في خاطرة غابرة كان محك النقد قد درس غزل الدكتور وجيه البارودي، وحاول أن يقف على ما وراء غزله من دوافع نفسية وعوامل اجتماعية، وحيّره أن يرى ابن السبعين ينطق بألسنة المراهقين، ويتكلف حركات الشباب، وهو ينشد: في الأربعين أنا، وصحبي كلّهم مثلي، وفي سني، وفي حركاتي وأدهشه أن ينكر هذا الشيخ ما كان يناديه به الفتيان من ألقاب، لا تدلّ إلاّ على توقير الصغار للكبار، فيحمل التوقير على التحقير، والإجلال على الإذلال، فيقول: وإذا نُوديتُ: ياعمّا هُ عربدت كثيرا ولو أبصرته وهو يعربد لقلت له: حسبك ياجدّاه!! فسلطان الزمان أقوى من لغطك وسخطك، وأخاديده أعمق من أن يلأمها خدّاك، أو أن يمحوها تصابيك. وبعد أمدٍ ظفر محكّ النقد بنسخة من الأعمال الشعرية الكاملة لسلطان العويس، فأرسل عينيه في صورة الشاعر التي يزدان بها الغلاف، ثم تصفّح ما انطوى عليه الديوان من قصائد، فإذا القدر الأكبر منها غزل، أكثره عذريّ عفيف، يحلّل خلجات النفس بحسّ مرهف، وأقلّه حسّي صريح، يصوّر قسمات الجسد برسم مترف. فذهب به الوهم إلى أن العويس والبارودي ينزعان عن قوس واحدة. وممّا شفع لهذا الوهم صورة الشاعر المعبرة عن الرهافة وعشق الجمال. غير أن غيم الوهم أخذ ينقشع بعد أن تحوّل التصفّح إلى تدبّر، والنظر العجلان إلى تذوّق متمهّل. رَجَعَ المحكّ بصره في صورة العويس كرّة أخرى، فرأى فيها وجهاً مطمئنا، يتكيء على أصابع واثقة الانثناء، وفوق الأصابع يبزغ ضياء محيّا حليق رقيق، وبياض شارب، شابَ بعد أفول الشباب، وتحت العقال الأسود جبين رصين، حفرت فيه السبعون بضعة غضون، وبين الأبيضين: الشارب والجبين عينان سوداوان ترنوان، كأنهما تتأمّلان حدثان الزمان. حينئذ بدأ العويس ينفصل عن البارودي، ليخلف في خلد المحك انطباعاً آخر، يمتزج فيه التغزّل بالتأمّل، والشباب بالكهولة، والجمال بالحكمة، والانبهار بالاعتبار، فحار، وتساءل: ترى هل ينعكس على الوجه ما يتخلّج في النفس؟ وهل في الديوان ما يرجّح هذا الحدس؟ أي: هل الملامح تفصح عمّا في الجوانح؟ قبل الاجابة عن هذه الأسئلة يحسن بالناقد ان يبحث عن معيار يحتكم اليه فيما يحكم، وأدّق المعايير في هذه المسألة المرتبطة بالخُلق والسلوك هو القرار الصادر عن المحكمة الإلهية، المستمدّ من قوله تعالى: «والشعراء يتّبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا...». وليس بخافٍ عنك، ولا بمتعذّر أن تلخّص هذا المعيار بكلمة واحدة وهي: الصدق. ولصدق الشاعر بُعدان: بعد اجتماعي عام، وبعد شخصي خاص. أمّا الاجتماعي العام فإن فحواه التطابق بين الشعر والسلوك، أي: الالتزام بمعناه الخلقي الواسع، لا بمعناه السياسيّ الضيق. فإن التزم الشاعر هذا التطابق لم يخالف فضيلة من الفضائل، ولم يحالف رذيلة من الرذائل، لأنه من الذين آمنوا فاعتصموا بحبل الله، لا من الذين ذكروا قَبْل إلاّ، فهاموا في كل واد. وبهذا الالتزام يصبح الشاعر رائد تهذيب، لا معول تخريب. وأمّا البعد الشخصيّ الخاص فجوهره أن يخلص الشاعر لنفسه، فيصدقها الحديث، ويمحضها النصح، ويكشف لها عن حقائق الحياة لئلا تجنح وتعربد. وأيسر أنماط المكاشفة وأجدرها بالالتزام الإقرارُ بسلطان الزمان على الإنسان، واختيار السلوك الملائم لكل مرحلة من مراحل العمر. والخطوة الجريئة الأولى في الطريق المفضية الى الصدق ان يعترف الشاعر المكتهل اعترافاً صريحا بأنه جاز ضُحى العمر وظُهْره، وصار الى الأصيل المؤذن بالرحيل ـ فمتى أدلى بهذا الاعتراف استراح وأراح: استراح من مداورة الصيد ومساورته، وأراح الظباء من النفور، وأتيح له أن يرضيهن بمجاملة لا تبلغ حدّ الإثارة، وبمغازلة لا تفتح لهن أبواب الآمال، على النحو الذي صنعه العويس بقوله: عيناك تأخذ ما تريد من الفتى هل أنت ساحرتي برغم مشيبي؟ منذا يداوي القلب بعد مصابه؟ عجز الدواء، وراحتاك طبيبي لقد صدق الشاعر في البيت الأول كلّه، وفي الثاني جلّه، ولم يصدق في قوله لصاحبته: «وراحتاك طبيبي» لعجز مثلها عن مداواة مثله. غير أن نفي الصدق عنه لا يُثبت الكذب المتعمّد عليه، إذْ أراد المجاملة لا المغازلة، والتحبّب لا التطبّب. ولهذا اعترف لجمالها بالقوة، وأقرّ على نفسه بالضعف، فأرضى غرورها، ولم يخدع نفسه. وفي فصول العمر الأربعة قد يتردد إيقاع الزمن على نحو أبعد صدى، وأمدّ مدى من الإطار الضيق الذي يرسمه الشيب، إذ يستطيع الشاعر، وهو يراقب تساقط أوراقه الصفراء في الخريف، ويترقب تجمد عروقه العجفاء في الشتاء أن يبكي الربيع الراحل بأزهاره وأقماره، والصيف الآفل بشموسه وثماره. وبين المراقبة والترقّب يستسلم الشاعر لله الواحد القهّار استسلام المعترف بالهزيمة أمام الأيام، فيقول: أكذا تغيب الشمس والأقمارُ في لحظة، وتلفّها الأسرار إني الخريف تساقطت أوراقه لولا فراقكِ، فالدنى أزهار وههنا تصفع الآلام الآمال، وتقمع الحقيقة الخيال، فيرتد الشاعر، بعد أن يحاول التحليق، مقصوص الجناحين. إن خريف العمر أخذ يعصف بأزهار الربيع وثمار الصيف، لكن الشاعر غلّف الضعف بالظرف، ولجأ كرة أخرى الى المغازلة المضمّخة بالمجاملة، فادعى أن غياب الأحباب لا رحيل الشباب هو الذي أغرى به رياح الخريف، فعصفت بمواسمه. ولو رجعت اليه صاحبته لبرعمت أغصانه، وتفتحت أزهاره، وهيهات، هيهات!! ولما كان للزمان كل هذه القوة القاهرة، فإن وضع النصوص في أزمنتها من عمر الشاعر يغلق باب الحدس والتخمين، ويكشف لك عن حقائقها ودقائقها، فتراها عين اليقين. فإذا قرنت البيتين السابقين بتاريخ النظم ثبت لك أن الشاعر نظمهما وفوق كتفيه سبعون عاما. حينئذ ستدرك مبلغ العمق والصدق في إحساس العويس بسلطان الزمان. وستقف على ما في عواطفه من صراع بين الأضداد. إنها مزيج من تفاؤل وتشاؤم، وفرح وحزن، وأمل ويأس. والتشاؤم والحزن واليأس أصداء زمن ينذر بالرحيل، لا تعبير عن فلسفة تكره الحياة، وتزهد في اللذة، وتقنط من رحمة الله. قد يجد القاريء في مقطعات يسيرة من شعر العويس ملامح باهتة من زهد ابي العلاء المعري، او تطرق سمعه أصداء خافتة من تشاؤم إيليا أبي ماضي فلا تحملنه هذه الملامح أو تلك الأصداء على جعل العويس ثالثهما، لأنهما زهدا وتشاءما عن فلسفة ونزوع، قبل أن تميل شمسهما الى الأصيل، وقبل أن ينذرهما شيبهما بالرحيل. اما العويس فقد كان واقعّي النظرة، منصف المواقف، يقسّم الميول على الفصول، فكيف يغالب الزمان، وهو يعرف أنه المغلوب لا الغالب؟ وحسبك دليلاً على ما نزعم موقفه من أحبته في مطلع عام جديد يستقبله أكثر الناس بالسرور والحبور وبتبادل التحيات والتهنئات. واستقبله العويس بالاكتئاب لا بالابتهاج، وعلّة موقفه هذا أنه يرى اللباب لا القشور، وينظر في الجوهر لا في المظهر. لقد تلقى الشاعر مطلع عام 1996م بوجه تطوف به مخايل الغمّ، ونفس تمحور فيها لواعج الحزن، وأنفذ الى أحبته رسائل التعزية لإحساسه بأنه مع مقدم العام الجديد يدفن مرحلة من العمر استهلكها واستهلكته، وأبلاها وأبلته. فهو الى نقص لا الى زيادة، والى ضعف لا الى قوة، فكيف يبتهج بالمزعجات، وكيف يوجه التهنئة الى أحبابه بهذا الضيف الثقيل، وهو يعلم علم اليقين أنه نعي كريهُ الوجه، بغيض الصوت، يحمل اليه وإلى أحبته أسباب الموت؟ أعزيكم بعام قد تولّى بعمر ماله أبداً رجوع فقولوا، واكتبوا عني حديثا به الآهات تمليها الدموع تقربنا النهاية كل يوم فما ندري أنحيا ام نضيع ويبدو أن هذا الموقف الصوفيّ من الحياة أخذ يتطور مع تقدم الشاعر في العمر، ثم أخذ يطوّر غزله، فينقله من الأثرة الى الايثار، أي: من الرغبة في تملك الحبيبة الى الرغبة في اسعادها، ومن الحرص على المتع بمفاتنها الى التخلي عن هذا الحرص، والاكتفاء من المواسم اليانعة بالرفيف اللطيف الذي يحوم حول الثمرة ولا يقتطفها، وبالنظر الرهيف الذي يطوف بالكأس ولا يرتشفها. انه الحب الذي يعطي ولا يمنّ بما أعطى، ويبارك للأخذ ولا يسأله عما أخذ. فإذا ذكر العويس أيام الشباب غلّف جمرات الحسرات بإنسانية النظرات، وخضب بياض الشيب بسواد المداد، لعله يخلد جمال المعشوقة بشاعرية العاشق: تمتعي بشباب لست أملكه فأنت قيثارة اربابها النغم فهل مشيبي قد ينجيك من طربي او يرجع العمر ما يجري به القلم بهذا النمط من الإحساس بسلطان الزمان ختم العويس غزله خاتمة أساسها أرضي حسّي، ومرماها عذريّ إنساني، فطهّر بالمرمى وزر الأساس، وبالإنسانية غريزية الحسّ.