تنفرد سلطنة عمان بتاريخ يحفل بالعديد من المحطات السياسية والدينية والثقافية، فهي خلال مختلف مراحل تاريخها كانت ولاتزال منارة للعلم والفقه، وتحتضن السلطنة، مدنا عريقة شهدت كل منها احداثا جسيمة اثرت في مسيرة البلاد ككل، ومن هذه المدن «نزوى» او «بيضة الاسلام» كما كانت تلقب والتي شهدت قلاعها التي تم تشييدها بمواصفات معمارية تدل على حنكة اهلها العديد من الاحداث، فهي باسواقها الشعبية وحصونها وموقعها الجغرافي المميز وسط السلطنة تعد نموذجا رائعا للمدن العربية التي لايزال يفوح منها عبق التاريخ، التقرير التالي يستعرض بعضا مما تحتضنه مدينة نزوى. مدينة نزوى هي من اعرق المدن العمانية تاريخا وحضارة وهي العاصمة العمانية الثانية بعد صحارحينما نقلت العاصمة من صحار على ساحل خليج عمان وذلك في عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي «237هـ ـ275/ هـ 851م ـ888م » والذي كون أول أسطول بحري. وهي تبعد حوالي 175 كيلو مترا غرب مسقط و شغلت حيزا من الزمن كعاصمة لعمان في ذاك الوقت وكانت تلقب فيما مضى من الزمان «ببيضة الإسلام» وقلب عمان نظرا لموقعها الاستراتيجي في قلب المنطقة الداخلية من عمان ولما ظهر منها من رموز للفكر والادب ودراسة لفقه العقيدة الاسلامية ومن اشهر مواقعها السياحية الجبل الاخضر وبركة الموز وفلج دارس الذي هو من اشهر افلاجها المنتشرة وهو من أكبر أفلاج السلطنة و يروي مساحة كبيره من نزوى وله ساعدان (رافدان) الاول يطلق عليه الساعد الكبير وهو بطول الف وسبعمئة متر وسمي بالكبير نظرا لغزارة مياهه والساعد الثاني يسمى الساعد الصغير لان مياهه اقل غزارة ويلتقي الساعدان في نقطة واحدة ويروي الفلج مزارع النخيل. بالاضافة الى باقي المزروعات الاخرى حيث ان مدينة نزوى تشتهر بزراعة النخيل والليمون والمانجو وقصب السكر وغير ذلك من الفواكه والخضروات. ويوجد بها عدد من المساجد التاريخية والاثرية و التي منها مسجد الشواذنة الذي بني في 936هـ /1529م و مسجد الشرجة الكائن في منطقة سعال التي تدل الكتابة والنقوش في محرابه على أنه بني في عام 924هـ / 1518م وجامع نزوى الذي كانت تقام فيه صلاة الجمعة زمن الائمة وكان مقرا لدراسة الفقه واللغة العربية بفروعها وتخرج منه عدد من الائمة والعلماء وفي عصر الحضارة العمانية الحديثة طور ذلك الجامع باحدث طرازات العمارة ولايزال يحتفظ بدوره التعليمي. وتشتهر نزوى ماضيا وحاضرا بمركزها التجاري المهم حيث اشتهرت قديما بصناعات الفضة والذهب والنحاس ويزخر سوقها الشعبي بالصناعات اليدوية المتقنة من مشغولات معدنية وخشبية كالحلي الفضية والذهبية والدلل والخناجر والسيوف والمصنوعات النحاسية المختلفة بالإضافة إلى الأحزمة والأقفال ذات النقوش الفنية ودباغة الجلود وصناعة الحلوى والنسيج وصناعة ماء الورد والتبسير ويشتهر سوق نزوى بتسويق الثروة الحيوانية، كما تحفل بالمحاصيل الزراعية، وتأتي التمور في مقدمة محاصليها الرئيسية وبها مصنع لتعليب التمور وتسويقها وفق أحدث المواصفات العالمية. ومن أشهر رجالات نزوى عبر التاريخ العماني ابو الشعثاء الامام جابر بن زيد الأزدي الذي ولد في أوائل العشرينيات من القرن الهجري في بلدة فرق وأخذ علم الحديث الشريف من كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وأصبح