عقب اسبوع حافل بالعمل وبعد ايام يقضيها المرء في صراع نفسي بين المتطلبات الوظيفية الاسرية، تتوق النفس البشرية الى وقفة استجمام تلملم فيها شتات الفكر الضائع وتبحر خلالها الى عوالم متعددة برفقة الاهل والابناء، بل وحتى الاحفاد فما اروع تلك الايام التي كنا نقضيها صغارا بصحبة الوالدين والأشقاء والاجداد فيتحدث كل واحد عما يختلج في فؤاده من احاديث النفس بصوت مسموع ومن دون اية حدود فقد كانت الاجازة مرادفة لصلة الرحم وتقوية اواصر العلاقة العائلية بل وكانت بمثابة جسر التواصل بين الاجيال يستقي كل فرد من خبرة وتجارب الآخرين لتكون المحصلة في النهاية اجازة اسرية دافئة مفعمة بكل معاني الحب والعقلانية والالفة تلك المعاني وتلك الجلسات التي بدأنا نفقد بريقها مع مرور الايام والسنين حول كيفية قضاء جيل اليوم للاجازة وحول رأي الاباء والاجداد وذكرياتهم وعن الفرق بين اجازة اليوم والامس كانت لنا هذه اللقاءات. احمد عبدالرحمن خليل ـ اعمال حرة ـ يقول ان الموضوع برمته يتوقف على المرحلة السنية للابناء فالازواج في مقتبل حياتهم الزوجية يكونون عادة مجتمعين خلال الاجازة مع الابناء الصغار وتزداد حلاوة الجلسة في ظل وجود الجد والجدة اما حين يكبر الابناء ويصبح لكل واحد منهم صداقاته الخاصة فإن الموضوع يختلف حيث تحدث فرقة اجبارية بمعنى انشغال الابناء بالخروج مع اصدقائهم وكذلك البنات نرى كل واحدة منهن تزور صديقاتها وهكذا يعاني الزوجان من الوحدة في ظل هذا الانشغال، وتصبح ايام الاجازة طويلة حتى لو كانت مجرد بضعة ايام فإنها تمر كالدهر مع عدم وجود المؤنس، وعن نفسي فإن ابنائي متزوجون ومنشغلون بحياتهم الخاصة مع زوجاتهم وابنائهم ولا استطيع اجبارهم على قضاء كل الاجازات معي لذا فإنني اوجه كلمة لكل ابن تناسى ان له أبوين فاقول له ان البر بالوالدين والتواصل معهما ضروري جدا فهما احوج ما يكونان للابناء في الكبر واطالبهم بأن يتواجدوا قدر المستطاع معهم فيوم في الشهر لا اتصور انه كثير عليهم، فحقوقهم على الابناء كثيرة ولكننا نطالبهم بزيارة واحدة تشعر الابوين بمكانتهما عند الابناء واعتقد انه مهما كانت المشاغل متعددة فإن الايفاء بالحقوق والواجبات من المفروض ان يكون لها موقع في سجل الابناء. تبادل الافكار اما ايمان جمال الدين ـ موظفة ـ فتتحدث قائلة ان الاجازة قبل ان يكبر الابناء كان لها طعم خاص، فقد كنت اصطحب ابنائي معي الى اي مكان اذهب اليه، وكم كنا نستمتع بوقتنا مع مشاغبة الصغار وحركاتهم العفوية الرائعة التي تجعل من المرء يرسم ابتسامة من القلب على شفتيه فينسى متاعب العمل وهمومه ولكن مع دورة حياتنا الحالية نجد ان الابناء قد كبروا واصبح لكل منهم عالمه واهتماماته الخاصة، فتراخى ذلك الحبل المتين الذي كان يضمنا يوما وغدا من الصعب ان يلتم شمل الاسرة خلال الاجازات كما في الماضي ولكنني لا ازال احاول قصارى جهدي ان نجتمع كلنا وذلك لايماني التام ان التقاء الاجيال هو التقاء للافكار والاطلاع على كل ما هو جديد في عالم الانترنت والتكنولوجيا الحديثة، كما ان الجلوس مع كبار السن في العائلة له طعم خاص من خلال الاطلاع على ذكرياتهم وتجاربهم والاستفادة منها علاوة على ان حديثهم هو عبارة عن حكم وامثال يستفيد منها جيل الشباب مضيفة ان الترابط الاسري مهم جدا في ظل هذه المعمعة الغربية التي تحاول بث سمومها في شبابنا والتي لن يحميهم