مع حاجة الانسان الملحة لمعرفة ما يدور حوله من أحداث يومية وجدت الصحيفة طريقها ومكانتها على خارطة صباحاته لتكون فاتحة الحروف المحملة بصدى الأخبار التي ترضي الجانب المعرفي أو الفضولي في داخله، اضافة الى المتابعة اليومية لأحداث العالم، وبما ان الصحيفة تطورت كثيراً في الآونة الأخيرة، وتمردت على نمطها الكلاسيكي الجامد، وأصبحت تخاطب الفئات العمرية باختلاف ميولها وهوياتها الى جانب الدور الأساسي الملقى على عاتقها، فهي بذلك تؤكد على أحقيتها وجدارتها لأن تكون في مقدمة وسائل الإعلام رغم التحديات التي تواجهها إذا أخذنا بعين الاعتبار أهمية السبق الصحفي وما يمثله من ثقل لابراز الحرفية الصحافية المقروءة، وبعيدا عن الخوض في التفاصيل المعروفة للجميع والمتمثلة في المادة الخبرية والتحليلية بالنسبة للقاريء المختص، أو الخدمات المتعددة للقاريء بصفة عامة، علاوة على مساحة الطفل وشئون المرأة وركن الثقافة وصفحات الفن، أي بعيدا عن عملية التقييم برمتها. نحن هنا نحاول الاقتراب من قاريء الصحيفة نفسه لنتعرف إلى طقوسه اليومية تجاهها، بدءا من كيفية الحصول عليها وانتهاء بالمكان الذي تستقر فيه، فهل أنت حريص على شراء الصحيفة اليومية؟ أم انك تستعيرها من الزملاء؟ أم تتركها للصدفة؟ والى أي مدى أثر الإعلام المرئي على دورها وريادتها؟ وكيف تنظر الى مستقبلها في ظل المعطيات الإعلامية الحالية؟ وعندما تبدأ بقراءة الصحيفة أية صفحة تستهدف أولاً؟ وما هي الصفحات التي لا تقترب منها؟ وهل تحتفظ بها بعد القراءة؟ وإذا كانت الاجابة «لا» فكيف تتخلص منها؟ تلك الاسئلة وغيرها طرحتها «دنيا الناس» على فئات مختلفة من الجمهور وكان ما يلي: يقول محمد حسنين (موظف): قراءة الجريدة بالنسبة لي أصبحت عادة لا يمكنني التخلي عنها، فأنا ارتبط بعلاقة حميمية وخاصة مع كتّاب الأعمدة الثابتة وأتلهف لمتابعة آرائهم في الأحداث التي تستجد على الساحة العربية والدولية، وايضاً أتابع تعليقاتهم الساخرة أحياناً تجاه قضايا المجتمع، لذلك أنا أحرص على شراء الجريدة واستبدلها بعد القراءة بصحف أخرى مع الاصدقاء، حيث اننا متفقون على هذه المبادلة منذ فترة بعيدة، وإذا كانت الأعمدة الثابتة هي مفتاح قراءتي للجريدة، فإن الملحق الرياضي هو اختياري الثاني، خصوصاً عندما تكون هناك مناسبات رياضية مهمة، أو مباريات الفرق الكبيرة، فالتحليل الرياضي مهم للغاية ولا يمكن ان يستغني عنه المتابع كون انه يضع النقاط الغائبة عن استدراك المشاهد أثناء المباراة كالرأي في التحكيم مثلاً، بعد ذلك أتابع تعليقات ورسومات الكاريكاتير خصوصاً السياسية فهي لا تقل أهمية عن الرأي المكتوب، وإذا أعجبني رسم أو تعليق أحتفظ به لفترة، أما الأخبار السياسية فلا أعطيها أولوية القراءة لأنني أكون على علم بالأحداث حتى لحظة خروجي من البيت الى العمل، وهنا أرى ان مهمة الجريدة أصبحت صعبة للغاية في تغطية هذا الجانب من الناحية الخبرية. ولكن من الناحية التحليلية فإن دورها سيظل قائما بفعاليته المعهودة، وسيبقى لكل جريدة قراؤها المتابعون، أما بالنسبة لاحتفاظي بالجريدة فهذا يبدو بعيداً عن التنفيذ، لأن البيت سينقلب في هذه الحالة الى كتلة من الأوراق، إلا انني أحتفظ بالكتابات المهمة والمقالات الطويلة التي لا أستطيع متابعتها كاملة اثناء العمل، ثم ان هناك أحيانا دراسات مسلسلة وحلقات عن شخصيات تحتاج الى صبر وتأن في القراءة، ومثل هذه الكتابات لا