ومثلما لاتعترف الطيور بالحدود السياسية بين الدول والقارات، وليس بيدها جواز سفر، كذلك الامراض والاوبئة تنتقل عدواها سريعا بين الدول والقارات.. هذا ما استيقنته البشرية، عبر القرون والازمان، حيث انطحنت الامم تحت رحى الامراض والاوبئة كالطاعون والكوليرا، التي فتكت بها فتكا ذريعا، اذ كانت تنتشر وتستشري مثل النار في الهشيم وتطال كل انحاء العالم... ومنذ عقدين من الزمان اصبحت «الملاريا» خطرا داهما احدق بالعالم، وهدد البشرية جمعاء وخاصة شعوب الدول الفقيرة في العالم، والبلدان ذات المناخ المداري شبه الاستوائي، وفي مقدمتها شعوب القارة الافريقية، وعلى رأسها السودان، وفي الشرائح الاجتماعية الاكثر فقرا فيها، واللاجئين والنازحين على وجه اخص. والملاريا من اخطر الامراض التي تصيب الناس، وهي خطيرة بشكل خاص عند الاطفال الصغار والنساء الحوامل، لان اجسام الاطفال اضعف من اجسام البالغين، ولان المرأة عندما تكون حاملا يكون جسمها ضعيفا، فتغدو اصابتها بالمرض اسهل، ويجب ان تعالج فورا، والا فقد تصبح عليلة جدا، بل ويمكن ان تموت، كما ان الملاريا تشكل خطرا على الجنين في بطنها، وقد تجهضها او يموت الجنين اثناء الولادة وحتى لو ولد حيا فقد يكون ضعيفا، وصغيرا جدا. والملاريا مرض قابل للشفاء سريعا رغم خطورته، ويمكن الوقاية منه، الا انه مازال يقتل الكثيرين في الدول المتخلفة لان الناس لايأتون للمعالجة فتتفاقم علتهم، لعدم ادراكهم لخطورة اصابتهم، اذ يظنون انها حالات خفيفة، او لانهم لايدركون انها مرض خطير جدا، او لانهم يذهبون الى المعالجين بالادوية المحلية التي لا تكون مناسبة دائما ولا تكون فعالة.. وتنجم الملاريا عن وجود كائنات حية «طفيليات» ضئيلة جدا في الدم، وهي من الصغر بحيث لاترى الا تحت المجهر، وهي تتغذى على كريات الدم. نقطة تحول وفي اطار «المبادرة الافريقية» للسيطرة على الملاريا ومن حسن حظ البشرية ان تم انتخاب الناشطة الدولية المهمومة بمكافحة الملاريا الدكتورة جروهارلم لرئاسة منظمة الصحة العالمية، فطرحت على الاسرة الدولية «المبادرة الدولية لدحر الملاريا R.P.M بمشاركة المنظمات المانحة مع الدول المعنية عبر تطوير القطاع الصحي، وتوسيع مشاركة كافة فعاليات المجتمعات المحلية في «دحر الملاريا» واولى المانحون اهتمامهم للمبادرة وأيدوها. وفي ابريل عام 1999 تم في الخرطوم اجتماع دولي لتوحيد الرؤية حول «دحر الملاريا» في افريقيا بحضور «111» عضوا يمثلون المنظمات المانحة و «14» دولة افريقية الاكثر تضررا من الملاريا، وتدارس الاجتماع بعمق وموضوعية كافة جوانب المبادرة، وناقش عدة اوراق عمل، اهمها ورقة المكتب الاقليمي لمنظمة الصحة لشرق البحرالابيض المتوسط حول«وبائية الملاريا» في افريقيا، وورقتي مكتب المنظمة الاقليمي في افريقيا حول «المردود الاقتصادي والاجتماعي لمرض الملاريا» وتطبيق برامج تكثيف دحر الملاريا وقدمت الدول الافريقية مشاريع خطط عملها، وتمت اجازة خطط عمل مفصلة لكل قطر، وخلص الاجتماع الى ان نقطة الضعف الاساسية التي تؤدي الى فشل البرامج هي ضعف الالتزام السياسي بالمبادرة وعدم وجود جهاز