تعد قضية تماثيل لورد ألجين الرخامية، التي تحاول الحكومة اليونانية استردادها من الحكومة البريطانية منذ عدة قرون بوصفها احد الكنوز الاثرية الفريدة من نوعها في العالم، من اهم القضايا المتعلقة بالتراث والآثار في العالم، وذلك في ضوء الانعكاسات والاصداء الدولية التي تثيرها، لاسيما وان هذه التماثيل ليست المجموعة الاثرية الوحيدة التي ترفض بريطانيا ارجاعها لاصحابها الاصليين اذ ان هناك اثارا اخرى عديدة تحتفظ بها بريطانيا منذ سنوات احتلالها للعديد من دول العالم، مثل الهند ومصر والسودان وغيرها من الدول في مختلف القارات. وبعد فشل المساعي الدبلوماسية العديدة بين انجلترا واليونان بشأن استرجاع الاثار التي سرقتها الحكومة البريطانية من الاراضي اليونانية، والاصرار الدائم للحكومات البريطانية المتعاقبة على الاحتفاظ بهذه الاثار وعدم اعادتها لليونان حتى لا تطالب دول العالم الاخرى بالحق ذاته بالنسبة لكنوز اثرية اخرى بدأت تلوح في الافق في الفترة الاخيرة. هناك مجموعة من الخيارات الاخرى امام الحكومة اليونانية بشأن القضية، وابرزها اللجوء الى الحل القضائي لاجبار الحكومة البريطانية الحالية على اعادة ما نهبته من اثار يونانية اصيلة.فمنذ فترة قصيرة، اعلنت مجموعة من المحامين البريطانيين، احدهم يعد احد اقرباء اللورد ألجين، وتدعمهم مجموعة من ذوى النفوذ اليونانيين، ان العمل القانوني وحده هو القادر على ارجاع التماثيل الشهيرة لبلدها الام. ويقول ديفيد شاريت المحامي البريطاني الذي يعد صاحب مبادرة اطلاق العمل القانوني ضد بريطانيا: تسعى الحكومة اليونانية منذ اكثر من 40 عاما من خلال القنوات الدبلوماسية الشرعية الى استرداد تماثيل اللورد ألجين الرخامية العملاقة، ولكن من دون اي جدوى، وذهبت جميع تلك الجهود ادراج الرياح. وقد شهدت الفترة الاخيرة تكثيف التعاون بين شارتي ومجموعة من رجال الاعمال اليونانيين ابرزهم رجل الاعمال جورج ليموس، الذي يدعمه ايضا عدد كبير من الاثرياء منهن بروس تاترسال الذي كان يعمل مؤرخا في مجال الفن ثم تحول الى محام، ويعرف بانه احد اقرباء اللورد ألجين. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن لتلك المحاولات القانونية ان تنجح فيما فشلت فيه المحاولات الدبلوماسية لاسيما في ظل الاصرار البريطاني على انه لم تتم سرقة تلك التماثيل وانها موجودة بالمتحف البريطاني منذ عام 1819 بشكل قانوني؟ في هذا الصدد يقول اليني كوبيت، مدير حملة اللجنة البريطانية لاعادة ملكية تماثيل البارثينون: «لا اعتقد ان العمل القانوني سوف يجدي نفعا، ولا اعتقد انه يمكن ان يتم حسم المعركة القضائية قبل عشر او عشرين عاما. ان البريطانيين يجدون صعوبة جمة في الاعتراف بانه لم يكن ينبغي لهم مطلقا ان يقوموا بنقل تلك التماثيل وان يعترفوا بان ما فعلوه ليس عملا قانونيا ولا اخلاقيا. ويعتقد كوبيت ان الامر لايمكن ان يتم حسمه عن طريق العمل القانوني والقضائي وان القضية اخلاقية وثقافية اكثر من اي شيء اخر. ويضيف ان «القضية في حد ذاتها شديدة التعقيد فالشخصية الرئيسية فيها، وهو اللورد ألجين، يوصف بأمرين متناقضين فهو لص ثقافي في نظر