منها سوى كنف الاسرة ونصيحة الابوين وهكذا تعتبر الاجازات الاسرية ذات نفع عام يشمل كل الافراد من كافة الاجيال ومن هنا علينا ان نحرص ان تكون كل اجازاتنا معطرة بأريج العائلة الواحدة المتماسكة والمحافظة على دينها فهي فرصة مناسبة تماما لغرس القيم في الابناء في جو خارج عن المألوف ومقرب الى الافئدة والعقول. غربة وحنين وفي الاطار ذاته يرى صالح مسعد المنتصر ـ موظف ـ انه نظرا لطبيعة عمله فانه يتلقى اجازة لمدة يومين كل شهر يقضيها برفقة الاصدقاء، فرغم انني متزوج ولدي اطفال الا انني مغترب حيث اتيت للعمل وهكذا فإنني افتقد روح الاسرة ومذاق الاجازة الحقيقية منذ ما يقرب من الخمسة اعوام ومع ذلك فإنني اعوض هذا الاحساس خلال الاجازة السنوية والتي اسافر خلالها الى اسرتي لأقضي بها اياما تمر كالثواني الا انني اعود منها محملا بالذكريات والصور الجميلة لزوجتي وابنائي الصغار اما عن ابتعاد الابناء عن محيط العائلة خلال الاجازة لمجرد انهم كبروا في السن فإن هذا يعود بالدرجة الاولى الى التربية فلو تربى الابناء على احترام الوالدين والايفاء بحقوقهما وعدم التجاوز عن واجباتهما فإن النتيجة ستكون ابناء بارين بهما ويحاولون بشتى الطرق والوسائل ارضاء الابوين، وبالتالي عدم نسيانهما في معترك الحياة وقضاء اجمل وأروع الاوقات معهما لانهما صاحبا فضل على الابناء والعكس صحيح فيما لو ترك الوالدان الحبل على الغارب للابناء واعطياهم الفرصة للابتعاد عنهما فهنا نجد ان النتيجة ستكون سلبية وسينجرف الابناء الى تيار الانانية ليبتعدوا تدريجيا عن والديهما ليعيش عقب ذلك الاب والام يعضان اصابع الندم على تربيتهما غير السوية. ترتيب وتنسيق والتقينا خلال جولتنا الموظف محمد بن عبيد الفلاسي والذي يقول انه مرتبط بأسرته جدا ويحاول بشتى الوسائل قضاء الاجازة معها، ولكن المرء في بعض الاحيان يود ان يروح عن نفسه من خلال الالتقاء بالأصدقاء والخروج معهم في رحلات بسيطة شريطة عدم الاخلال بالتزاماته الاسرية وصلة الرحم وهنا على المرء ان يفكر جيدا في كيفية تنسيق وقته ما بين الاهل والاصدقاء بحيث لا يطغى احدهما على الآخر، فمثلما ان للأصدقاء حقا الا ان حق الزوجة والاطفال احق بأن يتم الايفاء به ومع التنسيق والترتيب الحقيقي للوقت سيعطي الرجل كل ذي حق حقه، وبالنسبة لي فإنني أحاول جاهدا تقسيم ايام العطلة والاجازات بحيث اقضي بعضها في زيارة اهلي او اهل زوجتي وأقضي بعضها الآخر مع اصدقائي. والحقيقة ان جلسات الاهل مهمة جدا خاصة في وجود كبار السن نستقي الحكمة من افواههم ونتعلم منهم الكثير من العادات والتقاليد لذا فإنني انصح الشباب بعدم التفريط بمثل هذه الجلسات لما فيها من خبرة وفائدة عميقة الاثر في حياتهم فالاجازة ليست من المفروض ان تكون كلها في اللهو والمرح بل على الانسان الاستفادة من ذلك الوقت في محاولة جني اكبر قدر من المعلومات وتوطيد علاقته بمن حوله وخاصة الارحام. اجازة للأحفاد وحسبما يقول محمد حسن مكي ـ متقاعد ـ فإن ابناءه جميعهم متزوجون وبالتالي فإن لكل منهم اسرة هو مسئول عنها، وفيما يتعلق بالاجازات فإنهم يقضونها في السفر والترحال وغالبا ما يطلبون مني مرافقتهم ولا تتصوري كم تكون فرحتي كبيرة حين اجالس ابنائي وأحفادي الصغار حيث ان ذلك الوقت بالنسبة لي هو من اسعد الاوقات التي اتمنى الا تنتهي وأخص بالذكر الاحفاد، فمثلما يقول المثل