لجمع المعلومات وتحليلها. انطلاق المبادرة الدولية وفي وجه انتشار الملاريا في سائر انحاء العالم، وتفاقم اخطارها على البشرية بصورة اسوأ مما كانت عليه في الماضي حيث تصيب اكثر من 400 مليون انسان في الدول الموبوءة بها، وتتسبب في وفاة اكثر من مليون ضحية سنويا وفي افريقيا المدارية تبلغ نسبة الاصابات 80% من جملة الاصابات في العالم، وتبلغ نسبة الوفيات اكثر من 90% من جملة وفيات العالم، وبسبب الملاريا انطلقت المبادرة الدولية لدحر الملاريا في جميع انحاء المعمورة في اكبر جهد بشري مشترك لاجتثاث مرض الملاريا. ان المبادرة الدولية لدحر الملاريا هي حركة اجتماعية فنية وسياسية تهدف الى انهاء المعاناة والاثار السالبة للملاريا في الدول التي تتوطن فيها، بتوسيع مفهوم المشاركة الجماعية في تنفيذ برنامج محدد في زمن محدد، وفقا للاستراتيجيات القطرية لدحر الملاريا، بحيث تحقق الاتي: ـ خفض نسبة الاصابات بالملاريا والوفيات بسببها بنسبة 50% عام 2010م وبنسبة 80% في العام 2015، وبنسبة 100% بنهاية عام 2025. ـ وبحلول عام 2005 تكون 75% من الاقطار في مرحلة تطبيق البرنامج المكثف لدحر الملاريا. ـ وبحلول عام 2030 ينبغي الا تكون الملاريا عاملا اساسيا في الوفيات او الاصابات، او تلعب دورا في التدني الاجتماعي والاقتصادي، واضافة الى مشاركة المانحين والدول وكافة قطاعات المجتمعات في الدول المعنية لابد من: ــ توفير الاحتياجات اللازمة للقطاع الصحي العامل. ـ استحداث عقاقير جديدة ذات فعالية اكبر فأسرع، لان الادوية العادية اصبحت عديمة الجدوى في الكثير من الدول الموبوءة. ـ اكتشاف مبيدات جديدة اكثر فاعلية في محاربة الباعوض الناقل، لان كثيرا من هذه المبيدات اصبحت عديمة الجدوى في العديد من الدول. ـ وفوق هذا وذاك فلابد للدول من ان تسعى الدول لتحسين الوضع المعيشي لمواطنيها. محاورها وتقوم المبادرة على ستة محاور: ـ الاكتشاف المبكر للمرض، والعلاج الناجع، لتقليل نسبة تحول الملاريا البسيطة الى ملاريا معقدة «خبيثة» وهي التي تؤدي للوفاة، وتندرج تحت هذا المحور التوعية الصحية الشاملة للمواطنين بعدم التهاون في الفحص والعلاج، والتدريب المستمر للكوادر الفنية في المعامل، وتوفير المعينات التشخيصية. ـ المساعدة الفورية: وتتم عن طريق توفير اماكن العلاج قرب مساكن المواطنين، وتوفير العلاج الناجع الذي يكون سعره في حدود امكانيات المواطنين. ـ استعمال طرق عديدة للوقاية، اذ ليس هناك طريقة محددة، وانمايتم ذلك عبر القضاء على مسببات المرض باهتمام البيئة وردم «البرك» التي يتوالد فيها البعوض وتجفيفها، واستعمال «الناموسيات» و «نمليات السلك» في ابواب وشبابيك المنازل، واستعمال المبيدات الحشرية... الخ. ـ التنسيق التام في تنفيذ سبل المكافحة بين الجهات المعنية وذات الصلة. ـ تكثيف البحوث الموجهة نحو المشاكل الميدانية التي تواجه برامج دحر الملاريا في المنطقة المحددة المستهدفة، لايجاد الحلول المناسبة لها. ـ تحريك كل فعاليات المجتمع بنشاط وكفاءة للتقليل من وفيات الملاريا حتى لاتكون مشكلة حقيقية في العقد القادم من قرن الالفية الميلادية الثالثة الاول وتتكاثر داخلها وتخربها، وتدخل هذه الطفيليات جسم الانسان عن طريق لدغات البعوض، فهو يمتص دم الانسان، فاذا كان مصابا بالملاريا تنتقل الطفيليات الى البعوض، وتتكاثر وتنضج بين 10 ـ 14 يوما، وتصبح جاهزة للانتقال الى شخص اخر اذا تعرض للدغ البعوض الذي يحملها، فتدخل جسمه. البعوض وهناك انواع كثيرة من البعوض، الا ان بعض الملاريا وحده وخاصة «الانوفليس» هو الذي ينقلها، واناث البعوض وحدها هي التي تمتص الدم، لانها تحتاج اليه لانتاج بيوضها، اما ذكور البعوض فلا تمتص الدم، ولا تنقل الطفيل، وبيوض البعوض صغيرة جدا، وهي تضعها في المياه الراكدة او البطيئة الجريان، وخلال يومين او ثلاثة تفقس البيضة «يرقة» وتتحول الى خادر، وخلال ايام قليلة تصبح بعوضة بالغة. وتختلف الملامح السريرية لمرض الملاريا من خفيفة الى وخيمة جدا، تبعا لعدة عوامل، وعلى سبيل المثال يعاني البالغون المصابون في المناطق التي تشيع فيها الملاريا من مجرد ارتفاع خفيف في درجة حرارة الجسم، واهم الملامح السريرية للملاريا هي الحمى، التي تكون مستمرة، او غير منتظمة في بداية المرض، ولكن سرعان ما تصبح منتظمة، وتتكرر هجماتها كل «23» ايام وقد تدوم الهجمة عدة ساعات، وغالبا ماتبدأ برعشة، سرعان ما تليها فترة من الحمى، واخيرا تعرق غزير، وغالبا ما يعاني المريض خلال الهجمة من صداع وآلام في الظهر والمفاصل وفي كل انحاء الجسم، وقد يفقد شهيته، ويصاب بالقيء والاسهال، وقد يشعر المريض بتحسن في اليوم التالي، لكنه يصاب بهجمة في اليوم الذي يليه، وهكذا دواليك، واذا لم يعالج، او عولج معالجة غير كافية فقد تتسبب الملاريا في اعتلال صحته لعدة اسابيع او اشهر، بسبب الهجمات المتكررة من الحمى، وفقر الدم، والضعف العام، وقد يصاب بعض المرضى وخاصة الاطفال والحوامل بالاعتلال الشديد بسرعة، ويمكن ان يموتوا خلال ايام قليلة. علامات الخطر ومن ابرز علامات الخطر عند الاصابة بالملاريا: ـ التبدلات في السلوك: الاختلاجات، التشنج، النعاس، عدم القدرة على الجلوس او المشي، فقدان الوعي، التخليط، عدم التعرف على الاقارب. ـ القيء المتكرر، وعدم القدرة على استبقاء الادوية الفموية في البطن، عدم القدرة على الاكل والشرب. ـ امرار كميات قليلة من البول، او البول الداكن، او عدم التبول. ـ الاسهال الوخيم. ـ النزف الدموي الشديد الذي لا تفسير له من الانف او اللثة او غيرهما. ـ الحمى المرتفعة فوق «39» درجة سيلسيوس. ـ الجفاف الوخيم الذي يظهر من «جلد متهدل وعينان غائرتان». ـ فقر الدم. ـ اصفرار بياض العين. ان فقر الدم يعني عدم وجود كمية كافية من الهيموجلوبين في الدم، والهيموجولبين هو المادة الحمراء الموجودة في كريات الدم التي تحمل الاكسجين وتقوم طفيليات الملاريا بتخريب كريات الدم، وبذلك تسبب فقر الدم، وقد يكون لفقره اسباب اخرى مثل عدم كفاية الحديد في الغذاء. الاطفال والحوامل ان الاطفال الاقل من خمس سنوات، والنساء الحوامل، اذ انتابتهم الحمى خلال الايام الثلاثة الماضية، فيجب اعطاءهم المعالجة المضادة للملاريا فورا، لانها يمكن ان تتحول سريعا الى ملاريا وخيمة