يمكن للانسان ان يهملها قبل ان يستفيد منها بالقدر الكافي، أما بقية الجريدة فأنا أتخلص منها كيفما تحكم الظروف، وغالباً ما يكون صندوق النفايات هو مستقرها الأخير. ويضيف محمد: أنا لديّ اشتراك في شبكة الانترنت وأجلس لساعات طويلة أمام جهاز الكمبيوتر وأقرأ الصحف التي لا تصل الى هنا، وأتابع المواقع المختلفة، ومع هذا أجد في الجريدة متعة لا تضاهيها متعة أخرى، فأنا أستطيع القراءة في أي مكان وزمان بخلاف الوسائل الأخرى التي ترغمني على الجلوس في مكان بعينه، وإذا قمت لقضاء حاجة فإن الخبر سيصبح ناقصاً بالنسبة لي علاوة على ان الأسرة ايضاً لها رغباتها في متابعة برامج أخرى ولا ذنب لها ان تشاهد ما لا تحتمله، خصوصاً الأطفال الصغار، وفي كل الأحوال فإن دور الصحيفة اليومية وأهميته لا يمكن ان يتأثر بالتكنولوجيا القادمة، وأعتقد ان ما نراه الآن من تطورات تحدث في حجم الجريدة والمواد المختلفة والمواضيع المتنوعة التي تتناولها لهي كفيلة بأن تبقي الاستمرارية الايجابية للصحيفة، ولابد ان نراعي ونتفهم دور وامكانيات كل وسيلة إعلامية على حدة، فلا يمكن ان نجري مقارنة بين هذا وذاك، لأن المقارنة ستصبح ظالمة من ناحية سرعة وصول الخبر، أما ما عدا ذلك فلا أعتقد بوجود أوجه مقارنة. الأخبار الخفيفة وتقول ثناء عبدالعظيم (صحفية): لاشك ان الصحيفة اليومية تعتبر بمثابة المحرك اليومي للرأي العام في القضايا المهمة التي تخص المجتمعات سواء كانت هذه القضايا على الصعيد المحلي أو العالمي، ولذلك فإن دور الصحيفة مهم للغاية ولا يمكن لأي بديل ان يقوم بالخدمة التي تقدمها، فإصدار قوانين جديدة تخص الأفراد لا يمكن معرفتها إلا من خلال الصحيفة، علاوة على الأخبار المحلية ذات الصلة بتحركات الفرد والتزاماته تجاه هذه التعليمات، وقراءة الصحيفة اليومية هي تعوّد يومي مثل تناول فنجان القهوة أو تدخين سيجارة، من الصعب على الانسان ان يتخلى عنها بسهولة، ويختلف الناس عادة في اهتماماتهم نحو قراءة الصحيفة، فهناك من يفتح على الابراج مباشرة ليعرف حظه، وهناك من يتابع الأخبار الفنية أو العالمية، وآخرون يستمتعون مع الأخبار القصيرة الغريبة في أحداثها أو لطرافتها، وهناك بالطبع من لديه الميول السياسية وتحليلاتها، على ان هذه النقطة بالذات قد تأثرت بخروج الفضائيات ووصول الخبر في أقل من دقيقة بعد ان أصبح العالم كما يقولون قرية صغيرة داخل الصندوق الرقمي الصغير الذي ينقل كل ما يحدث في أنحاء الدنيا هنا أو هناك، ومن هنا وجدت الجريدة التي كانت في يوم من الأيام هي المصدر الرئيسي والأساسي لابراز الأحداث، وجدت نفسها في تنافس غير متكافيء مع وسائل الإعلام الأخرى، ومع ذلك دخلت الى السباق بكل قوة، وأصبحت تنتشر عبر البريد الالكتروني وأجهزة الكمبيوتر، وقد أخطأ العاملون في مجال الصحافة حين قالوا بأن الفضائيات سوف تنهي دور الجريدة اليومية وأهميتها، إذ انها ازدادت انتشاراً وأهمية مع ظهور تكنولوجيا المعلومات. وتضيف ثناء: لقد تربيت على قراءة الجريدة منذ كان والدي يحضرها الى البيت يومياً، وقد كانت اهتماماتي تنصب على متابعة أقلام كتاب كبار كنتس أقرأ أعمدتهم اليومية لما فيها من نظريات كثيرة في مختلف المجالات، ومازلت حتى يومنا هذا أتابع المقالات النقدية لكتاب لهم مكانتهم واحترامهم، وأول ما يلفت انتباهي ايضاً في الجريدة هو العنوان الرئيسي (المانشيت) لأنني من خلاله أعرف كيف أتحكم في طريقة القراءة حسب