اليونانيين و«محب للفنون شوهت سمعته زورا» في نظر البريطانيين والامر في النهاية يرجع لوجهة نظر المتتبع للتاريخ. واللورد ألجين هذا كان سفيرا بريطانيا لدى الامبراطورية العثمانية عام 1799 عندما كانت اليونان لاتزال احدى الولايات العثمانية وقد صدر له تصريح من قبل السلطات العثمانية للتنقيب والحفر الاثري حتى في مناطق البارثينون الاثرية والبارثينون ـ كما هو معروف ـ معبد اثينا في العاصمة الحالية لليونان، وبدأ الفريق التابع للسفير البريطاني لنا الحفر واستخراج الاثار من باطن الارض، وكان ألجين يدعي آنذاك ان لديه موافقة رسمية من السلطات العثمانية على التنقيب غير انه كانت هناك اشارات توضح انه قام يدفع رشاوى للمسئولين وقام بممارسة ضغوط عليهم حتى يتسنى له القيام بالامر وحدث انه اضطر الى تسليم التماثيل الى الحكومة البريطانية مقابل تسديد ديونه وقامت الحكومة البريطانية بعد ذلك بتسليم هذه الآثار للمتحف البريطاني لعرضها في قاعاته بعد اصدار قانون يحول ملكيتها لبريطانيا عرف قانون مجموعة ألجين الاثرية رقم 1816. وفي هذا الصدد يقول شارتي ان اي طالب في القانون على علم بتلك الفقرة في القانون الدولي التي تفيد انه لايحق لاي فرد ان يقوم بنقل حق ملكية لشيء لا يمتلكه هو في الاصل ويضيف: «ان حق ملكية التماثيل يبقى حيث لاكثر من 2500 عام، اي يبقى مع اليونانيين». ويعلق جيفرى وايت، احد اعضاء اللجنة البريطانية المشكلة لاعادة ملكية التماثيل على القضية قائلا: «يمكن ان يدعى اي شخص ويؤكد ان جميع عناصر واركان جريمه السرقة متوافرة في عملية نقل التماثيل، ولكن كل هذا حدث منذ زمن بعيد للغاية وحتى قبل ان تظهر الدولة اليونانية وترى النور. وفي رد فعل يبين مدى اصرار البريطانيين على عدم التخلي عن هذه الاثار، يقود جون هنرى ميرى مان، استاذ القانون بجامعة ستانفورد، وهو اختصاصي في دراسة قانون الاثار والفنون وخبير في تاريخ تماثيل لورد ألجين على وجه التحديد انه في البداية كان يشعر بان هذه التماثيل ليست من حق البريطانيين، وانهم قاموا بسرقتها ولكنه مع قراءة المزيد من البحوث عن الامر ادرك انه كان مخطئا، ويؤكد انه يملك دليلا تاريخيا يبين ان حكومة القسطنطينية كانت توافق بشكل قانوني على ما كان يقوم به الجين ويقول: «بالتالي فان الجين امتلك التماثيل بشكل قانوني ومن ثم فان له الحق في ان يحول ملكيتها الى الحكومة البريطانية». وعلى الرغم من هذا الاصرار البريطاني فان اخبار القيام بعمل قانوني لاسترداد التماثيل لاقت ترحيبا كبيرا من الاوساط اليونانية وابرزت الصحف اليونانية الجهود التي يقوم بها ديفيد شارتي في هذا الصدد. غير ان المحامي اليوناني ثيو سيوفاس الذي يناصر تحريك القضية على المستوى القانوني يؤكد انه لايمكن فعل شيء من دون مساعدة الحكومة اليونانية فالامر، على حد قوله يتطلب دعما مباشرا من حكومة اثينا ويقول: «حتى الآن لا ارى الحكومة تتحرك في هذا الاتجاه. ومن ناحيته يؤكد شاريت ان هناك من الثغرات ما سوف يدعم العمل القانوني الهادف الى اثبات عدم شرعية امتلاك الآثار من قبل المتحف البريطاني، وكأن لسان حاله يقول ان غدا لناظره قريب. حاتم حسين