خبيثة والتشخيص المبكر والمعالجة الكافية اساسيان للاطفال والحوامل، وبدونهما يصبحون عرضة للموت السريع، والكلوروكين هو المعالجة المعيارية للملاريا في معظم البلدان، وهو لايؤذي الجنين في بطن الحامل، ولكن الملاريا تؤذيه اذا لم تعالج، واذا تقيأ المريض خلال 30 دقيقة من تناوله للعقار فيجب ان يعطى له مرة ثانية، ولايجوز تناول الاقراص على معدة فارغة، لان ذلك قد يسبب القيء، واذا لم يتناول المريض المعالجة الكاملة فلن تكون هناك كمية كافية من الدواء في الدم تقتل كل الطفيليات، وهذا مايسمى بالجرعة الناقصة، وهي اكثر اسباب فشل العلاج، وقد يشعر بعض الناس بالحكة بعد تناول الكلوروكين، وتراهم يهرشون اجسامهم، وتكفي قطعة سكر تؤخذ مع الاقراص، لعدم تسببها في الحكة، وقد يسبب الكلوروكين الغثيان في بعض الحالات، وصعوبة رؤية الاشياء بوضوح، وكل هذه التأثيرات غير خطيرة، وتزول بعد اكتمال المعالجة. اهتمام دولي ومنذ عقد من الزمان، تفاقمت خطورة الملاريا حيث راحت المؤسسات الصحية تستقبل اعدادا هائلة من المصابين، ترتفع وتائرها عاما بعد اخر، محدثة مردودات سلبية هددت حياة البشر واقتصادياتهم، وطالت ارواح اعداد كبيرة منهم، الامر الذي دفع المجتمع الدولي للاهتمام بمكافحتها، وتصاعد هذا الاهتمام بتبني «منظمة الصحة العالمية» لجهود مكافحة الملاريا. وفي عام 1995 قام مكتب المنظمة الاقليمي في افريقيا باجراء اتصالات مكثفة مع المنظمات الدولية المانحة، وعلى رأسها البنك الدولي للتنمية والتعمير والمنظمة الدولية لرعاية الامومة والطفولة يونسيف وبنك التنمية الافريقي وغيرها، لزيادة دعمها لانشطة مكافحة الملاريا في افريقيا، وتجاوبت الجهات المانحة وكثفت دعمها للبرامج الدولية للمكافحة لعامي 97 ـ 1998. وفي مواجهة انتشار الملاريا في كل انحاء العالم، وفي غمرة مكافحتها، ومن واقع التجربة العملية، اصدرت منظمة الصحة العالمية عن الملاريا وثيقة هامة تم تداولها في كل انحاء العالم وكانت خير عون في التعرف على الملاريا ومعالجتها، على نطاق القرى، وقد صدرت الطبعة الانجليزية لدليل العاملين في صحة المجتمع عن المقر الرئيسي لمنظمة الصحة العالمية في جنيف بسويسرا في ابريل 1996 فيما صدرت الطبعة العربية عن المكتب الاقليمي للمنظمة لشرق المتوسط في الاسكندرية بمصر، وقد قام مسئول المنظمة عن مكافحة الملاريا الدكتور «ر.ل. كوزنتيسوف، بالاشتراك مع الدكتور ب.ف بيليز كير» وهما مدربان بقسم مكافحة الامراض المدارية في المنظمة مستفيدين من الدلائل الارشادية التي اصدرتها وزارة الصحة في جزر سليمان وقد احتوى الدليل على المعلومات والتوجيهات الاساسية اللازمة للتعرف على الملاريا ومعالجتها وتعزيز الانشطة الوقائية، واشتمل الدليل على ثلاثة اقسام وملحقين: ـ القسم الاول: المقدمة ماذا نستطيع ان نفعل ازاء الملاريا ـ الادوية والمعدات التي يحتاجها العاملون في الصحة. ـ القسم الثاني: معلومات هامة حول الملاريا والوقاية منها: ما هي تأثيرات الملاريا ـ كيف يصاب الناس بالملاريا ـ كيف يعيش الباعوض الناقل للملاريا ـ كيف يمكن الوقاية من الملاريا. ـ القسم