ثقة في الحديث بإجماع المحدثين، وتوفي عام ثلاثة وسبعين بالبصرة والامام الصلت بن مالك الخروصي، كما ولد فيها أيضاالشاعر العماني المشهور ابن دريد اللغوي صاحب معجم الجمهرة ومقصورة ابن دريد القصيدة المشهورة، وتوفي عام ثلاثمئة وواحد وعشرين، ويقال أنه عاش ثلاثة وتسعين عاما. المعالم التاريخية والاثرية ومن المعالم التاريخية والاثرية في نزوى الحصون والقلاع ومن اشهر حصونها حصن نزوى الملاصق لقلعة نزوى و حصن تنوف وبيت الرديدة وبيت السليط. فحصن نزوى ملاصق للقلعة و شيد أول جزء منه الإمام الصلت بن مالك عام 237ه/ 851م وتشير رواية أخرى أنه بني قبل تولي الإمام الصلت بحوالي 12 عاما، وجدد بناؤه في عهد الامام ناصر بن مرشد اليعربي عام «1034هـ / 1624م» وبقي الحصن والقلعة مقرا إداريا للولاية على مر العصور و يسكنه الأئمة والولاة. والحصن عبارة عن مبنى مسور رباعي الزوايا يضم سجنا والمجلس أو صالون الوالي للنظر في شكاوى المواطنين وفض خلافاتهم أو لاستقبال الضيوف، والحصن الكبير الذي يشرف على المدينة يقع في وسط المدينة القديمة في حي العقر في نزوى القريب من السوق الذي يمتد خارج البوابة قرب مسجد الجمعة القديم، وكان المسجد يقوم على موقع مركزي تحيط به ورش الصاغة وسباكو النحاس وكذلك سوق مكشوف لبيع المنتجات الزراعية، ومن المحتمل أن هذا المسجد كان من بين المساجد التي زارها ابن بطوطة عندما التقى بالحاكم النبهاني في القرن الثامن للهجرة الرابع عشر الميلادي ويشغل المسجد الجديد معظم المنطقة. قلعة نزوى نظرا لما قامت به نزوى من دور هام في داخلية عمان عبر حقب التاريخ الماضية فقد قام الإمام سلطان بن سيف اليعربي الذي خلف الإمام ناصر بن مرشد خلال فترة حكمه بين 1649ـ 1679 م ببناء قلعة نزوى التي تعتبر من أروع واضخم المآثر الحضارية والتاريخية في عمان، فهي تقع في وسط مدينة نزوى وتلاصق حصن نزوى الذي يعتبر مركز الولاية السياسي قديما ولها علو متميز جعلها من أهم المعالم التاريخية في السلطنة. وأستغرق بناؤها اثنتي عشرة سنة، وأنفق الإمام سلطان على بنائها مما غنمه من إحدى غزواته التاريخية المعروفة ب(ديو) حيث استولت قواته على غنائم وثروات كبيرة .. ويقال إن ديو كانت إحد أكبر مراكز البرتغاليين البحرية في الشرق، والإمام سلطان هو الذي شق فلج بركة الموز بين أزكي ونزوى، وقد كان الغرض المحدد لهذا القلعة هو التحكم في تلك الواحة الداخلية وفي الطرق المحيطة بها. وتعتبر القلعة المبنى الرئيسي في الحصن وهي عبارة عن مبنى دائري كبير مبني بالحجر والصاروج العماني و يبلغ ارتفاعها 115 قدما وقطرها 150 قدما وهي بمثابة منصة منبسطة السطح أقيمت على قاعدة مردومة بالحجارة علوها 15 م، وتتكشف أمامها أشجار النخيل والمباني المحيطة بها، ويتم الصعود إلى أعلى القلعة عن طريق سلم ضيق على شكل حرف «ح» حيث يوجد عند كل منعطف منه باب لعرقلة الهجوم المحتمل من الأعداء وعدد هذه المنعطفات سبعة تحميها فتحات تطل من أعلى القلعة على كل منعطف منها وذلك لإلقاء القذائف منها على المهاجمين كما يوجد تحت كل منعطف بئر وأمامه باب ذو متاريس، فإذا افلت العدو من القذائف أو الماء الحار أو الدبس المغلي «عسل النخيل» التي تنهال من الفتحات في أعلى القلعة سقط في البئر، وإذا نجا من الاثنين عاقته البوابة، وإذا افلت من منعطف تعذر عليه ذلك في المنعطف التالي وتتزود القلعة بحاجتها من المياه من عدد من الآبار بداخلها، وتوجد بها عين ماء جارية تحتها، كما توجد بها مخازن للذخيرة و المواد التموينية. وكانت المواد التموينية ترفع بحبال من الفتحات المطلة من سور القلعة، وتلف حول عجله في أعلى القلعة وهي أيضا نفس الطريقة التي تستخرج بواسطتها المياه من آبار القلعة إلى سطحها.