الأولويات، وبعد ذلك اتابع العناوين الصغيرة التي تلي العنوان الكبير في الأهمية، ومن ثم أبدأ في متابعة الأخبار المحلية وبعدها الصفحات الثقافية حتى أصل الى الصفحة الأخيرة، وأنا أعتبرها استراحة ذهنية مع الأخبار القصيرة والخفيفة والتي تحدث في انحاء العالم، أما التفاصيل التي تهمني في الأحداث السياسية أو نشر كتاب في حلقات متتابعة، فإنني أقرأها في نهاية اليوم بعد انتهاء العمل، لأن ذلك يتطلب وقتاً كبيراً وتركيزا أكثر، واحياناً عندما أجد مادة دسمة فإنني احتفظ بها لأنني أحتاج اليها في وقت لاحق كأن استمد منها معلومة، والجريدة عموماً محببة الى قلبي وهي تماماً كالشيء العزيز على النفس، ولكن الاحتفاظ بها أمر في غاية الصعوبة وأضطر لكي أتخلص من تراكماتها بأن ألقيها في صندوق النفايات واحياناً ينتقدني الجيران عندما يطلبون كمية منها، أما عن مستقبل الجريدة فأنا لا أرى خطراً حقيقياً يتهددها، خصوصاً وانها قادرة على مواكبة العصرية في طريقة اخراجها ومتابعتها للأحداث على طريقتها الخاصة. الثقافة أولاً أما أحمد أبو المعالي (شاعر) فيقول: بالنسبة لي تعتبر الصحيفة اليومية عادة تصل الى حد الادمان، ولا أعرف كيف يكون شكل اليوم إذا لم يبدأ بقراءة الصحيفة، لذلك أنا أشعر في يومي الخميس والجمعة بأن شيئا ما يختل في العادة لانني أضطر الى النزول خصيصاً لأشتري الصحف على عكس باقي أيام الأسبوع حيث أجدها على مكتبي، والشيء الذي لابد وان أذكره هوايتي، لا أرتاح الى قراءة الجريدة إذا مسها أحد قبلي، وأتضايق الى حد الغضب، فعلاقتي بها لا توصف ولا تهتز أمام المغريات الأخرى، فلكل وسيلة إعلام عندي مذاقها الخاص، وطبيعة دورها وخصوصيته، وأنا عادة أبدأ بالصفحات الثقافية، ثم أتتبع الأخبار المتنوعة القصيرة وأتوقف للطريف والغريب فيها، ثم بعد ذلك أتابع المقالات الثابتة وعناوينها، ثم أتابع بعد ذلك الأخبار السياسية والاقتصادية والرياضية حسب الترتيب وأهمية الأحداث، ولا توجد لدي طريقة واحدة أو عادة معينة أتبعها في القراءة باستثناء الصفحات الثقافية التي أتوقف عندها كثيرا، واحتفظ بها كونها تتضمن كتابات نقدية وأخرى ابداعية يحتاج اليها المرء كمرجعية في أوقات لاحقة، أما بقية الجريدة فأحتفظ بها الى فترة محددة بعدها أتخلص منها بكميات هائلة بأن أضعها أمام الباب، فإذا لم يأخذها الجيران لاستعمالاتهم الخاصة يأخذها عامل النظافة. ويضيف أحمد: بالنسبة لتأثير الإعلام المرئي على دور الصحيفة فأنا لا أرى ان شيئا كهذا يحدث ولن يحدث حتى لو توسعت مفاهيم ما يعرف بثورة المعلومات لأنني على قناعة بأن الجريدة تشبه الى حد كبير الكتاب المقروء ولا تختلف عنه، ومع ذلك يجب الاعتراف بأن الإعلام المرئي سبق الجريدة في النواحي الخبرية فقط، وهذا لا يعيب الجريدة في شيء على اعتبار ان لكل وسيلة إعلام آليتها في تلقي المعلومة واعادة نشرها، ثم ان الجوانب السياسية تتحرك الآن وتتقلب بشكل سريع ومتلاحق خصوصا في ظل الأزمات الحالية، ولكن ألا ننظر الى الأعداد المتزايدة من الصحف الجديدة التي تصدر من وقت الى آخر إن هذا لأصدق دليل على ان الجريدة مازالت تتمتع بمكانة رصينة عند القاريء العادي أو القاريء المختص. زاد يومي وتقول منى سعيد (صحفية): الصحيفة اليومية بالنسبة لي كالقوت اليومي، مثل رغيف ساخن أتلقفه كل صباح وكأنني أمام وجبة طازجة متعددة الأصناف والألوان، وأنا لي طريقتي الخاصة في قراءتها حيث أبدأ بالأخبار الخفيفة في الصفحة الأخيرة، ثم أبدأ بالدخول بطريقة عكسية حتى أصل الى الصفحة الأولى، ثم أذهب بعد ذلك الى الملاحق الثقافية والاجتماعية التي أحرص على الاحتفاظ بها حتى وان لم أقرأ تفاصيلها، لأنني أجد فيها المواد المتنوعة التي تفيدني في حياتي المهنية، وبحكم عملي كصحفية فإن الصحف باختلاف اسمائها أجدها بانتظاري على الطاولة، وقبل ان أفكر في تناول الشاي أجد نفسي غارقة في متابعة العناوين وقراءة الدراسات والتحليلات السياسية المواكبة للحدث، أما العناوين الرئيسية فأنا أتابعها على عجالة لأن قنوات التلفزيون تكون قد عرضتها وقامت بتحليلها وهذا هو التحدي الوحيد الذي تواجهه الصحيفة اليومية، وأنا أتوقف كثيراً عند كتّاب الأعمدة متقصية لكتابات الزملاء والأصدقاء وأتفاعل معها، وفي المواضيع العلمية اقرأ بتمعن بعض موضوعاتها لأنها في بعض الاحيان تكون شيقة ومفيدة للانسان، وأتابع أيضاً أخبار الوطن العربي وما يدور في كل بلد من تغيرات واستحداث للقوانين. وتضيف منى: باستثناء الملاحق التي احتفظ بها أنا لا أجد صعوبة في التخلص من باقي الصحيفة لأنني أتركها على مكتبي لعامل النظافة، وبالنسبة للتحديات المستقبلية فإن الصحيفة اليومية بمنأى عن هذه التحديات كونها تعتمد على تقديم خدمات متنوعة للقارئ، ولا يمكن لوسيلة إعلام أخرى ان تقوم بهذا الدور علاوة على ان الصحيفة هي بمثابة الصديق الذي تستأنس بالحديث معه أينما كنت وفي أي وقت، والشيء الآخر والمهم هو ان الصحيفة غالباً ما تعبر عن توجه ما أو سياسة بعينها وهي في هذه الحالة تدفعك لأن تكون مع أو ضد وبمعنى آخر هي تحث العقل على التفكير واتخاذ المواقف فأي بديل يمكن ان يعطي هذه الامتيازات ويقدم كل هذه الخدمات، لعلي لا أخطئ حين اقول ان الجريدة بشكلها الحالي قد اصبحت تخاطب جميع افراد الاسرة من دون استثناء، ليس هذا فقط، بل انها تخاطب فئات المجتمع باختلاف هواياتهم سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي، الثقافي أو الرياضي، دعني اقول ان الصحيفة اليومية لا تقل اهمية عن رغيف الخبز. متابعة رياضية أما أبوالفتوح محمد (موظف) فيقول: أنا اشتري الجريدة في مناسبات معينة تكون فيها الأحداث ساخنة لأتابع ما يدور على الساحة العربية أو الدولية، ولكنني لا أداوم على شرائها لأنها عادة ما تكون مع الزملاء في العمل، ولأني لا اجد الوقت الكافي لقراءتها فإنني اتصفح الاخبار الرياضية على عجالة، وأنا اهتم بهذا الجانب اكثر من اهتمامي بالصفحات الاخرى لذلك اول ما اتصفح هو الملحق الرياضي وأتابع التحليلات والآراء الرياضية من كتّاب وخبراء في مختلف الالقاب، وانا لا احتفظ بالجريدة ابدا واحيانا اتركها لأحد الزملاء اما بالنسبة لتأثير التلفزيون على الجريدة فهو موجود بالتأكيد. والمتابع للأخبار تكفيه التغطيات المباشرة من مكان الحدث، ليس هذا فقط وانما هناك ايضا التحليل الاخباري الذي يتناول الحدث في الوقت نفسه، لذلك لا يوجد ما تقوله الجريدة بعد ان اصبحت الاخبار مستهلكة وقديمة، الا ان الشيء الذي يحسب للجريدة هو البرامج التلفزيونية التي تتناول عناوين الصحف، ومقالات الكتّاب مما يجعل الصحيفة محافظة على مكانتها وأهميتها، أما عن مستقبل الجريدة فهو ربما يتأثر بخدمات الانترنت التي اصبحت كالومضات في عصر المعلومات الطائرة، ومع ذلك فإن خصوصية الجريدة اليومية ستبقى سواء على مستوى الخدمات أو طريقة القراءة. عز الدين الاسواني