الثالث: التعرف على الملاريا ومعالجتها: الملامح السريرية للملاريا ـ كيفية التعرف على الملاريا ـ كيفية اعطاء المعالجة المعيارية للملاريا ـ ما يجب عمله اذا فشلت المعالجة المعيارية للملاريا ـ الملاريا الوخيمة ـ المجموعات الخاصة والرعاية الخاصة ـ التسجيل والتبليغ. ـ الملحق الاول: كيفية تنظيم العمل في مكافحة الملاريا. ـ الملحق الثاني: كيفية تنظيم القرية للمكافحة. وفي مارس 1998 عقد المكتب الاقليمي لمنظمة الصحة العالمية في افريقيا اجتماعا مع الشركاء المانحين في العاصمة الامريكية واشنطن واطلقوا «مبادرة السيطرة على الملاريا في افريقيا في القرن الحادي والعشرين» التي استهدفت تحقيق المزيد من التكثيف لانشطة برامج السيطرة على الملاريا، وتقوية مقومات مواجهة مختلف الحالات، والتعرف المبكر على ظواهر الوباء، علاوة على المكافحة الانتقائية للبعوض الناقل للملاريا، والسيطرة عليه عبر وحدات الرعاية الصحية، وتنشيط المشاركة الجماهيرية الفاعلة. بؤرة الملاريا خلال العام الماضي كشفت تقارير طبية وطنية ودولية ان السودان يأتي في المرتبة الاولى من حيث اصابات ووفيات الملاريا في العالم، اذ يبلغ عدد الاصابات فيه اكثر من 75 ملايين سنويا، يشكلون 80% من جملة اصابات الملاريا في افريقيا، يموت منهم اكثر من 50 الف ضحية سنويا، يمثلون 90% من جملة الوفيات بسبب الملاريا في افريقيا، وذلك في ظل النقص الحاد في المعينات العلاجية وضعف المعامل وتهالك اجهزتها ومعداتها ومعيناتها، ونقص المعينات التشخيصية ووسائل المكافحة، وتدهور صحة البيئة، مهدرة 22% من ايام عمل الفرد و 68% من مصروفات العلاج، و 72% من حالات الغياب عن العمل. ورغم ان ولايات جنوب السودان، وجنوب النيل الازرق كانت انسب المواقع ملاءمة لتكاثر البعوض الناقل للملاريا وامراض اخرى، بسبب الظروف البيئية، لكثافة الامطار، وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، وكثافة الاحراش ونباتات السافانا، الا ان نسبة الاصابات بالملاريا فيهاكانت قليلة وباكتمال قيام مشروع الجزيرة في العقد الثالث من القرن الماضي، توفرت بيئة صالحة في وسط السودان لتكاثر البعوض في قنوات الري والحقل، الا ان الحكام الاستعماريين الانجليز كانوا يرصدون ميزانيات كافية لمحاربة البعوض في كل موقع، ويهمون بالاجراءات الصحية، وفعاليات اصحاح البيئة، ومنذ ان نال السودان استقلاله عام 1956م كانت الملاريا هاجسا وطنيا يؤرق المعنيين بالشأن الصحي، الا ان الحكومات الوطنية المتعاقبة لم تعط الامر ذات الاهتمام وجاءت الطامة الكبرى بقيام مشاريع زراعية قصب السكر، حيث تغمر المياه القصب طوال شهور السنة، وتهيأت فيها بيئات اكثر صلاحية لتكاثر البعوض، دون ان تكون المخاطر الصحية في حسبان من خططوا لقيامها، ودون ان تقوم ادارات هذه المشاريع بأي جهد لمكافحة البعوض، وكان مشروع سكر سنار اخطر هذه المشاريع بسبب مساحته الواسعة، وبسبب عدم اتخاذ اي اجراءات لمواجهة الاخطار الصحية التي ترتبت على قيامه، ودون ادنى اهتمام بمكافحة انتشار البعوض الناقل للملاريا وتكاثره عاما بعد عام، واندياحة في الولايات الاخرى.