وتوجد بسطح القلعة فتحتان تؤدي إلى مخزنين عمق كل منهما خمسة أمتار كانتا تستخدمان كمخازن للأسلحة. ومنصة القلعة الدائرية مزودة بفتحات للمدافع تضمن إطلاق النار و انتشارها 360 درجة كاملة، وترتفع الجدران فوق المنصة إلى عشرة أمتار وبها يتم استكمال المبنى وتتيح له بذلك منطقة دائرية لتحرك المدافعين الذين يستطيعون إطلاق النيران من فتحات توفر لهم الحماية. وتمثل قلعة نزوى التطور في نمط القلاع بين عام « 1059هـ - 1090 ه/ 1649-1679» القائم على أساس برج المدفعية.. وهي قلعة حصينة إلى يومنا هذا ويمكن اعتبار قلعة نزوى معمارا أنتجته حرب مدفعية الأبراج فاختلفت بذلك عن معمار قلاع عمان السابقة عليها ولهذا يتميز بناؤها بأنه على أقصى درجة ممكنة من الصلابة وذلك حتى يستطيع امتصاص ارتجاجات مختلف أنواع المدفعية حين تنطلق وقد تحقق ذلك لكونها كتلة حجرية رصينة. وقد تطورت قلعة نزوى تطورا طفيفا في ذلك الوقت بتطور تكنولوجيا الحروب، فتم إدخال تعديلات على عمارة القلعة حتى يصبح من الممكن وضع مدافع أخف وزنا في مواقع غير مكشوفة، وذلك بهدف تقليل الغازات الضارة الناتجة عن اطلاق القذائف، ولايزال يوجد بها حتى اليوم بعض المدافع على السطح منها ما تم صنعه في نزوى وعليه كتابة باللغة العربية مثلا أحد المدافع يمكن قراءة اسم الإمام سلطان بن سيف المحفور عليه. كما أن هناك مدفعا من مدينة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية قد تم إهداؤه إلى أحمد بن نعمان الكعبي أول سفير عماني إلى أمريكا عام 1840 م ويوجد بهذه القلعة 480 مرمى للبنادق لرمي الأعداء ضد أي هجوم عليها، ويوجد بها كذلك 240 سراجا للزينة على مدار القلعة، ومئة وعشرون عقدا لوقوف الحراس المناوبين لحراسة القلعة والبلاد وبها اربع وعشرون فتحة للمدافع الكبيرة، وأربعون رفصة أي مدرج السلم الذي يصعد عليه الناس، وقد أسس بناؤها على قاعدة صلبة بعمق ثلاثين مترا أي من فوق الماء الجوفي. ولم يكن بالمستطاع الدخول إلى هذا الإنشاء الكبير ضمن الحصن إلا من خلال باب مقنطر صغير مقام على ارتفاع عال في الناحية الشمالية فوق خندق جاف صغير، ولكن لم يكن بالمستطاع الوصول إليه في السابق إلا عن طريق عرضة خشبية كبيرة منحدرة موضوعة عبر الخندق الذي يبلغ عرضه مترين، وكانت العارضة تسحب عند ظهورزوار غير مرغوب فيهم، وأما الأبواب المزدوجة المرصعة بالألواح الزخرفية فمصنوعة من خشب صلد مستورد ولها عتبات منقوشة ترتكز على أعمدة، وتؤدي هذه الأبواب إلى ممر درجي داخل سماكة الجدار، يفضي بدوره إلى ستة أبواب أخرى وست مجموعات من الأدراج يبلغ مجموع درجاتها حوالي 66 درجة حتى القمة، وكان يتعين في السابق أن يقوم الحارس بفتح هذه الأبواب الثقيلة من الداخل الواحد تلو الآخر بناء على طلب الحارس الآخر الموجود في الخارج فقط ثم تغلق من جديد.