انه «ما اعز من الولد سوى ولد الولد» وهكذا ارى نفسي اعاملهم واعيش معهم طفولتي وأتذكر تربيتي لأبنائي حين كانوا صغارا لذا فإني اعتبر وقت العطلة من الاوقات التي استعيد فيها شبابي وحيويتي والضحكة الخارجة من القلب، مما ينعش الفؤاد والذاكرة كما انني احاول الاستماع الى حكايا احفادي والمقالب التي تدور بينهم فأحاول نصحهم وارشادهم، وزيادة في الاستمتاع بذلك الوقت اقوم بالانفراد بأحفادي حيث تسري بداخلي راحة كبيرة بمجرد تواجدي معهم لذا فإنني انصح شباب اليوم بألا يبخلوا على آبائهم بدقائق يقضونها وسط جو عائلي مفعم بالراحة النفسية فلا شيء يضاهي رؤية جد لحفيده واللعب معه لبرهة من الوقت. .. وأخرى للأصدقاء ومن جهته يقول عارف محمد هادي ـ موظف ـ انه يقضي معظم ايام الاجازة مع الاصدقاء حيث يقومون برحلات برية وبحرية ينسون خلالها جو العمل بما فيه من تعقيدات ومتاعب، فالخروج مع الاصحاب له طعم خاص ونكهة فريدة والواقع اننا نقوم باللهو طوال الوقت علاوة على ايقاع البعض في مقالب نكون قد نصبناها وأذكر في احدى المرات انني وقعت فريسة فخ كنت انا الذي اعددته لصديق، وتستمر تلك الرحلات منذ الفجر حتى غروب الشمس، اما عن الاهل فإنني اقوم بزيارتهم والجلوس معهم في اوقات عديدة ولا اظن انني مقصر معهم، فمن الطبيعي ان يخرج الشاب مع اصدقائه وقت العطلات وخاصة الطويلة، فالنفس البشرية بحاجة للتجديد المستمر كي تستمر في العطاء والذهن كذلك بحاجة الى الترفيه كي يجدد نشاطه والمرء في كل الاحوال يحتاج الى سويعات يعيد فيها حساباته وتوازنه النفسي والجسدي كي يعود بعد العطلة وهو ممتليء بالحياة والحيوية والنشاط فينكب على عمله بجد واجتهاد بعد ان يكون قد طرح الماضي بعيدا ورمى المضايقات خلف ظهره، لذا فإنني اتوق لأيام العطلات والاجازات بل وانني اخطط لها مع اصدقائي ونقوم بعمل جدول حافل بعدد من الزيارات للأماكن الترفيهية والتاريخية والمتاحف التي تزخر بها بلادنا. منزل العائلة وقد كان لنا لقاء مع ام خالد اسماعيل ـ ربة بيت ـ والتي تحدثت مطولا عن الاجازة حيث تقول: لقد تعودت بعد ان تزوج كافة ابنائي واستقل كل منهم بحياته الزوجية والاسرية الخاصة ان يجتمعوا كلهم في منزلي والذي يطلقون عليه «منزل العائلة» حيث يأتون الي على وجبة الغداء ولا ينصرفون الا بعد تناول العشاء لذا فإن هذا اليوم والذي عادة ما يكون يوم الجمعة، هو يوم خاص اقوم فيه بطهي مختلف الاطعمة حسب رغبة وذوق ابنائي وأحفادي وأتفنن في تقديمها اليهم، ويكون هذا اليوم مفعما بالضحك والمرح وأحيانا حل المشاكل التي تواجه ابنائي وأشعر خلاله بالنشاط والحيوية خاصة حين ارى احفادي وهم يلتقون سويا ويلعبون معا وحتى في اوقات شجارهم فإني احاول تهدئتهم كي يعاودوا اللعب من جديد وبالطبع لا انسى شراء الحلويات والعصائر لهم، لذا فهم يحبون المجيء الى منزلي دوما. اما عن الابناء فإنهم يجلسون سويا يتبادلون الاحاديث والنكات وحين يقترحون القيام برحلة خارجية فإنهم يصرون على اصطحابي معهم، فلا املك سوى الموافقة حتى لو كنت منهكة ومتعبة علما بأن الرحلات التي نقضيها بصحبة بعضنا البعض يكون الاكل خلالها من المنزل، حيث اطبخ كافة المأكولات مع الخبز والارز والشاي والقهوة وبعض الحلويات، فحسبما يقول ابنائي وأحفادي ان الطعام الذي اطبخه بنفسي له مذاق خاص لهذا فأنا لا ارضى ان اكسر بخاطرهم ابدا. رابعة الزرعوني