما يملكون وهم ينتقلون بها من طبيب الى اخر طيلة خمس سنوات منذ اصابتها واضطرتهم معالجة الفتاة البقاء في الاردن لمدة ستة اشهر دون جدوى لان الرصاصة استقرت في النخاع الشوكي للفتاة ولا يمكن اخراجها حسب أراء كل الاطباء. طفل اخر سقط قتيلا عند مروره امام احد الدكاكين اذ انطلقت رصاصة من بين يدي طفل اخر كان يعبث بمسدس والده داخل الحانوت لتنطلق منه رصاصة بالمصادفة وقت مرور الطفل انور الذي قيل ان والدته اغمى عليها عندما وصلها الخبر لتنقل الى المستشفى. في مستشفى الخزان الاهلي في العاصمة صنعاء وبينما في زيارة فتاة ترقد هناك وصلت للتو فتاة مصابة بثلاث طلقات نارية في البطن والساق من بندقية عمها الذي كان يحاول اصلاحها وهي امامه فانطلقت منها الرصاصات، كان الرجل ساخطا على نفسه نادما على فعلته وهو خارج غرفة العمليات، الطبيب العراقي الذي اجرى العملية وتكللت بالنجاح قال لنا ا كثر العمليات التي اجريها في هذه المستشفى هي لضحايا اطلاق النار بالخطأ او بالعمد مضيفا اليمنيون الذين يسقطون او يصابون بالسلاح يوميا اكثر من الذين يصابون في الحروب. حجم الكارثة الجميع يدرك خطورة الامر وينتقدونه لكنهم لا يقدرون على عمل شيء في بلد يصل فيه عدد قطع السلاح المنتشرة في يد المواطنين الى حوالي 60 مليون قطعة حسب تصريح لوزير الداخلية السابق حسين عرب ويسقط بفعل العبث فيه يوميا العديد من الاطفال والنساء والشيوخ والشباب وحسب التقرير السنوي لوزارة الداخلية اليمنية للعام 2001. ووفقا للمعلومات المتاحة الواردة في التقرير السنوي للجريمة في اليمن الصادر عن وزارة الداخلية اليمنية بلغ عدد جرائم القتل الغير العمد خلال العام 2001م 279 جريمة بنسبة 417% من الاجمالي العام للجرائم ذاتها كما وصل عدد الاصابات الخطأ الى 651 اصابة بواقع 974% من اجمالي الجرائم الغير جسيمة وهو ما يبرز حجم الكارثة الناجمة عن ظاهرة العبث بالسلاح والتي قد تكون اكثر بكثير مما تكشف عنه هذه الارقام حيث هناك الكثير من حالات الوفاة والاصابات لا يبلغ عنها للاجهزة الامنية اما لانها تحدث في نطاق الاسرة الواحدة وبالتالي يجري احتواءها في اطار عائلي واما لان الكثير منها يحدث في مناطق نائية وبعيدة خاصة في الاوساط القبلية التي ينتشر فيها حمل السلاح واقتنائه على نطاق واسع وهناك من يذهب الى ازيد بكثير من تلك الارقام مرجعين ذلك الى كون بعض من الاجهزة تحاول دوما التقليل من حجم الحوادث الواقعة في نطاقها للايحاء ان الظروف الامنية في نطاق دائرتهم اكثر انضباطا وحزما من غيرها. الاصابات في تزايد ومهما بدت التقديرات معبرة عن واقع الحال كما وردت في الاحصائيات الرسمية ام لا فالبادي للعيان ان المشكلة كبيرة وضحاياها الذين يسقطون في تزايد مستمر اذ خلال اجازة عيد الاضحى المنصرم فجعت 79 أسرة بسبب رصاصات العيد التي يطلقها بعض اليمنيين احتفاء بالعيد وطبقا للتقارير الامنية التي درجت السلطات اليمنية على نشرها لمثل هذه المناسبات فإن عدد حالات اطلاق النار الخطأ خلال اجازة العيد بلغت 79 حالة نتج عنها وفاة 21 شخصا واصابة 50 اخرين بجراح بعضها قد ينجم عنها اعاقات دائمة ويذهب التقرير الى ايضاح ان النصيب الاكبر من حوادث اطلاق النار الخطأ خلال اجازة العيد كان لكل من محافظتي تعز وآب حيث بلغت 12 حادثة في محافظة تعز خلفت 4 قتلى و 7 مصابين فيما كان نصيب محافظة آب من تلك الحوادث 12 حادثة نتج عنها 3 قتلى واصابة 8 اخرين وتوزعت بقية الحوادث على المحافظات الاخرى، ولم تكن في منأى عن تلك الحوادث سوى ثلاث محافظات هي حضرموت والمحويت والمهرة وارجع التقرير سبب تلك المآسي الى التعامل الخاطيء مع السلاح مشيرا الى ان ضحايا تلك الحوادث هم اما المتعامل مع السلاح نفسه او احد اقاربه من الاصول او الفروع او الحواشي وان من بين المتوفين والمصابين عدد من الاطفال والنساء حسب ما ذهب اليه تقرير الحالة الامنية خلال اجازة العيد. ومن الواضح ان ظاهرة العبث بالسلاح وما ينجم عنها من مخاطر لم تعد تترك مجالا للسكوت حسب المتابعين لهذه المأساة الانسانية ويرون انه آن اوان اثارة هذه القضية في وسائل الاعلام ومن قبل فعاليات ومنظمات المجتمع المدني خاصة منها العاملة في ميدان الدفاع عن حقوق الانسان وحقوق الطفل والمرأة واضطلاعها بدور توعوي داخل المجتمع والقيام بحملات توعية بين السكان وارشادهم الى تجنب مثل تلك الممارسات المميتة طالما ان حمل السلاح من المسائل المشاعة في البلاد كما ان السلطة عليها ان تبادر لاخذ زمام المبادرة عبر اتخاذ ضوابط للحد من حمل السلاح واقتنائه من جهة والمشاركة في حملة وطنية للتوعية بمخاطر العبث بالسلاح وابراز ما ينجم عنها من فجيعة للأسر المنكوبة من خلال اطلاع الناس على تلك المؤشرات الاحصائية وما نتج عنها من مآس.